“من الصعب أن تتعايش مع أناس يرون أنهم دائما على حق”

المقدمة:

يبدو إن الاحزاب السياسية الطائفية في العراق بأدواتها وبرامجها وميليشياتها التي انتهجت الطائفية كأساس للعمل السياسي تمر بمأزق حقيقي بعد أن ضعفت شرعيتها بشكل كبير وأصبحت هناك فجوة كبيرة بينها وبين الحاضنة الاجتماعية التي كانت تدعي سابقاً بأنها الداعمة لحكمها في العراق. فقد فشلت في المحافظة على هذه الحاضنة وخاصة في فئة الشباب الطامح الى التغيير. كما يمكن أن نقول أنها فشلت في تلبية طموح جماهيرها وتوفير حياة حرة كريمة لها. وهذا كان واضحاً وجلياً عندما عزف الشارع العراقي عن المشاركة في الانتخابات التي جرت عام 2018م وشاهدنا كيف تمت عمليات التزوير وكيف حرقت صناديق الاقتراع لطمس معالم الجريمة!! وهذا جميعه انتج ثقافة جديدة في الشارع العراقي تدعو الى نبذ الاحزاب الطائفية والعملية السياسية برمتها والتي تجاهلت القاعدة الشعبية بشكل كبير ما أدى الى فقدان الثقة بصورة كاملة بهذه المسميات واصبحت هناك قناعة راسخة بأنه لن يكون هناك مجال للإصلاح ما دامت الطبقة السياسية الحاكمة هي من تتصدر المشهد العراقي منذ عام 2003م والى يومنا هذا. وإن ما يجري من حراك سياسي هو تدوير لهذه القيادات حسب مصلحة الاحزاب والكتل السياسية التي أصبح خطابها قديم ولا يمكن القبول به والاستمرار عليه، خصوصاً بعد أن قدمت مصالحها الخاصة ومصالح الدول الاخرى على مصالح العراق الوطنية والقومية، وأصبحت هناك طبقة  تنفذ مشاريع اقليمية لا تصب في مصلحة العراق وشعبه. واليوم يبدو المشهد العراقي بعد مظاهرات الاول من تشرين الاول في تصاعد غير مسبوق ومستمر رغم القمع الحكومي لشباب الانتفاضة الذي خرج بصدور عارية للمطالبة بحقوقه المسلوبة بسبب فساد الطبقة السياسية الحاكمة.

 

الحكومة تركز على الحل الامني وتشكل غرف عمليات مشتركة لقمع المتظاهرين:

يبدو إن الحكومة قد حسمت أمرها وخيارتها على فض المظاهرات واستخدام القوة بعد أن هدد رئيس الوزراء في لقائه الاخيرة بمجلس الوزراء. وهو ما يؤكده استخدام حكومة بغداد الحل الامني في قمع المظاهرات التي خرجت في الاول من تشرين الاول واستمرت لمدة سبعة أيام ثم توقفت بسبب زيارة الاربعين لتعود مرة أخرى في الخامس والعشرين من الشهر نفسه وتستمر الى يومنا هذا، بعد فشل الحكومة وأجهزتها الامنية والعسكرية من الحد من انتشارها والسيطرة عليها رغم الإجراءات التعسفية التي قامت بها من قتل وجرح واعتقال وخطف وتعذيب. بل على العكس أتسع نطاقها لتشمل جميع المحافظات الجنوبية والعاصمة بغداد بجميع شرائح الشعب العراقي. وقد ارتفعت أعداد الشهداء لتصل الى أكثر من (400)شهيد وأكثر من(17)الف جريح مع أعداد كبيرة من المعتقلين والمخطوفين. كما قامت الحكومة بإنشاء وتشكيل غرف عمليات أمنية مشتركة في جميع المحافظات الجنوبية والفرات الاوسط وبأشراف ايراني وممثل من كل فصيل مسلح لقمع هذه المظاهرات، بالإضافة الى خلية الازمة التي شكلها رئيس الوزراء في بغداد لتضم قادة الاجهزة الامنية والعسكرية والميليشيات. حيث لجأت الحكومة والكتل السياسية الحاكمة في العراق وايران الى استخدام أساليب متعددة لاحتواء وانهاء المظاهرات. فعملت على استخدام القوة والرصاص الحي بصورة مباشرة في بغداد وكربلاء والناصرية والبصرة، واستخدمت الغازات المسيلة للدموع والتي كانت تؤدي الى الاختناق بسبب سميتها العالية والتي استخدمت بشكل مباشر على مناطق حساسة من الجسم وخاصة في الرأس لتفريق المتظاهرين. بالإضافة الى عمليات الاعتقال والخطف واستخدام الهراوات لترويع الناس ومنعهم من إدامة زخم المظاهرات، كما منعت دخول المواد الغذائية لساحات التظاهر وحاولت تضييق المساحة التي تنتشر فيها المظاهرات.

 

الحكومة لا تعرف ماهية الطرف الثالث:

إن تصريحات رئيس الوزراء سطحية وبعيدة عن توصيف الواقع. فهو يقول بأن القوات الامنية في حالة الدفاع وهذا التصريح يعني بأن المتظاهرين هم في حالة الهجوم وهذا يجافي الحقيقة. فمن يقتل ويخطف ويعتقل ويجرح الان هم المتظاهرين – حسب تصريحات رئيس الوزراء -. ولكي تتنصل الحكومة من مسؤولية القتل تحاول الحكومة ترويج بأن هناك طرفا ثالثا هو الذي يقوم بقتل المتظاهرين. وقد سمعنا الكثير من الروايات في هذا الصدد الذي يشمل جميع المظاهرات التي خرجت في بغداد والمحافظات الجنوبية. ولكن الحكومة لم تفصح أو تسمي الطرف الثالث والذي أعتقد جازماً بأنها تريد هذا الطرف أن يبقى مجهولاً ومستمراً لأسباب متعددة  منها: إن هذا الطرف لا تستطيع الحكومة محاسبته وهو خارج السيطرة الحكومية؛ وهذا الطرف يعتبر نفسه فوق السلطة والقانون؛ وهذا الطرف هو نفسه الذي خاطبه رئيس الوزراء لإطلاق سراح مدير عام المعهد العالي بوزارة الداخلية اللواء ياسر عبد الجبار؛ وهو نفس الطرف الذي يرفض عودة النازحين الى منازلهم في جرف الصخر وعزيز وبلد ومناطق كثيرة في ديالى في تحدي واضح لسلطة الحكومة وهيبة القانون والتي وقفت الحكومة عاجزة أمام هذه السطوة التي هيمنت على المشهد السياسي والعسكري. ولا أعرف لماذا لم تقم الحكومة بكشف أو مواجهة هذا الطرف الذي تنسب اليه جميع جرائم القتل التي جرت وتجري أمام مرأى ومسمع من القوات الحكومية؟؟.

لكي تبرر استخدام العنف واعتقال الناشطين لا بد من وجود مبرر لذلك

كما صرح وزير الدفاع بأن هناك طرفا ثالثا يقوم بقتل المتظاهرين. وأعتقد بأنه صرح بهذا ليبعد التهمة عن القوات الحكومية. ومع هذا هو لم يسم الطرف الثالث!!! وهنا نسأل: من هو المسؤول عن كشف الطرف الثالث ؟هل المواطن البسيط هو المسؤول أم الحكومة وأجهزتها الامنية؟ فنحن لسنا بحاجة لهذا التوصيف التافه لمجريات الاحداث بالعراق، ونسأل ما هو واجب الاجهزة الامنية؟ هل أن واجبها أن تتفرج على قتل المتظاهرين، أم أن واجبها القيام بحمايتهم؟ والمشكلة الاكبر هي أن وزير الدفاع يقول بأن القنابل المسيلة للدموع – وأنا أقول بأنها مسيلة للدماء – والتي اخترقت رؤوس المتظاهرين وسببت الاختناق لم تكن ضمن اسلحة الجيش العراقي ولم يتم استيرادها عن طريق وزارة الدفاع. وهذا يجعلنا نسأل من هي الجهات القادرة على استيراد هذه القنابل واستخدامها ضد المتظاهرين؟ وهل هي جهات حكومية؟ فحسب تصريح وزير الدفاع أنها خارج سيطرة وزارة الدفاع والداخلية. وهنا نقول: لماذا لم يتم ردعها إذا كانت غير حكومية؟ واذا كانت ضمن السيطرة الحكومية، فهذا يعني إن الجهة التي تقتل المتظاهرين هي جهة رسمية حكومية، والحكومة هي المسؤولة وعلى رأسهم القائد العام للقوات المسلحة.

ومن الملفت أيضا تصريح الامين العام لميليشيا العصائب قيس الخزعلي الذي اتهم الطرف الثالث أيضاً وحمله المسؤولية عن قتل المتظاهرين والاجهزة الامنية. وهذا يزيد من الضبابية حول ماهية الطرف الثالث الذي سيكون حسب تقديري طوق النجاة لهم للتنصل من جميع جرائم القتل التي ارتكبت بحق المتظاهرين السلميين. مع العلم إن (الشيخ) صرح قبل بدء المظاهرات فقال إن هناك مظاهرات ستخرج في بداية شهر تشرين. والسؤال كيف عرف ذلك قبل أن يكون واقعاً فعلياً؟ ولكن عندما نتكلم عن الجهة التي تقتل المتظاهرين فالشيخ لا يعرف من هم، ويقول هناك طرف ثالث، هذه مفارقة عجيبة!. لأنكم تدعون بانكم تعرفون إن الطائرات الاسرائيلية هي وراء قصف مقرات الحشد الشعبي الولائي، وإن ما يجري في العراق هو مؤامرة خارجية كما سمعنا من الفياض وبعض الرموز الحكومية. لذا فأنتم تعرفون المخططات الخارجية وقمتم باختراق تنظيم الدولة كما صرح بذلك وزير الداخلية السابق الغبان، ولكنكم لا تعرفون الطرف الثالث، وهذا غريب جداً. فمن الاولى لكم أن تعرفوا ما يجري في بلدانكم وأمام أنظار قواتكم الامنية! وأولى لكم أن تعرفوا من يقتل الشعب أمام أجهزتكم الامنية. فإلى اليوم لم نسمع أنكم ألقيتم القبض على أي شخص من الطرف الثالث! ولكن نسمع إلقائكم القبض على الناشطين والناشطات، فهؤلاء تعرفونهم!! لذا فجميع الاجراءات والتصريحات تعطي صورة واضحة إن الحكومة لا تريد الاستجابة لمطاليب المتظاهرين ولكنها تحاول احتواها وانهائها.

هناك مسألة أخرى تروج لها الحكومة وأجهزتها الامنية والعسكرية، حيث تقول بأن هناك مندسين يقومون بالتخريب وهناك بعض الممارسات التي تمس بسلمية المظاهرات منها حرق المقرات. وتركز الرواية الحكومية على الطرف الثالث الذي تقول بأنه يقتل المتظاهرين ويقتل الاجهزة الامنية لتحويل المشهد الى فوضى وهي تسوق هذه الرواية كي تبعد عنها الاتهامات التي طالت أجهزتها الامنية وأنها هي المسؤولة عن قتل المتظاهرين. وهنا نحن نفصل في هذه الرواية ونقول: يمكن أن يكون مثل هذا الاحتمال وارد في بغداد كونها تضم جميع شرائح المجتمع العراقي رغم عدم قناعتي بهذا الاحتمال بسبب السطوة الامنية التي تفرضها الاجهزة الحكومية بمختلف مسمياتها بما فيها انتشار آلاف الكاميرات في معظم أحياء العاصمة بغداد، وثقتي بأن الجميع خرجوا بصدور عارية للمطالبة باستعادة وطن فقد قراره السيادي وبددت ثرواته. وهي عندما تسوق هذه الرواية تحاول أن تلبس المظاهرات جلباب الطائفية والبعثية والارهاب مرة أخرى كي تعيد التخندق الطائفي ولكي تبرر استخدام العنف المفرط في قمع المتظاهرين. وهنا كي أسحب البساط من تحت أقدام الحكومة أقول إن بغداد يمكن أن تتعرض لمثل هذا الاحتمال كونها تضم مختلف شرائح المجتمع العراقي ولكن المحافظات الجنوبية من أين أتى لها الطرف الثالث؟ وهي التي تعتبرونها الحاضنة الاجتماعية لسلطتكم الحاكمة طوال السنين الماضية، وهي تضم تقريباً طيف بعينه معروف للجميع عدا بعض المحافظات التي تعتبر الطوائف فيها أقليات. وهنا نسأل من قتل المتظاهرين في كربلاء والبصرة والناصرية والديوانية والنجف والعمارة. لا يمكن لكم أن تبرروا القتل الذي طال المتظاهرين الذين خرجوا بصدور عارية للمطالبة بحقوقهم. وأصبحت رواية الطرف الثالث قديمة لا تواكب تطور الاحداث، وعليكم أن تعترفوا إن هناك أجندة خارجية وحزبية وميليشياوية هي من تقوم بعمليات القتل.

 

إجراءات حكومية لا قيمة لها:

لقد عملت الحكومة على إصدار قوانين لتجريم الكثير من المظاهر السلمية التي خرجت في هذه المظاهرات من خلال القانون واتهام من يقومون بهذا العمل بالمادة (4)إرهاب، وعملت على تسفيه الاحداث التي تجري والمشاهد التي تبثها مواقع التواصل الاجتماعي، وأنها تمثيليات وغيرها من الاوصاف التي تعطي انطباعاً واضحاً بأن الحكومة لا تريد الاستجابة لهذه المطالب. كما قامت بتجريم من يقوم بقطع الطرق وإغلاق المدارس والجامعات والدوائر الحكومية، وأن هناك من يقوم بحرقها، وهذا يجافي الحقيقة. ولكن لكي تبرر استخدام العنف واعتقال الناشطين لا بد من وجود مبرر لذلك. كما استخدمت أسلوب اصدار قوانين جديدة كجزء من عملية الاصلاح التي تقوم بها الحكومة برئاساتها الثلاث، ومنها إصدار قانون جديد للانتخابات بدون الدعوة لانتخابات مبكرة. وهذا يعني إن تطبيقه بعد ثلاث سنوات بعد انتهاء الدورة الانتخابية الحالية ومنها تعديل قانون التقاعد العام والقائمة قد تطول في هذا المجال وكأن الحكومة كانت في وادي والشعب والبلد في وادي آخر. فهي تطلب مهلة (45) يوماً للقيام بإصلاحات وإذا فشلت في ذلك فيمكن أن تقدم استقالتها أو تعمل الكتل السياسية على اقالتها من خلال البرلمان. علماً إن هذه الاصلاحات تضمنت تغيرات تشمل الكابينة الوزارية، وجميع هذه الاجراءات لن تجدي نفعاً ولن تحقق مطاليب المتظاهرين ولو بحدها الادنى.

هناك ثقافة راسخة لدى المجتمع العراقي بعدم الثقة بأي شيء حكومي. لذا الحكومة قد فقدت القدرة على الاستجابة لمطاليب المتظاهرين

خروج المظاهرات بداية النهاية لمشروع الاحتلال:

إن خروج المظاهرات واستمرارها واتساع نطاقها يعتبر ضربة قاصمة للنظام السياسي الحاكم وضربة قاتلة للعملية السياسية التي جاء بها المحتل ثم انسحب تاركاً المجال مفتوحاً لإيران كي تملأ الفراغ. وهذا الامر باركته الاحزاب السياسية وميليشياتها المسلحة مما يجعل الاستجابة لمطاليب المتظاهرين ينذر بزوال وتغيير السلطة الحاكمة في العراق منذ عام 2003م والى يومنا هذا بسلطتيها التشريعية والتنفيذية، بما فيها الاخطاء التراكمية التي ارتكبتها جميع الحكومات السابقة برئاساتها الثلاث، والتي تحولت الى منظومة فساد متكاملة تديرها الاحزاب السياسية وميليشياتها المسلحة ومن معهم من مافيات الفساد القائمة في جميع الوزارات التي تم توزيعها على الاحزاب والكتل السياسية ضمن نظام المحاصصة الطائفية الذي قامت عليه العملية السياسية والتي رضي بها الجميع. الامر الذي انتج قيادات سياسية فاسدة ولائها للخارج ولا يمكن الوثوق بها. وهذا ينسحب على جميع المحافظات العراقية التي سيطرت عليها الاحزاب الحاكمة وتحولت الى ريع ثابت لهذا الحزب أو ذاك بما فيها الدرجات الوظيفية والمشاريع والمقاولات مع اختلاف بسيط في الإقليم. وهذا المشهد استمر لمدة (16)عاماً من الفساد المالي والاداري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي. بحيث استمرت هذه الوجوه الكالحة في تصدر المشهد السياسي العراقي وجرى تدويرها طوال هذه المدة والتي تميزت بالفساد المالي والاداري والطائفية والمحاصصة وضياع حقوق العراقيين ومصادرة قرارهم السياسي وضياع ثرواتهم. لذا فالمستقبل لا يدعو للتفاؤل مع بقاء هذه الطبقة السياسية، مما يجعلنا نقول بأن هناك اشكال حقيقي في استجابة الحكومة وتلبية مطاليب المتظاهرين .

 

 ماذا تعني استجابة الحكومة لمطاليب المتظاهرين:

إن استجابة الحكومة لمطاليب المتظاهرين يعني زوال النظام السياسي الحاكم، وظهور أحزاب جديدة وتوجهات جديدة بعيدة عن الطائفية والمحاصصة التي أبقت هؤلاء السياسيين في سدة الحكم طوال الفترة الماضية. وهذا بحد ذاته تهديد صريح لجميع الطبقة السياسية الحاكمة. وقد تكون هذه خطوة أولى لتقديم الفاسدين والطائفيين الى المحاكم كجزء من الاستجابة لمطاليب المتظاهرين بضمنها إعادة بناء مؤسسات الدولة. الامر الذي سيقصي الكثير من نفوذ هذه الاحزاب والميليشيات عن مواقع القرار لأن النظام الحاكم لن يقبل بتغيير الوضع القائم بهذه السلاسة بسبب:

أولا: إن هذا النظام السياسي لن يقدم على تفكيك نفسه بسلطتيه التشريعية والتنفيذية. لأنها هي الجهة الوحيدة المستفيدة من الوضع القائم بالعراق بالإضافة الى الفاسدين وبعض دول الجوار ومنها ايران.

ثانيا: إن الاستجابة لمطاليب المتظاهرين يعني خروج وانتهاء النفوذ الايراني الذي لن يسمح بتغيير الوضع القائم في العراق بهذه السهولة التي يتوقعها البعض. لكون ايران ترى أن العراق هو البوابة الرئيسية لتمددها في المنطقة وهو الرئة الاقتصادية التي تتنفس منها للتخلص والالتفاف على العقوبات الاقتصادية الامريكية التي فرضت عليها، بحيث أصبح العراق هو المورد المالي الوحيد والرئيسي لإيران. لذا فايران قد تقبل بخسارة نفوذها في اليمن وسوريا ولكنها لن تقبل بخسارة نفوذها في العراق بهذه السهولة لما له من تداعيات خطيرة على مشروعها الاقليمي في المنطقة حتى ولو تطلب الامر التدخل المباشر للحرس الثوري الايراني في العراق.

ثالثا: إن الاحزاب السياسية الطائفية وميليشياتها الطائفية المسلحة التي سيطرت على المشهد السياسي والامني لن تسمح بتغيير الوضع القائم في العراق بهذه السهولة. لأن هذا يعني فقدانها لجميع الامتيازات التي حصلت عليها في الفترة السابقة بما فيها الشرعية القانونية لميليشيات الحشد الشعبي الذي يعمل على بناء مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة بحيث أصبحت جزء من منظومة عدم الاستقرار بسبب تبعية قرارها للخارج وسياستها الطائفية التي انتهجتها. لذا فهي جزء من المشكلة وليس جزء من الحل. وهنا قد يتحول المشهد الى دموي بامتياز اذا أصبحت هذه المظاهرات قريبة من تحقيق أهدافها. وهناك تهديد حقيقي لهذه الميليشيات بزوال هيمنتها وسيطرتها.

 

لماذا لا تستطيع الحكومة الاستجابة لمطاليب المتظاهرين:

أولا: إن هذه الحكومة ضعيفة وفاقدة لقرارها السياسي والامني بسبب سيطرة الميليشيات التابعة لإيران على المشهد السياسي والامني والاقتصادي، وهي التي شكلت ودعمت الحكومة القائمة، وهي التي ترفض الان استقالة حكومة عادل عبد المهدي حسب المشورة الايرانية التي قدمها قاسم سليماني لقادة الميليشيات المسلحة والاحزاب السياسية والتي تعتبر أن القبول باستقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي يعني تداعي النظام السياسي بأكمله. لذا يجب التمسك بهذا النظام – حسب الميليشيات – لحين ترتيب الاوضاع وكسب المزيد من الوقت لاحتواء المظاهرات. وهذا يبين إن النظام الحاكم لا يستجيب للمصالح الوطنية بقدر الاستجابة لمصالح الدول الاخرى ومشاريعها الاقليمية في المنطقة على حساب الامن القومي ومصلحة الشعب العراقي.

ثانيا: هناك فقدان للثقة تماماً بين الشارع العراقي وهذه الحكومات والاحزاب والميليشيات المسلحة والتي حكمت العراق لمدة (16) عاماً حتى اقتنعنا أن هناك ثقافة راسخة لدى المجتمع العراقي بعدم الثقة بأي شيء حكومي. لذا الحكومة قد فقدت القدرة على الاستجابة لمطاليب المتظاهرين. ومن يراقب الاجراءات الحكومية يصل الى قناعة مطلقة بأن الحكومة لا تريد الاستجابة لهم بسبب:

(1) إن الحكومة غير قادرة على تغيير بنية النظام السياسي الحاكم في العراق بعد عام 2003 والذي يخضع لمعايير المحاصصة الطائفية بين المكونات السياسية الحاكمة في العراق، بحيث أصبحت كالغنيمة التي يتم تقاسمها بين جميع الاطراف المشاركة بالعملية السياسية.

(2) لا تستطيع الاستجابة بسبب هيمنة الاحزاب السياسية والميليشيات الطائفية على المشهد العراقي السياسي والعسكري والاقتصادي، مما أفقد الحكومة القدرة على معالجة الاوضاع التي فقدت السيطرة عليها تماماً.

(3) استخدام الحكومة وأجهزتها الامنية للقوة المفرطة في قمع هذه المظاهرات الأمر الذي أعطي دلالة واضحة على عدم رغبة الحكومة في الاستجابة لمطاليب المتظاهرين.

(4) محاولة الحكومة القيام شراء الذمم لبعض شيوخ العشائر وشراء الولاءات الداخلية بالإغراءات المالية وتوزيع الاراضي ومنح المناصب لبعض الناشطين .

(5) استخدام القضاء لإصدار قرارات قضائية بتجريم بعض الافعال حسب المادة (اربعة ارهاب) وذلك بإصدار مذكرات قضائية لقمع قيادات التظاهر بسبب الضغوطات التي تمارسها السلطة التنفيذية.

(6) قلة الموارد المالية لحكومة بغداد بسبب المديونية الخارجية التي وصلت الى أكثر من (120) مليار دولار مع ارتفاع الانفاق الحكومي الى مستويات غير مسبوقة بسبب الفساد المالي والاداري وتصريحات رئيس الوزراء واضحة بان الموارد المالية قليلة وليس هناك حلول سحرية.

(7) الانقسام الواضح بين الكتل والاحزاب السياسية الذي جعل الحكومة عاجزة عن طرح أي حلول حقيقية لمواكبة موجة التغيير التي تطالب بها الجماهير، حتى وصلنا الى  انسداد في الافق السياسي بسبب بنية النظام القائم على المحاصصة. لذا نرى إن المواقف تباينت بين داعم لرئيس الوزراء وبين من يبحث عن بديل لرئيس الوزراء والجميع مستنفر ويقبل باستقالة الحكومة لتكون كبش فداء لمجريات الاحداث. وهذا ما لا يريد أن يفهمه رئيس الوزراء الذي يتكلم عن فراغ يمكن أن يحصل في حالة الاستجابة لمطاليب المتظاهرين باستقالة الحكومة. وجميع الكتل تريد التضحية به مقابل أن يهدأ الشارع الذي بدء رافضاً لجميع هذه الاجراءات.

يجب على الحكومة والبرلمان ورئاسة الجمهورية والاحزاب والميليشيات أن تواجه الحقيقة التي يفرضها الواقع ويحاول الجميع نكرانها

يجب أن تفهم الحكومة والاحزاب الحاكمة وايران ما يلي:

إن ما يجري في العراق من مظاهرات عارمة هو مأزق خطير تمر به الطبقة السياسية الحاكمة في العراق بأحزابها وميليشياتها التي قامت على الفساد والطائفية التي بدت بعد مظاهرات الاول من تشرين منقسمة ومرتبكة وبعيدة عن حاضنتها الاجتماعية بسبب قلة خبرتها السياسية وتبعيتها للخارج. فقد هزت هذه الثورة المباركة اركان الاحزاب الحاكمة وميليشياتها المسلحة التي تربعت على حكم العراق طوال الفترة الماضية. لذا يجب على الحكومة والبرلمان ورئاسة الجمهورية والاحزاب والميليشيات أن تواجه الحقيقة التي يفرضها الواقع ويحاول الجميع نكرانها وهي:

  • أن هناك وعي سياسي يتشكل في العراق وواقع سياسي جديد يجب الاعتراف به والتعامل معه وليس قمعه ومحاولة تشويهه وشيطنته بانه مؤامرة خارجية وأنهم مدسوسين وأنهم شيعة الانكليز وما الى ذلك من أوصاف تجافي الحقيقة، وهذا الواقع بعيد عن الطائفية وخارج الحسابات الاقليمية لدول المنطقة ويقدم مصلحة العراق أولا.
  • لقد فقد المواطن العراقي البسيط الثقة بأي شيء يمكن أن يسمى اصلاح حكومي تقوم به هذه الطبقة الحاكمة في العراق والتي فقدت القدرة على تلبية مطاليب الشباب الغاضب لعدم وجود برامج حقيقة تستوعب الامكانيات المكبوتة لدى الشباب الطامح لحياة حرة كريمة بسبب ضعف الحكومة وفساد مؤسساتها.
  • النفوذ الايراني يجب أن تفهم الطبقة السياسية بجميع تشكيلاتها السياسية والمسلحة بأن الشارع العراقي رافض للنفوذ والتواجد والتدخل الايراني في الشأن العراقي. وإن من أولى الخطوات التي يجب على الحكومة القيام بها هو الحد من النفوذ الايراني الذي أصبح لا يطاق بالداخل العراقي والذي أصبح ممقوتا ومهددا بالزوال ليس في العراق فقط وإنما في المنطقة. وذلك بسبب السياسات الطائفية التي ينتهجها في التعامل مع هذه البلدان بحيث اصبح الموجودين في سدة الحكم تابعين لها خاصة القيادات السياسية والميليشاوية التي تعمل تحت سلطة الولي الفقيه مثل ميليشيا حزب الله العراقي وعصائب الحق وسيد الشهداء ومنظمة بدر وهي تصرح بأنها ستكون مع ايران في أي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة الامريكية. وهذا يبين بشكل واضح الدور الايراني في العراق الذي يجب أن ينتهي. وهذا ما ترفضه الميليشيات والاحزاب الموالية لإيران ويريده الشارع العراقي .
  • يجب على الحكومة والاحزاب السياسية والميليشيات والمسلحة أن لا تدفع المتظاهرين للعنف بحيث تخرج عن سلميتها بدفعها نحو التطرف بسبب الاجراءات القمعية التي تتخذها الاجهزة الامنية. خصوصاً بعد أن فشلت في إلباسها ثوب الطائفية أو البعثية أو الارهابية. ويجب عليها أن تعمل على التعايش مع البيئة السياسية الجديدة وتستجيب لمطاليب المتظاهرين وأن تعمل في اطار تصحح الاخطاء التي وقعت فيها وتحاسب الفاسدين بغض النظر عن الانتماء الحزبي أو المذهبي.
  • يجب أن تتوفر البيئة الملائمة لجميع شرائح المجتمع العراقي وخاصة الشباب للمشاركة في الحياة السياسية الجديدة والتي خرجت في هذه المظاهرات، وأن تجري مساعدتها على تكوين احزاب سياسية جديدة كي نوفر لها بيئة سياسية مستقرة وغير عنيفة وتضم مختلف التوجهات، وأن لا تستخدم القتل والخطف والاعتقال والعنف ضدهم.
  • يجب أن تكون هناك قوانين حقيقية تعالج الخلل الموجود في الحياة السياسية العراقية ومنها احتكار السلطة ومعالجة ملف الفساد المالي والاداري لتأمين بيئة جاذبة وآمنة ومشجعة للعمل السياسي، وأن تكون متاحة وغير مقيدة بشروط صعبة التطبيق.
  • يجب أن تفهم الحكومة وأجهزتها الامنية إن ما يقومون به من عمليات قتل وخطف واعتقال هي جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وليس أخطاء وانتهاكات بسيطة في ملف حقوق الانسان كما يصفها عبد المهدي.
  • يجب أن يفهم الجميع بأن الاستجابة للتغيير الذي تطالب به الجماهير هو الحجر الاساس في قيام دولة حقيقية بعيدة عن الطائفية والمحاصصة والمناطقية والعشائرية والتي سادت المشهد العراقي طوال الفترة الماضية، وأن الاحزاب السياسية لا مستقبل لها مالم تستجب لمتطلبات التغير والمرحلة.

 

الحكومة والمظاهرات في العراق الى أين؟ احتواء المظاهرات والمراهنة على عامل الوقت :

إن الحكومة تراهن على عامل الوقت لتلاشي هذه المظاهرات وانتهائها من خلال التضييق عليها بقطع شبكة الانترنت وحظر التجوال ومنع دخول المواد الغذائية لساحات التظاهر ومحاولة تقليص الساحات لجعلها تتقلص في ساحة التحرير فقط مع العمل على ترويض بعض الناشطين من خلال القتل والاعتقال والخطف واصدار مذكرات باعتقال الكثير من الناشطين. وهذا بحد ذاته هو قمع حقيقي تقوم به السلطة التنفيذية والذي يعتبر من ضمن الإجراءات التي تمنع حرية التعبير والتظاهر بشكل سلمي. وهنا أود أن أشير الى أن المتظاهرين يراهنون على عامل الوقت أيضاً في إضعاف الحكومة وإجبارها على الاستقالة بحيث تتحول المظاهرات الى إضراب عام أو عصيان مدني في جميع المحافظات الثائرة. لذا فهي ترفض جميع الاجراءات الترقيعية التي تحاول الحكومة والكتل السياسية والبرلمان القيام بها.

عدم الاستجابة لمطاليب المتظاهرين وهذا فيه خيارات كثيرة وهو ما تعمل عليه الحكومة ومعها أحزاب السلطة وهو ارجحه بسبب سطوة الميليشيات المسلحة التابعة لإيران على المشهد العراقي السياسي والاقتصادي والعسكري والامني. لذا فهم يحاولون دعم الحكومة التي شكلتها ميليشيات الفتح بالاتفاق مع سائرون التابعة لمقتدى الصدر. وقد التقى سليماني بقادة الميليشيات في زيارته التي قام بها للعراق في بداية شهر تشرين لتقديم المشورة والتوجيهات في كيفية احتواء هذه المظاهرات ومنها التمسك برئيس الوزراء الحالي لأن استقالة الحكومة ستجعل منها بداية النهاية لهذا النظام السياسي الذي سيتداعى كأحجار الدمينو. لذا فالحكومة تحاول كسب الوقت والعمل على اتجاهين هما:

الاول: القيام بإجراءات إصلاحية يصحبها موجة من عمليات القتل والاختطاف وتزايد المواجهات بين المتظاهرين والقوات الامنية. وهنا نقول بأن السلطة والطبقة السياسية الحاكمة في العراق لم تنتج طوال (16)عام إلا الفشل والطائفية والفساد، وهي عاجزة عن القيام بأي اصلاح. علماً إنهم يروجون لتغيير وزاري قد يصل لنصف الكابينة الوزارية مع تشريع قوانين جديدة للانتخابات والاحزاب، ولكنهم لم يقولوا لنا متى ستنفذ هذه القوانين! فهل ستنفذ بعد ثلاث سنوات مثلا طالما لم تجر الدعوة لانتخابات مبكرة؟! كما تم توقيع وثيقة شرف بين الكتل السياسية وأن هناك فرصة (45) يوماً للحكومة للقيام بالإصلاح وتعديل بعض الفقرات في الدستور العراقي. الامر الذي يرفضه الكرد في حالة المساس بالامتيازات التي حصلوا عليها بعد عام 2003م. بالإضافة الى فتح ملف الفساد وإحالة بعض الشخصيات الى لجنة النزاهة يصحبه إصدار أحكام بالسجن لبعض الفاسدين مع توزيع قطع الاراضي ومنح رواتب مقطوعة لبعض الفئات المعدومة مع محاولة شراء الولاءات لبعض شيوخ العشائر  والعمل على اصدار قانون لإلغاء مجالس المحافظات. وهذا كله عبث حقيقي تقوم به الحكومة. فلا أحد يتكلم بالحكومة عن استقالة الحكومة أو حل البرلمان وجميع هذه الاجراءات هي لاحتواء المظاهرات وهي غير كافية بالنسبة لمطاليب المتظاهرين الذين ينادون بتغير النظام السياسي بأكمله بما فيها استقالة الحكومة وحل البرلمان وتعديل الدستور وكتابة قانون جديد للانتخابات ومحاسبة الفاسدين واعادة بناء الاجهزة الامنية.

الثاني: التضييق والتعتيم على المظاهرات مع تصاعد موجة العنف ضد المتظاهرين لدفعهم على الخروج عن سلمية المظاهرات. وهذا ما تم فعله في بغداد والبصرة والناصرية وكربلاء. وهذا يتم من خلال دفع مجاميع من خارج المظاهرات للقيام بأعمال تخريبية ثم تنسب للمتظاهرين لتبرير استخدام القوة ضدهم أو من خلال دفعهم لمواجهة القوات الامنية التي استخدمت مقاربة الحل الامني والبطش والقوة ضد المتظاهرين بشكل مباشر. وهذا كله يتم بتواطؤ بين السلطتين التشريعية والتنفيذية التي صمتت ووقفت عاجزة عن وقف هذه التجاوزات على الدستور وعلى حرية التعبير، مما يجعل المتظاهرين في حالة من الدفاع عن النفس وبالتالي سيؤدي هذا المشهد الى الانزلاق نحو الفوضى مما يبرر استخدام القوة من قبل الحكومة للسيطرة على الموقف وهذا ما تدفع اليه أطراف داخلية وخارجية.

وهناك تسريبات واجراءات واتفاقات واضحة بين الكتل والاحزاب السياسية والحكومة على استخدام القوة وعدم الاستجابة لمطاليب المتظاهرين التي تنادي باستقالة الحكومة وحل البرلمان وقد نسبت الحكومة قادة عسكريين للمحافظات الجنوبية لتشكيل خلية ازمة لإدارة المواجهة مع المتظاهرين. وقد نوه عبد المهدي بأنه لن يسمح ببقاء الاوضاع في العراق على ما هي عليه الان، وهو تهديد واضح باستخدام القوة خصوصاً وإن الاوضاع بدأت تخرج من سطوة الأجهزة الحكومية والميليشيات التابعة لإيران. فالطبقة السياسية الحالية تسير حسب ارادة النظام الايراني المعروف بإرهابه ودمويته في التعامل مع المظاهرات التي خرجت في ايران فكيف لها أن تتعامل مع المظاهرات التي خرجت في العراق ولبنان؟!.

يمكن أن تكون خيارات المتظاهرين في الفترة المقبلة محصورة وقليلة. وهذا ما ستحدده تطور الاحداث ومدى استجابة الحكومة لمطاليب المتظاهرين. ولكن من الافضل لجميع الساحات هو عدم الانزلاق لخيار المواجهة مع القوات العسكرية والامنية التي تحاول الكثير من الجهات الداخلية والخارجية أن تدفع المتظاهرين اليه كي تبرر استخدام القوة ضدها. وهذا الخيار يتعارض مع سلمية المظاهرات ولا يصب في مصلحتها وأهدافها التي خرج الناس من أجل تحقيقها. بالإضافة الى إن القدرة على المواجهة هي معدومة تماماً لدى المتظاهرين لذا يمكن أن تأخذ الخيارات التالية:

أولا: الاضراب العام.

ثانيا: العصيان المدني لحين الاستجابة للمطاليب.

ستكون هناك اشكالات كثيرة ترافق عملية التغيير والاصلاح وخاصة مع الاكراد فيما يخص تعديل أو كتابة دستور جديد

ملاحظات مهمة يجب الانتباه اليها من قبل ساحات التظاهر:

أولا: إن هذه المظاهرات متنوعة اجتماعياً وجغرافياً ومدعومة من غالبية الشعب العراقي ولكن ليس لها مركز قرار واحد وهذا يدفعنا للتفكير في تشكيل مجلس موحد لقيادة المظاهرات في الداخل كي تقف الجماهير خلفها لتوحيد الصفوف وهذا ما يجب التفكير به بجدية والعمل عليه.

ثانيا: يجب أن تكون هناك رؤية موحدة لجميع ساحات التظاهر فيما يخص الوضع العراقي القادم بما فيها التفكير بحكومة انتقالية أو مجلس رئاسي يتولى إدارة البلاد في الفترة القادمة.

ثالثا: يجب أن لا تكون المطاليب باستقالة الحكومة والبرلمان فقط بل يجب أن يكون هناك مشروع متكامل وبديل لهذه الحكومة يضم جميع أطياف الشعب العراقي.

رابعا: يجب إن يكون هناك تواصل مع جميع الجهات المعارضة لحكومة بغداد لتوحيد الرؤى وتنسيق الموقف معها. وهذا الامر سيزيد المظاهرات قوة.

خامسا: يجب أن يعرف المتظاهرون والقيادات القائمة على المظاهرات بأنهم لا يتمتعون بحماية القانون، وهناك خرق كبير للدستور العراقي تقوم به الحكومة والاحزاب السياسية مما يجعل جميع القوات الحكومية تحاول التجاوز على حقوقهم وخرق القانون بذريعة تطبيقه لعدم وجود دولة مواطنة حقيقة تصون الحقوق لغياب دولة القانون.

سادسا: محاولة الحكومة توظيف المرجعيات الدينية والعشائرية للسيطرة على المظاهرات ومنها إقناع المتظاهرين بإجراءات الاصلاح.

سابعا: التدخلات الخارجية: يجب أن تأخذ القيادات في حساباتها بأن الوضع في العراق معقد جداً وهناك تدخلات خارجية واضحة ومعروفة ويمكن أن تحول المشهد في العراق الى مشهد دموي بسبب عنجهية الحكومة وأحزابها الطائفية وميليشياتها المسلحة التي ترفض الاستجابة لمطاليب المتظاهرين، كما صرح بذلك رئيس الوزراء الذي قال بأن الحكومة قوية ولن تسمح باستمرار الوضع على ما هو عليه لأن هناك اضرار بالمال العام. وهذا يعطي دلالة بان الحكومة لا تفكر في الاستجابة لهذه المطاليب وهذا يجعلنا نفكر بما يجب عمله في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق.

ثامنا: ستكون هناك اشكالات كثيرة ترافق عملية التغيير والاصلاح وخاصة مع الاكراد فيما يخص تعديل أو كتابة دستور جديد. فهم يتخوفون من هذه الموجة التي تدعو للتغيير. وهذه مسألة مهمة يجب الانتباه اليها والعمل على تذليلها لكسب الاكراد من خلال تطمينات واضحة تضع مصلحة العراق فوق الجميع.

تاسعا: الجماعات المسلحة الطائفية التي يمكن أن تحول المظاهرات الى حرب داخلية بسبب ضعف الحكومة ومؤسساتها الامنية والعسكرية.

عاشرا: يجب التركيز على الاتحادات والنقابات والعشائر ومنظمات المجتمع المدني واشارك الجميع في اتخاذ القرارات المهمة والحاسمة.

 

الخاتمة :

إن إجراءات الاصلاح لم تعد تلبي طموحات المواطن العراقي الذي أصبح ضحية الطموحات السياسية والاثنية والدينية لأحزاب تابعة لدول خارجية قدمت مصالحها الشخصية والحزبية الضيقة ومصالح الدول التابعة لها على مصلحة العراق. كما إن الاستجابة لها يعني فرض واقع جديد سيفقد معه جميع الاحزاب والكتل السياسية وميليشياتها المسلحة جميع الامتيازات التي حصلت عليها طوال الفترة الماضية بما فيها التنظيمات المسلحة التابعة لإيران التي وصلت لسدة الحكم بالعراق سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ويعملون على احتواء وقمع وانهاء هذه الموجة من الاحتجاجات العارمة التي ضربت الاحزاب السياسية في مقتل بعد أن فقدت شرعية الشارع العراقي لبقائها والتي كانت تستمد شرعية بقائها منه وتعتبره الحاضنة الاجتماعية لها. لذا سيبقى خيار القوة هو الراجح لهذه الحكومة للتعامل مع هذه المظاهرات التي خرج الشارع للمطالبة بها.

 

 

                                                                     بقلم

                                                           حاتم كريم الفلاحي

                         باحث بمركز الرافدين للدراسات السياسية والاستراتيجية (راسام)