أ. د. عدنان القطان –  باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

 

ألقى الأمير عبدالإله بن علي -الوصي على عرش العراق- في 27 كانون الأول 1945، في المجلس النيابي خطابا عاما أعلن فيه العزم على السماح بتأليف الأحزاب والجمعيات السياسية، والاتجاه نحو حياة ديمقراطية صحيحة بالانتظام في الحياة الحزبية على النحو الذي كفله الدستور.

ويبدو أن الظروف التي نشأت خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، وما رافقها من المفاهيم الديمقراطية التي كان الحلفاء يرتكزون عليها في الصراعات مع الأنظمة (النازية والفاشية) واصرار الشعب بفئاته السياسية عل التمسك بالنزعة الديمقراطية هي التي كانت وراء ذلك، كرد فعل لامتصاص النقمة وتحسين الأجواء السياسية في البلاد ولو الى حين . أعقب خطاب الوصي تشكيل وزارة جديدة برئاسة توفيق السويدي في 23 شباط 1946. بدأ (السويدي) استشاراته مع بعض العناصر والوجوه الجديدة التي كان يعتقد بأنها (عناصر نظيفة) ومشهود لها (بالكفاءة الوطنية والنزاهة والسمعة الحسنة) مما جعل الوزارة مقبولة ومحبوبة في نظر الشعب.

ضمت حكومة السويدي بعض الوزراء ممن عرفوا بالوطنية والرغبة في انهاء الاحوال الاستثنائية من أمثال (سعد صالح – وزير الداخلية) و (عبد الوهاب محمود – وزير المالية) و ( عبد الهادي الظاهر – وزير الاقتصاد). لذلك استقبلت الوزارة الجديدة بتفاؤل واسع من الاوساط الوطنية والصحافة العراقية.

أعلنت الوزارة الجديدة أنها ستسعى الى نقل البلاد من حالة الحرب الى حالة السلم الجديدة بإلغاء الأحكام العرفية وغلق المعتقلات ورفع الرقابة عن الصحافة، والسماح بتأسيس الاحزاب السياسية وتشريع قانون جديد للانتخاب، والعناية بالفلاحين وتحسين حالتهم وتوزيع الأراضي عليهم، وفي السياسة الخارجية وعدت الوزارة بتعديل المعاهدة العراقية – البريطانية لجعلها تنسجم مع روح ميثاق الامم المتحدة، وفي السياسة العربية تسعى الى تعزيز الدولة العربية والحفاظ على حقوق (عرب فلسطين) ومساعدتهم في شتى المجالات. فأجازت خمسة أحزاب سياسية في نيسان 1946 هي : حزب الاستقلال، حزب الأحرار، الحزب الوطني الديمقراطي، حزب الاتحاد الوطني، حزب الشعب.

كما ألفت لجنة للنظر في أمر تعديل معاهدة 1930، وشرعت في النظر أيضا في تعديل قانون انتخاب النواب الجدد، وقد شكلت هذه الاجراءات مناخا جديدا للمعارضة الوطنية، وتحريك الأحداث الوطنية والقومية والاسهام فيها، وجعل الجماهير تتنفس الصعداء لاعتقادها بأن الديمقراطية ستعم العراق. الا ان ذلك لم يدم طويلا لأنه لم يكن أمرا مرغوبا فيه من لدن الفئة الحاكمة، وانما جاء نتيجة أسباب ودوافع خارجية وداخلية. فقد سقطت وزارة السويدي نتيجة المعارضة العنيفة التي لاقتها بسبب منهاجها.

كلف أرشد العمري (1 حزيران – 6 تشرين الثاني 1946) بتشكيل الوزارة، فأخذت تضيق ذرعا بحرية الأحزاب والصحافة، فمارست سياسة تعسفية وضيقت الخناق على الأحزاب والحريات الديمقراطية. فواجهت هي الأخرى معارضة شعبية أدت الى سقوطها. وهكذا لم تستطع هاتان الوزارتان اجراء الانتخابات بموجب القانون الجديد.

عهد الوصي (عبدالإله) الى نوري السعيد في 21 تشرين الثاني 1946 بتأليف الوزارة، وقد فاوض (نوري) كلا من (الحزب الوطني الديمقراطي) و (الاحرار) للاشتراك في وزارته، واشترط الحزبان للدخول في الوزارة اجراء انتخابات حرة واطلاق الحريات المنصوص عليها في الدستور بما في ذلك حرية الصحافة، وضمت الوزارة عن الحزب الوطني الديمقراطي (محمد حديد) الذي عين وزيرا للتموين وعلي ممتاز الدفتري ممثلا لحزب الأحرار وعين (وزيرا للمواصلات والأشغال) .

وفي 22 تشرين الثاني عقد نوري السعيد مؤتمرا  صحفيا زعم ان وزارته حيادية “انتقالية” ستقوم بإجراء الانتخابات بحيث تشترك فيها طبقات الامة كافة، وانه وزملاءه سيتركون الوزارة للأكثرية بعد الانتخابات وظهور نتائجها. فأعلنت (وزارة السعيد) حل مجلس النواب والشروع بانتخابات جديدة، وفق قانون انتخاب النواب رقم (11) الذي شرعته حكومة السويدي عام 1946.

على الرغم من تأكيدات نوري السعيد بأن حكومته ستلتزم جانب الحياد في الانتخابات، فإن الأحزاب – الشعب والاحرار والاتحاد الوطني – قاطعت هذه الانتخابات، كما ان الحوادث والوقائع دلت على ان هذه الانتخابات لم تخل من مداخلات الحكومة، بعيدا عن ارادة الناس في اختيار نوابهم.

انتقدت الصحافة الحزبية المجلس الجديد وعدته مجلسا جاء عن طريق “انتخابات مزورة” وانه مجلس لا يمثل الشعب وهو صورة مطابقة للمجالس السابقة. وكان سببا مباشرا لإسقاطها ومجيء حكومة صالح جبر في 29 آذار 1947.

استقبلت حكومة (صالح جبر) من قبل الأحزاب السياسية المعارضة بالنقد وعدوها أداة لتنفيذ السياسة الرامية لربط العراق بالتكتلات والمشاريع الاستعمارية. فبدأت المفاوضات مع الجانب البريطاني لتعديل معاهدة 1930، واستمرت من (8 آذار 1947 – 4 كانون الثاني 1948)، وانتهت بالتوصل الى صيغة معاهدة جديدة في 15 كانون الثاني، اطلق عليها اسم (معاهدة بورتسموث) التي جرى التصديق عليها بين الجانبين العراقي والبريطاني، وما أعلنتها الحكومة رسميا في 15 كانون الثاني 1948، حتى كانت القوى الوطنية لها بالمرصاد فقد قابلتها بانتفاضة شعبية عارمة، تمخضت عن اسقاط المعاهدة الجديدة التي تكبل العراق بقيود عسكرية جديدة وارغام الوزارة أخيرا على الاستقالة. وساد الأوساط الشعبية والسياسية ارتياح بالغ بعد استقالة وزارة صالح جبر في 27 كانون الثاني 1948، واصدرت الأحزاب السياسية بيانا طالبت فيه بضرورة العمل على تغيير الاتجاه السياسي بشكل يستهدف مصلحة الشعب الحقيقية من خلال تحقيق مطالبها، ومن بين تلك المطالب وجوب حل المجلس النيابي القائم والمباشرة بانتخابات حرة لمجلس جديد، وفي 29 كانون الثاني 1948 عهد الوصي (عبد الإله) الى محمد الصدر بتأليف الوزارة، وقد استبشر الرأي العام لهذه الوزارة خيرا، كما رحبت القوى الوطنية بها ودعتها للعمل من أجل تحقيق مطالب الشعب، لذا اتخذت الوزارة قرارا في 22 شباط 1948 بحل المجلس النيابي القائم والدعوة لإجراء انتخابات جديدة، اعتبارا من الاسبوع الأول من نيسان 1948، وحينئذ قررت الاحزاب السياسية المشاركة في هذه الانتخابات الجديدة – كما سنرى -.