الملخص:
أدى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 والسيطرة الإيرانية على مقاليد الأمور فيه الى تحول العراق إلى ساحة صراع بين الطرفين – الإيراني والأمريكي – و الحكومات العراقية الضعيفة تحاول دائما تلبية رغبات الأطراف الخارجية على حساب متطلبات المواطنين في الداخل.
تراكم الأخطاء السياسية و المشاكل البنيوية في العملية السياسية أدت بشكل دائم إلى خلق حالة من الفوضى وتدهور الاستقرار بشكل مستمر مما ساهم هذا الامر في خلق العديد من المشاكل السياسية و الأمنية و الاقتصادية التي تلامس حياة المواطنين بشكل مباشر.
شرائح كبيرة من المجتمع وصلت الى حالة من اليأس بسبب جمود المنظومة السياسية وعدم تقديمها للحلول العملية للمشاكل، وهذا اليأس تحول في الأول من تشرين 2019 إلى مظاهرات شعبية وحدت المواطنين و دفنت الطائفية بشكل نهائي.
وقد توصلت الدراسة إلى صعوبة حلحلة الصراعات السياسية في العراق في ظل بقاء المنظومة التي بنيت على أسس خاطئة و ضرورة البحث عن حلول جذرية و دعم من المجتمع الدولي لمساعدة العراق في الانتقال إلى مرحلة جديدة خالية من الفساد و الصراعات.

تمهيد:
بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 و اسقاط النظام العراقي السابق ، أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق “جورج بوش” بأن “الولايات المتحدة الامريكية حققت الانتصار في العراق”، وأن “الانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية سيستغرق وقتا ولكنه يستحق كل جهد يبذل ويبقى تحالفنا حتى ننجز عملنا”. وكانت شعارات نشر الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات ودولة المواطنة والامن والاستقرار هي الشعارات البارزة التي تم رفعها لتبرير الغزو الأمريكي للعراق واسقاط النظام السياسي و تفكيك الدولة العراقية بشكل تدريجي. وفعلا نجحت الولايات المتحدة الامريكية بمساعدة حلفائها من الأحزاب العراقية في تفكيك الدولة العراقية بشكل كامل ، عن طريق الخطوات و القرارات التي اتخذها الحاكم المدني للعراق بعد الاحتلال (بول بريمر) والذي تمثل في إلغاء الجيش و الأجهزة الأمنية ووزارة الاعلام وتجريم حزب البعث و المنظمات المرتبطة به تمهيداً لبناء أرضية جديدة للدولة الجديدة التي ستقوم على (أساس الديمقراطية و حقوق الانسان). ولكن المفارقة هي وإن نجحت أمريكا في تفكيك منظومة الدولة القديمة لكنها فشلت في تحقيق وعودها بتأسيس دولة ديمقراطية جديدة في العراق. حيث أدت القرارات الامريكية – بالإضافة الى التدخلات الإيرانية – الى تأسيس نظام سياسي مشوه يقوم على مبدأ المحاصصة بين الأحزاب السياسية. وكان هذا تمهيدا لبداية الصراعات الحزبية و الطائفية و القومية بين المكونات. في حين فشلت الأطراف الدولية و الداخلية من بناء منظومة سياسية مستقرة تحقق بيئة للمنافسة السياسية بصورة سليمة و توفير آليات عديدة لحل المشاكل و الخلافات والأزمات التي قد تقع بين كافة الأطراف. على العكس من ذلك ، لم تلتزم الأطراف السياسية بالقوانين و الدستور الذي قامت بكتابته و صياغته. و أصبحت العلاقات السياسية تبنى على الاهواء الشخصية و الحزبية والمصالح الضيقة، مما ساهم في زيادة الصراعات و استمرارية وجودها بالتزامن مع العامل الدولي والتدخلات الخارجية المستمرة. وبالنتيجة أدت الصراعات السياسية إلى انحراف بوصلة الدولة و تحولها إلى أكثر الدول هشاشة و فسادا في المنطقة والعالم ودولة فاشلة حسب المعايير و الأرقام الدولية في ظل غياب كامل للمؤسسات وصدور القرارات المصيرية من المرجعية الدينية. واحتل العراق المراكز الأولى في انتشار الفساد و تردي الخدمات وانتشار الواسطة و المحسوبية و غياب الشفافية و ظهور فرق الموت و الميليشيات و غياب السيادة الوطنية. وساهمت تراكم هذه الأسباب والعوامل في خلق حالة شعبية معارضة للأحزاب السياسية و التدخلات الخارجية وتصعيد غضب الشارع ضد المنظومة السياسية .

جذور الصراع السياسي في العراق
كان الهدف المعلن للغزو الأمريكي على العراق “تحقيق الديمقراطية و تحرير العراقيين وتوفير حياة أفضل لكافة المواطنين” حيث أصرت الإدارة الامريكية على الادعاء بأن وجود النظام العراقي السابق برئاسة صدام حسين يشكل خطرا حقيقيا على الولايات المتحدة الامريكية و حلفائها، و نجحوا في تحشيد العالم للوقوف مع أمريكا في الحملة العسكرية ضد العراق لا سيما وأن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الابن) أسس مبدأ جديدا في النظام الدولي عندما صرح قائلا: “إن الدول التي ليست مع الولايات المتحدة الامريكية فهي ضدها”، وذلك لدفع كافة الدول إلى المشاركة في العملية العسكرية او تبني الحياد . وإن نجحت الولايات المتحدة و حلفاؤها في اسقاط النظام العراقي في عام 2003 ، ولكنها فشلت في تحقيق أي من الأهداف الاستراتيجية المعلنة للحرب على العراق. بل أدى الغزو الى نتائج كارثية يعاني منها المواطن العراقي حتى الآن ، ومن أهم هذه النتائج:
أولا: فتح الباب أمام ايران للتدخل في الشؤون الداخلية للعراق وتنصيب حكومات موالية لها بالإضافة الى السيطرة على الحياة السياسية و الاقتصادية و التجارية و القطاعات الحيوية و استخدام العراق كمنصة انطلاق لباقي دول المنطقة من أجل (تصدير الثورة الإيرانية). إذ كان العراق قبل الغزو عائقا امام تمدد المشاريع الإيرانية في المنطقة. ولكن الولايات المتحدة الامريكية سلمت العراق على طبق من ذهب للإيرانيين، وهم كانوا على استعداد لاستغلال هذه الفرصة للسيطرة الكاملة على العراق.
ثانيا: تأسيس (مجلس الحكم) بقرار صادر من “سلطة الائتلاف المؤقتة” في العراق بإدارة الحاكم المدني “بول بريمر”. حيث تم تعيين 25 عضوا في هذا المجلس من كافة المكونات العراقية، 13 عضوا من المكون الشيعي ، و 5 من المكون السني ، و 5 من الاكراد ، و عضو مسيحي و واحد تركماني ومن ضمنهم ثلاثة نساء. أنيط الى المجلس مسؤولية تعيين الوزراء المؤقتين و التنسيق مع سلطة الائتلاف على رسم السياسات العامة للبلاد. وبدلا من أن يساهم المجلس في تقريب وجهات النظر و التمهيد لتأسيس وبناء دولة ديمقراطية يحتوي الجميع ، تسبب – المجلس – في التمهيد لدولة المكونات و بداية الاقصاء و الانفراد بالقرارات المصيرية والسيطرة على المؤسسات الأمنية و السياسية على حساب باقي المكونات. مما عزز فقدان الثقة لدى المكونات ودفع كل طرف الى اللجوء إلى الطائفة و القومية و العشيرة و المذهب على حساب الدولة الجامعة. وتعتبر هذه التشكيلة السياسية المشوهة بداية زرع بذور الصراع السياسي المستمر بين الأحزاب السياسية والذي يعاني منه المواطن حتى يومنا هذا.
ثالثا: قرار حل وتفكيك الجيش العراقي السابق من قبل الحاكم المدني “بول بريمر” ، و البدء ببناء جيش جديد يتكون من الميليشيات الطائفية التابعة للأحزاب الشيعية والتي تفتقر الى المهنية والتنظيم وتحمل أيديولوجية عابرة للحدود وفكر متطرف و اقصائي للآخرين. وقد تسبب هذا القرار في تشكيل جيش ضعيف في مقابل وجود ميليشيات قوية و شرسة – لم تنخرط في الجيش – قادرة على السيطرة والتحكم دون مبالاة للجيش أو وضعه في الحسبان. والحقد التي تحمله الميليشيات كان سببا رئيسيا في اشتعال الحرب الطائفية ووقوع الآلاف من الضحايا بين عامي (2006-2008) حيث كانت الميليشيات ترتكب الجرائم و العمليات الانتقامية في ظل غياب كل المؤسسة العسكرية المكلفة بحماية المواطنين. إضافة إلى كارثة سقوط “الموصل” عام 2014 على يد تنظيم “داعش” وهروب الجيش العراقي الذي كان يعاني من الفساد والضعف وتسبب بهذه الكارثة الكبيرة كما تسبب في تدمير العديد من المدن وسقوط الآلاف من الضحايا.

لا تزال الولايات المتحدة الامريكية تمتلك تواجدا عسكريا من خلال القواعد العسكرية،
بينما توغلت إيران في كافة المؤسسات الأمنية و السياسية و سيطرت
على الأحزاب السياسية التي تشكل الحكومة

تأثير الصراع الإيراني-الأمريكي على الشارع العراقي
من المعروف أن العملية السياسية في العراق جرى الاتفاق عليها بين قوى المعارضة في مؤتمر لندن (2002) برعاية الولايات المتحدة الامريكية وبتمويلها، وبموافقة ضمنية من قبل إيران. حيث شاركت قوى سياسية قريبة من ايران في المؤتمر و نجحت في السيطرة على المؤسسات الرئيسية وهياكل الدولة بدعم إيراني وتسهيل أمريكي . (1)
ونتيجة لهذه الترتيبات التي بني على أساسها نظام إدارة العراق الحالي ، فمن الطبيعي أن الخلافات و المشاكل التي تحصل بين الولايات المتحدة الامريكية و ايران تؤثر بشكل مباشر على الساحة السياسية في العراق. حيث أصبح العراق ساحة لتصفية الحسابات و محاولة كل طرف للضغط على الطرف الاخر داخل العراق.
لا تزال الولايات المتحدة الامريكية تمتلك تواجدا عسكريا من خلال القواعد العسكرية، بينما توغلت إيران في كافة المؤسسات الأمنية و السياسية و سيطرت على الأحزاب السياسية التي تشكل الحكومة ، وحاولت خلال الفترة الماضية ان تشكل ضغطا سياسيا من خلال وكلائها في العراق لإخراج القوات الامريكية كجزء من الصراع الجاري بين الطرفين. بالإضافة إلى توجيه الميليشيات الشيعية لتهديد القوات الامريكية و إطلاق الصواريخ على السفارة الامريكية و القواعد العسكرية بهدف التهديد و إرسال رسالة واضحة بأن إيران قادرة على الإضرار بأمريكا في العراق في حال وجود أي مخطط أمريكي لتحجيم النفوذ الإيراني في العراق.
تدهور العلاقات بين أمريكا و إيران ينعكس بشكل سلبي على الوضع السياسي داخل العراق ، حيث تحاول كل طرف الضغط على الحكومة العراقية و المؤسسات الأخرى لمواجهة الطرف الاخر على أرض العراق، مثلما حصل في الفترة الماضية عندما ضغطت إيران على البرلمان العراقي لإصدار قانون يقضي بإخراج القوات الامريكية من العراق بسبب وجود مخاوف إيرانية من تواجد القوات الامريكية في العراق. حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في شباط 2019 عن نية الولايات المتحدة الامريكية البقاء في العراق بهدف “مراقبة إيران “.
الصراع الأمريكي – الإيراني داخل العراق ، و التدخلات الخارجية قوضت السيادة الوطنية للبلاد، و ساهمت في تشكيل حكومات ضعيفة تحاول إرضاء الأطراف الخارجية بدل التركيز على متطلبات الداخل و الاستجابة للمطالب الشعبية. بالإضافة إلى تأثير هذا الصراع على الاستقرار السياسي و الاقتصادي، حيث يعتبر تهديدا مستمرا على أمن و استقرار العراق ويجعل من العراق بيئة طاردة للاستثمارات الأجنبية خوفا من اشتعال النزاع على أرض العراق في ظل كثرة الميليشيات الطائفية التي تدين بالولاء لإيران ومستعدة لإحراق العراق في سبيل المصالح الإيرانية.
وهذه الآثار السلبية للتدخلات الخارجية في العراق ساهمت في زيادة غضب الشارع العراقي ودفعه للمطالبة بإعادة استرداد الوطن و تحقيق السيادة الوطنية المستقلة من جديد و الانعتاق من التأثيرات الخارجية التي تؤثر سلبا على الوضع الداخلي العراقي. وهذا الغضب هو بداية تراجع المشروع التوسعي الإيراني الذي بدأ عام 2003. حيث رفع المتظاهرون في أغلب ساحات التظاهرات شعارات تطالب فيه بإنهاء النفوذ الإيراني واستعادة حرية وسيادة العراق. وهذا مؤشر على زيادة الوعي لدى المواطنين في العراق وادراكهم بأن التدخلات الخارجية و خاصة الإيرانية و افتعال الصراعات داخل العراق ستؤدي الى تراكم المشاكل و الازمات و تدهور الوضع الأمني و الاستقرار في البلاد. (2)

الصراع السياسي بين الأحزاب العراقية
فشلت الأطراف السياسية العراقية من تأسيس أرضية ملائمة للعمل السياسي و المنافسة السياسية في العراق. و تميزت السياسات المتبعة من قبل الطرف الشيعي – الذي حصل على حصة الأسد من الحكومة و المؤسسات الأمنية – بالإقصاء و التهميش ، وخاصة بعد وصول رئيس الوزراء الأسبق “نوري المالكي” إلى السلطة. حيث حاول المالكي أن يرسخ هيمنة “الشيعة” في مؤسسات الدولة و اتباع سياسة “فرق تسد ” في التعامل مع الأطراف الأخرى ، و وضع الموالين له في المناصب الأمنية و الادارية و الجيش وخلق “دولة الظل” داخل الحكومة ، بالإضافة إلى تبني خطاب طائفي لكسب الأصوات و تهييج الشارع الشيعي وخاصة وقت الانتخابات . (3)
وقد أدت هذه السياسات الاقصائية من قبل الحكومات الشيعية إلى غياب الاستقرار السياسي ودخول البلاد في صراعات سياسية مستمرة بين “السنة و الشيعة” من جهة و “الشيعة و الاكراد” من جهة أخرى وهذا الامر انعكس على الشارع العراقي بشكل مباشر.
السياسات الخاطئة للفاعل السياسي الشيعي و تراكم المشاكل و الازمات السياسية لعبت دورا كبيرا في زيادة الغضب الشعبي والذي شمل كافة المكونات و الاطياف ونذكر منها :
أولا: تبني السياسات الاقصائية من قبل الحكومة العراقية دفعت المواطنين في المحافظات السنية إلى الخروج في تظاهرات شعبية عام 2011 للمطالبة بإنهاء احتكار السلطة و الاقصاء و اطلاق سراح المواطنين المغيبين قسرا بدون محاكمات و البدء بتغييرات جذرية في الحكومة و النظام لتحقيق المطالب الإصلاحية .
ثانيا: السياسات الخاطئة للحكومة المركزية دفعت الإدارة في إقليم كردستان العراق أيضا إلى التوجه نحو إجراء الاستفتاء على الانفصال عن العراق بسبب قطع الحكومة العراقية لحصة الموازنة وعدم دفع رواتب الموظفين في الإقليم بسبب الخلافات السياسية بين الحكومة المركزية و حكومة الإقليم حول قضايا النفط و المناطق المتنازع عليها .
ثالثا: نجحت الأحزاب الشيعية – التي تشكل الحكومة العراقية – في القضاء على الحراك السني، بالإضافة إلى افشال الاستفتاء الكردي. ولكن بسبب غياب أي مشروع إصلاحي ، خرجت المظاهرات في المحافظات الشيعية والتي تعتبر الحاضنة الشعبية للأحزاب الشيعية والتي تطالب بإسقاط النظام و إنهاء المحاصصة التي أدت لتحول العراق إلى دولة فاشلة وعاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات للمواطنين .

الازمات المستمرة و انسداد أفق الحل
ترتبط أسباب انفجار الغضب الجماهيري و الاحتجاجات الشعبية في العراق بأسباب موضوعية مرتبطة بأساس المنظومة السياسية و تراكم الأخطاء خلال (16) عام. ولكن على الرغم من هذه الأسباب التي أدت الى تحرك الشارع ، هناك أسباب أخرى تساهم في اندلاع الحراك الجماهيري من بينها الصراعات الحزبية التي تعتبر في الدرجة الأولى صراع مصالح من اجل الاستحواذ على أكبر قدر من الفوائد التي من الممكن الحصول عليها من خلال نظام المحاصصة. (4)
حيث أثار قرار رئيس الوزراء (عادل عبد المهدي) باستبعاد الفريق اللواء (عبدالوهاب الساعدي) من جهاز مكافحة الإرهاب ونقله إلى وزارة الدفاع في شهر سبتمبر الماضي من العام الجاري غضبا شديدا وردود فعل واسعة من قبل الجمهور العراقي و الذي ساهم في زيادة الغضب الشعبي و خروج التظاهرات في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول. حيث كان القرار نتيجة وجود صراعات ما بين الأجهزة الأمنية و قوات مكافحة الإرهاب وبين الأطراف السياسية الحاكمة.
من الواضح ان طريقة تعامل الأحزاب السياسية في العراق مع ثورة تشرين يدل على غياب أي استراتيجية حقيقية للإصلاح و الاستجابة لمطالب المتظاهرين بصورة فورية او تدريجية. فمنذ اليوم الأول للمظاهرات كانت المواقف الحكومية و الحزبية تزيد من غضب الشارع بدل تهدئة الجماهير. حيث تحاول الأحزاب السياسية الالتفاف حول مطالب المتظاهرين عن طريق المماطلة و التسويف ومحاولة إعادة تدوير الوجوه السياسية القديمة. لأن الأحزاب الحاكمة لن تجازف بإيصال شخصية مستقلة لرئاسة الوزراء وتشكيل حكومة تكنوقراط تهدد مصالح الأحزاب و الميليشيات و تكشف ملفات الفساد خلال الأعوام الماضية و تضع حدا للتدخلات الخارجية وخاصة الإيرانية. وهذه المناورات من قبل الأحزاب السياسية تؤثر بشكل مباشر على تصعيد الغضب الشعبي وخاصة بعد حدوث نقلة نوعية عند الجماهير و ارتفاع درجة الوعي و إدراكهم لألاعيب السلطة و رفض كافة الحلول التي تطرح لحماية المنظومة السياسية و مصالح الأحزاب من جديد.

منذ الأسبوع الأول للمظاهرات الشعبية التي انطلقت في شهر تشرين الماضي ، حاولت الأحزاب السياسية ركوب موجة التظاهرات مثل “ائتلاف النصر” بقيادة (حيدر العبادي) ، و “تيار الحكمة” بقيادة (عمار الحكيم) ، و “الحزب الشيوعي العراقي “.

استغلال الغضب الشعبي من قبل الأطراف السياسية (ركوب الموجة)
كان التيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر قادرا على تنظيم المظاهرات المليونية عن طريق دعوة أنصاره للخروج إلى الشوارع للتظاهر و الاعتصام. وابرز هذه المظاهرات كانت في عام 2015 والتي نظمت في ساحة التحرير وسط بغداد للمطالبة بإصلاح العملية السياسية و محاكمة الفاسدين ، واستمرت مظاهرات التيار الصدري في عام 2016 حتى وصل الأمر إلى اقتحام المتظاهرين للمنطقة الخضراء و الدخول إلى مبنى البرلمان.
مظاهرات التيار الصدري كانت تخرج بأوامر مقتدى الصدر، وترفع شعارات إصلاحية مناهضة للحكومة و تدعوا للقضاء على الفساد. ولكن في الحقيقة لم تكن المظاهرات إلا وسيلة ضغط يستخدمها التيار الصدري ضد منافسيه في العملية السياسية، ويعمل دائما على تحريك الشارع لتحقيق اهداف سياسية. بدليل إن المظاهرات كانت تنتهي دوما دون تحقيق إنجازات حقيقية على أرض الواقع.
منذ الأسبوع الأول للمظاهرات الشعبية التي انطلقت في شهر تشرين الماضي ، حاولت الأحزاب السياسية ركوب موجة التظاهرات مثل “ائتلاف النصر” بقيادة (حيدر العبادي) ، و “تيار الحكمة” بقيادة (عمار الحكيم) ، و “الحزب الشيوعي العراقي “. حيث عمل قادة هذه الأطراف السياسية على تبني خطاب معارض للدولة و التأكيد على مطالب المتظاهرين و تقديم أنفسهم كقادة محتملين للثورة الشعبية. ولكن ومنذ اليوم الأول أكد المتظاهرون على رفض كافة الأطراف و الأحزاب و الشخصيات التي شاركت في الفساد وساهمت في العملية السياسية وكانت جزءا من المنظومة الفاسدة للحكم خلال الفترة الماضية وحتى الآن. و منعوا رفع أي علم حزبي في الساحات إلا العلم العراقي الذي جمع كافة شرائح الشعب العراقي وراء مطالب واضحة أقلقت الفاعل السياسي بسبب عجزه عن إدارة الأزمة و فشله في تحريف المظاهرات عن مسارها.
ولكن محاولات ركوب الموجة مستمرة من قبل التيار الصدري. حيث يشعر “الصدر” بأنه أكبر الخاسرين من المظاهرات ، لأنه الوحيد القادر على حشد الآلاف في الشارع. ويعتبر هذا الأمر نقطة قوة ضد خصومه السياسيين ويخرج تظاهرات شعبية لتحقيق اهداف سياسية وبعدها يعود المتظاهرون إلى منازلهم دون تغيير او تحقيق أي مطلب جماهيري حقيقي. وبالتالي كشفت ثورة تشرين عن خروج الشارع بشكل مستقل و دون مشاركة أي طرف سياسي لضمان مشاركة كافة شرائح المجتمع وعدم السماح بإحداث شرخ بين المشاركين في التظاهرات .
يدعي مقتدى الصدر أن مشاركة التيار الصدري في التظاهرات هو لحماية المتظاهرين من الميليشيات و العنف الحكومي، ولكن الحقيقة أن التيار الصدري يحاول ركوب موجة المظاهرات للسيطرة على الشارع وتحويل المظاهرات إلى شعارات استعراضية ومطالب حزبية لأجل حماية النظام السياسي هذه المرة. لأن (مقتدى الصدر) أصبح يملك أكبر كتلة برلمانية ، و قام بتشكيل حكومة (عبد المهدي ) بنفسه و لديه العديد من المصالح الذي يخشى من زوالها في حال حدوث أي تغييرات جذرية و تصاعد حدة المظاهرات الشعبية. (5)

السيناريوهات المحتملة لمستقبل الصراع و تأثيرها على الشارع
أولا: في السادس من كانون الأول /ديسمبر ، فرضت الإدارة الامريكية عقوبات على 4 عراقيين لتورطهم في الفساد و انتهاكات حقوق الانسان و المشاركة في قمع المظاهرات الشعبية. وحسب المعلومات الامريكية فإن هذه القائمة لن تكون الأخيرة والولايات المتحدة الامريكية سوف تستمر في معاقبة الشخصيات المتورطة بقمع المظاهرات و إدارة ميليشيات تابعة لإيران في العراق.
وبالتزامن مع العقوبات الامريكية على وكلاء إيران في العراق، أعلن مسؤول أمريكي بأن الجماعات المدعومة من إيران داخل العراق شنت تسع هجمات صاروخية على مواقع القوات الأمريكية أو بالقرب من منشآت عراقية تستضيف قوات أمريكية في الأسابيع الخمسة الماضية ، وهذا ما دفع وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” 14 ديسمبر ، إلى تحذير إيران من رد “حاسم” إذا تعرضت مصالح بلاده للأذى في العراق .
قيام إيران بتعزيز التواجد العسكري في العراق على الرغم من الدعوات الشعبية لإنهاء النفوذ الإيراني و حرق قنصلياتها و مقاطعة المنتجات والسلع الإيرانية ، يعني تصادما مباشرا مع الشارع العراقي و استفزاز العراقيين و تصعيد الازمة وزيادة غضب الشارع العراقي الذي سيصعد موقفه ضد وكلاء إيران و الأطراف السياسية التي تمثل الوجه الإيراني داخل الساحة السياسية في العراق.
ثانيا: الصراع الحزبي على منصب رئاسة الوزراء و محاولة كل طرف الاستحواذ على هذا المنصب دون الاكتراث بمطالب المتظاهرين، سيؤدي إلى تصعيد الغضب الشعبي و حدة التظاهرات في الفترة القادمة. حيث أن الأحزاب السياسية وخاصة الشيعية غير مستعدة للمجازفة بتقديم شخصية مستقلة لرئاسة الوزراء قد يشكل حكومة تكنوقراط ويهدد مصالح و امتيازات و مكاسب الأحزاب السياسية و يكشف ملفات الفساد و يضع حدا للنفوذ الإيراني داخل العراق.
ثالثا: فوضى السلاح وظهور الميليشيات الطائفية على الساحة بشكل مباشر و انتشار عمليات القتل و الاغتيال و اختطاف الناشطين و الصحفيين و المتظاهرين السلميين سوف يؤدي إلى تعقيد المشهد وسوف يؤثر بشكل مباشر على مستقبل الحراك الشعبي وسوف يدفع المتظاهرين الى رفع مطالبهم بوجه السلطة السياسية التي فشلت في حصر السلاح بيد الدولة و إنهاء ظاهرة الميليشيات التي ظلت ملازمة للدولة العراقية منذ 2003.
رابعا: هناك مطالب جماهيرية بترشيح شخصية وطنية مستقلة لم تتورط بالفساد او العمل مع الأحزاب الحالية لرئاسة الوزراء لفترة انتقالية. ومع صعوبة هذا الاحتمال إلا ان وصول شخصية نزيهة إلى رئاسة الوزراء لن يغير من المعادلة شيئا. لأنه سيكون عاجزا عن إنجاز المشاريع الإصلاحية بسبب كثرة العراقيل الحزبية و الفساد داخل البرلمان. وهذا يعني أن اختيار أي مرشح من المعسكر القديم او من الشخصيات الوطنية لن يجدي نفعا في علاج المشاكل البنيوية التي يعاني منها العراق، بل سيؤدي إلى تأجيج الانفجار الجماهيري و تصعيد الغضب الشعبي وخروج الأمور عن السيطرة من خلال إرسال رسالة سلبية إلى الآلاف ممن ينتظرون التغييرات الجذرية كشرط رئيسي لإنهاء التظاهرات .(6)

الخاتمة:
في ظل التدخلات الإيرانية و بقاء الأحزاب الدينية الموالية لطهران و الميليشيات الطائفية ، إضافة إلى بقاء النظام السياسي القائم على مبدأ المحاصصة ، ستستمر المشاكل و الصراعات السياسية في العراق. وهذه الصراعات السياسية ستعرقل كل المشاريع الوطنية الحقيقية و ستهدد الامن و الاستقرار بشكل مستمر ودائمي بسبب فوضى السلاح. علما أن بقاء هذه العوامل يعني تشكيل حكومات ضعيفة عاجزة عن توفير الخدمات للمواطنين و القيام بواجباتها الدستورية و القانونية و الاستجابة لمطالب المتظاهرين. وهذا الامر سيدفع الشارع العراقي إلى الالحاح و الإصرار في البقاء في الساحات و القيام بالاعتصامات و العصيان المدني و تطوير آليات التعبير عن الرأي للضغط على الأحزاب الحاكمة ، بالإضافة إلى دعوة المجتمع الدولي للعب دور أكبر في العراق لحماية حياة المتظاهرين و معاقبة المسؤولين عن عمليات القتل و الاغتيال بحق المتظاهرين السلميين.

المصادر:
(1) الصراع الإيراني -الأمريكي و آثاره على الوضع السياسي في العراق – فارس الخطاب – مركز الجزيرة للدراسات http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/09/190926105511437.html

(2) أوهام إيرانية يحرقها العراق-خير الله خير الله- العرب
https://alarab.co.uk/%D8%A3%D9%88%D9%87%D8%A7%D9%85 %D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%8A%D8%AD%D8%B1%D9%82%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

(3) الازمة الطائفية في العراق إرث من الاقصاء- حارث حسن- معهد واشنطن
https://carnegie-mec.org/2014/04/23/ar-pub-55405

(4) الصراع السياسي في العراق واسطورة المصالحة الوطنية ، الخلاصة

الصراع السياسي في العراق واسطورة المصالحة الوطنية

(5) “دخول الصدر: إنك لا تنزل في التظاهرة مرتين” مقال للمدون صبرائيل الخالدي
https://glgamesh.com/117342-.html

(6) هل تخرج المعركة على مستقبل العراق عن السيطرة؟ إيكونومست
https://arabi21.com/story/1228006/%D8%A5%D9%8A%D9%83%D9%88%D9%86%D9%88%D9%85%D8%B3%D8%AA-%D9%87%D9%84-%D8%AA%D8%AE%D8%B1%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B7%D8%B1%D8%A9

 

الباحث والكاتب شاهو القره داغي
دراسة خاصة بمركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام)