المقدمة:

إن التوتر والتصعيد في العراق والمنطقة أصبح هو السمة الواضحة بسبب التدخلات الخارجية والصراعات والحروب التي تخاض في العراق وسوريا واليمن. فقد شهدت هذه الفترة توترا كبيرا في العلاقات بين واشنطن وطهران – الحليفتان لبغداد – خصوصا بعد تولي ترامب إدارة البيت الابيض والتي حسمت خياراتها في التعامل مع ايران من خلال الانسحاب من الاتفاق النووي المعروف بـــ 5+1 مع إعادة فرض العقوبات الاقتصادية التي تمثلت في ثلاث حزم متتالية، لدفع ايران للجلوس على طاولة مفاوضات بعد أن حددت الخارجية الامريكية شروطا يجب على ايران الموافقة عليها وتنفيذها. وبهذا دخل الصراع مرحلة جديدة من التحدي والتصعيد بعد أن تدهورت الاوضاع الاقتصادية في ايران خصوصا بعد منع الولايات المتحدة الامريكية شراء النفط الايراني – مع بعض الاستثناءات التي شملت بعض الدول المستوردة للنفط الايراني – مما دعا ايران الى إطلاق تصريحات بأنها لن تسمح بتصدير النفط في المنطقة اذا منعت ايران من تصدير نفطها وهددت بإغلاق مضيق هرمز. كما هددت الاذرع الايرانية (الميليشيات الولائية) في المنطقة والتي تتواجد في العراق ولبنان وسوريا واليمن بضرب المصالح الامريكية. علما إن العراق ينتشر فيه ما يقارب (5- 8) الاف جندي امريكي في (12) قاعدة عسكرية منتشرة بالمنطقة الغربية والشمالية منها خمسة قواعد عسكرية في اقليم (كردستان).

الاستراتيجية العسكرية الامريكية في المنطقة :

لقد حددت الادارة الامريكية الجديدة خيارتها في استراتيجيتها العسكرية وذلك من خلال الخروج من الحروب العبثية في العراق وأفغانستان وسوريا، على أن تقوم بإرسال قوات اختصاصية لتقديم الدعم المالي والاستخباري والجوي واللوجيستي للقوات التي تقاتل تنظيم الدولة دون الاعتماد على نشر قوات مقاتلة على الارض. وهذا ما حصل في العراق وسوريا لمواجهة تنظيم الدولة. كما قامت بإعلان سحب قواتها من سوريا وفعلا بدأت بتقليل أعداد القوات العسكرية في سوريا وأفغانستان على أن تحتفظ بقوات قليلة ولكنها ذات فاعلية كبيرة. وقد سبق هذه الخطوة سحب بطاريات الصواريخ (باتريوت) من عدد من بلدان المنطقة بما فيها تركيا والسعودية والكويت. وقد صرح ترامب علنا بأن من يريد بقاءنا فعليه أن يدفع لنا ثمن البقاء هناك، و من يريد أن تؤمن الولايات المتحدة الامريكية له الحماية والامن فيجب عليه أن يدفع ثمن الحماية فكل شيء له ثمن. وقد رأينا بعد هجمات أرامكو كيف تقدمت السعودية بطلب لجلب بعض القوات الامريكية الاختصاصية مثل بطاريات الصواريخ باتريوت وأجهزة المراقبة، وقد تم ارسالها بناءا على اتفاق بين الدولتين. كما أن الولايات المتحدة صرحت بعد حرب الناقلات بأنها لن تقوم بتأمين الحماية لإمدادات النفط والطاقة في المنطقة وعلى الصين أن تقوم بتأمين الحماية لناقلات النفط التابعة لها وكذلك باقي الدول الاخرى. وهذا يعطي دلالة واضحة على أن الولايات المتحدة لا تريد الدخول في حروب جديدة ومكلفة عسكريا واقتصاديا لواشنطن على حساب الصعود الصيني – الروسي بالمنطقة.

مؤشرات على التصعيد العسكري في المنطقة:

لقد بدأت مؤشرات التصعيد في المنطقة من خلال بعض الاجراءات التي اتخذتها الاطراف المتصارعة في المنطقة ومنها:

المؤشر الاول: زيادة أعداد القوات الامريكية في المنطقة. وهو إجراء يتناقض مع الاستراتيجية العسكرية الامريكية الرامية الى تقليص أعداد القوات العسكرية والتخلص والخروج من الحروب العبثية في المنطقة. وقد سبق هذه الزيادة تصريحات للبنتاغون قبل الضربة الجوية الامريكية على ميليشيات كتائب حزب الله في العراق.

المؤشر الثاني: تقليص أعداد الدبلوماسيين الامريكان في العراق. حيث بينت الوثائق التي أرسلت من وزارة الخارجية إلى لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الامريكي بأنها ستقلل عدد الموظفين في سفارتها بالعراق والقنصلية بأربيل في شمال العراق من (486) إلى (349) أي بانخفاض قدره (28%) بحلول نهاية مايو 2020. وستخفض الوكالات الحكومية الأخرى بما في ذلك وزارة الدفاع والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في وقت يشهد فيه العراق اضطرابات سياسية ومظاهرات عارمة ضد النظام السياسي الحاكم والنفوذ الايراني في البلاد.

المؤشر الثالث: فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أربع شخصيات عراقية من بينهم ثلاثة من قادة الحشد الشعبي متورطين في قتل المتظاهرين ولهم صلات بفيلق القدس الايراني، وهم زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي وشقيقه ليث الخزعلي ومدير أمن الحشد الشعبي حسين فالح المعروف باسم أبو زينب اللامي والرابع رجل الأعمال خميس الخنجر المتهم بـ”الفساد”.

المؤشر الرابع: تضمن بيان مجلس التعاون الخليجي الذي صدر في نهاية دورته الاربعين في 10ديسمبر2019 وقوف دول المجلس صفا واحدا في مواجهة أي تهديد تتعرض له أي من دول المجلس. وهذا يبين حجم التحديات والتهديدات التي يمكن أن تواجهها دول المجلس.

المؤشر الخامس: فشل الاحزاب السياسية والميليشيات المسلحة في جر المظاهرات والحراك الشعبي الى العنف طوال الفترة الماضية، رغم سقوط أعداد كبيرة من الشهداء وصل عددهم الى أكثر من (600) شهيد وأكثر من(20) ألف جريح واعداد كبيرة من المعتقلين والمخطوفين. لذلك فقد غيرت الميليشيات وجهتها نحو التصعيد ضد القواعد العسكرية المشتركة بين القوات الامريكية والعراقية. وهذا يبين سبب زيادتها في هذا الشهر الى ستة هجمات آخرها قاعدة “K1”.

المؤشر السادس: تغيير قيادات أمنية ومنها تعيين أبو منتظر الحسيني (فريق ركن تحسين عبد مطر العبودي) في منصب قائد قوات المنطقة الخضراء. والتسريبات تبين بأن هذا القرار جاء بأوامر إيرانية. حيث تشير صحيفة البيان بأنه استلم مهامه قائدا للفرقة الخاصة فور دخول العراق مرحلة الفراغ الدستوري مما يؤكد عزم  إيران إحكام السيطرة على المنطقة الخضراء التي تضم مكاتب الرئاسات العراقية الثلاث ومباني السفارات الأمريكية والبريطانية والسعودية وباقي السفارات والبعثات الدبلوماسية.

المؤشر السابع: زيادة الهجمات الصاروخية على القواعد العسكرية المشتركة والتي تضم قوات أجنبية وخاصة امريكية وأخرى عراقية. وكان هناك زيادة كبيرة في هذه الهجمات التي كان آخرها ضرب قاعدة عسكرية مشتركة في كركوك – كما سبق وأن ذكرناه -.

 

أكد مجلس الأمن الوطني العراقي في رده على الغارات الأمريكية ضد معسكرات “كتائب حزب الله” أن العراق يرفض أن يكون ساحة اقتتال أو طرفا في أي صراع إقليمي أو دولي

هجمات صاروخية على قواعد عسكرية مشتركة:

لقد أصدرت قوات التحالف الدولي قائمة بالهجمات الصاروخية التي تعرضت لها قواتها في العراق والتي وصلت الى ستة هجمات في شهر سبتمبر/كانون الاول وكان آخرها الهجوم الذي استهدف قاعدة ” K 1″ في كركوك. حيث أكدت القيادة المركزية الأمريكية في بيانها الصادر بتاريخ 27سبتمبر/كانون الأول عام  2019 إن الهجوم أدى إلى مقتل متعاقد مدني أمريكي وإصابة أربعة من أفراد الخدمة الأمريكية واثنين من قوات الأمن العراقية نتيجة إطلاق صواريخ على قاعدة “ K 1” في محافظة كركوك والتي تعتبر قاعدة مشتركة للقوات العراقية وقوات التحالف الدولي وفيها خليط من قوات الشرطة الاتحادية والقوات الامريكية وجهاز مكافحة الارهاب. علما أن الجيش العراقي أعلن في بيان مقتضب أن عدة قذائف سقطت على قاعدة  “K 1” العسكرية، بينما قال البنتاغون في بيان له إن الكتائب استخدمت (30) صاروخا في الهجوم الذي استهدف القاعدة في كركوك. حيث يتهم مسؤولون أمريكيون إيران بشن هجمات صاروخية ضد القواعد العسكرية التي تستضيف جنودا ودبلوماسيين أمريكيين في العراق عبر وكلائها من الفصائل الشيعية العراقية، وهو ما تنفيه طهران وتحاول التنصل منه.

ضربات جوية أمريكية على مواقع لكتائب حزب الله في العراق وسوريا:

لقد شنت الولايات المتحدة الامريكية ضربات جوية على أهداف ومواقع عسكرية تابعة لميليشيا كتائب حزب الله في العراق وسوريا والتي وصفها وزير الدفاع الامريكي مارك أسبر بأنها ناجحة. بينما قال عنها مساعد وزير الدفاع جوناثان هوفمان بأنها ضربات دفاعية دقيقة وناجحة تم تنفيذها ضد ثلاث منشآت تابعة لكتائب حزب الله في العراق واثنتين في سوريا. حيث كان من بين هذه الاهداف منشآت لتخزين الأسلحة ومواقع القيادة والسيطرة. وجاءت هذه الضربات ردا على الهجمات المتكررة التي تشنها الكتائب على القواعد العسكرية العراقية وكان آخرها الهجوم على قاعدة ” K 1″في 27 سبتمبر/كانون الاول عام 2019 والتي تتمركز بها قوات عراقية وأمريكية ضمن إطار عملية العزم الصلب التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة. وأضاف جوناثان أن هذه الضربات ستحد من قدرة الكتائب على شن أية هجمات أخرى تستهدف قوات التحالف في المستقبل. وقد تم اتخاذ إجراءات إضافية في المنطقة للدفاع عن المصالح الامريكية. فيما تشير المعلومات الى أن الهجوم استهدف لواء(45) ولواء (46) وأسفر عن مقتل (25) عضوا من كتائب حزب الله التي تعتبر من فصائل (المقاومة الاسلامية) التابعة لطهران وليست جزءا من قوات الحشد الشعبي. وقد نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤول عسكري أمريكي أن الضربات الامريكية كانت عبر مقاتلات (أف15) دون أن يشير الى المكان الذي انطلقت منه هذه الطائرات. علما أن قيادة العمليات المشتركة التابعة لوزارة الدفاع قالت في بيان لها إن موقعين للكتائب بمنطقتي “غابة سلوم” و”الحرش” غربي الأنبار تعرضت لـثلاث ضربات جوية أمريكية.

تباين المواقف في العراق من الهجمات الامريكية :

لقد انقسمت المواقف في العراق بعد الضربات الأمريكية التي طالت خمسة مواقع عسكرية تابعة لكتائب حزب الله ثلاثة في العراق وأثنان في سوريا الى مواقف متعددة منها:

أولا: الموقف الحكومي الرسمي:

لقد صدر الموقف الرسمي الحكومي منددا ورافضا للقصف الامريكي. حيث أدان رئيس حكومة تصريف الأعمال العراقي عادل عبد المهدي الهجمات الجوية التي نفّذتها مقاتلات أمريكية على مواقع كتائب حزب الله العراقي المقربة من إيران والتي ذهب ضحيتها ما يقارب (25) قتيلا وعشرات الجرحى وصل عددهم الى أكثر من(51) جريحا، مؤكدا أن الهجمات ستكون لها عواقب وخيمة. بينما اعتبرها الرئيس العراقي انتهاكا للسيادة العراقية ودعا جميع الاطراف الى التهدئة وعدم التصعيد. فيما أكد مجلس الأمن الوطني العراقي في رده على الغارات الأمريكية ضد معسكرات “كتائب حزب الله” أن العراق يرفض أن يكون ساحة اقتتال أو طرفا في أي صراع إقليمي أو دولي كما أنها لم تستثن الحكومة العراقية إمكانية مراجعة مبادئ العمل مع التحالف الدولي في الظروف التي اعتمدت فيها القوات الأمريكية على “استنتاجاتها وأولوياتها السياسية” وليس على أولويات العراق.

 

ثانيا: موقف قيادات الحشد الشعبي الولائي:

وهي الحاكم الفعلي للعراق والتي دعت الى الرد على هذه الضربات. حيث توعد أبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي الذي قال في تصريح صحفي مقتضب قبل مقتله “إن دماء الشهداء والجرحى لن تذهب ‏سدى، والرد سيكون قاسيا على القوات الأمريكية في ‏العراق”.

 

ثالثا: موقف التيارات السياسية:

هناك قوى سياسية وأطراف أخرى دعت الى تجنيب العراق أن يكون ساحة للصراع بين واشنطن وطهران ومنها التيار الصدري. وجميع هذه المواقف هي مواقف شكلية لا قيمة لها على المستوى الداخلي والخارجي لأن الجميع يعلم أن العراق اصبح ملعبا للقوى الخارجية التي تتصارع على العراق، وإن من يسيطر على الاوضاع السياسية والامنية والاقتصادية في العراق هو أحزاب وميليشيات التابعة لإيران وقد وصفت وزارة الخارجية الايرانية في بيان لها القصف الأمريكي الذي استهدف مقاتلي كتائب حزب الله العراقي بـ”العدوان الإرهابي”حسب ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية إيرنا عن المتحدث باسم وزارة الخارجية عباس موسوي الذي قال: إن “العدوان الأمريكي على الأراضي العراقية ومهاجمة مواقع الحشد الشعبي، مثال واضح على الإرهاب، وندينه بشدة”.

 

أكدت وزارة الدفاع الامريكية بأنها وجهت ضربات جوية دفاعية استباقية أدت الى مقتل “قاسم سليماني” صانع الايديولوجية التوسعية الفارسية في المنطقة مع “أبو مهدي المهندس” في هجمات جوية

اقتحام السفارة الامريكية:

بتاريخ 30 كانون الأول/ ديسمبر 2019 اقتحمت أعداد كبيرة من ميليشيات الحشد الشعبي في العراق بزيها العسكري المنطقة الخضراء ليصلوا الى السور الخارجي للسفارة الامريكية المحصنة والتي تم تشيدها بعد عام2003 بمواصفات عالية جدا والتي تعتبر أكبر سفارة في العالم. حيث قاموا بإضرام النار وحرق بوابتين بالإضافة الى عدد من النقاط الأمنية المحيطة بها. وقد تمت عملية الاقتحام على خلفية تشييع ضحايا القصف الامريكي لمواقع حزب الله في العراق يتقدمهم كبار قادة الحشد الشعبي مثل هادي العامري وابو مهدي المهندس وقيس الخزعلي وفالح الفياض وحامد الجزائري. ولم تمنع القوات العراقية – التي تغلق الطريق المؤدي الى السفارة الامريكية – المشاركين في التشييع من دخول الشارع أو اقتحام مبنى السفارة وإحراق العلم الامريكي والهتاف بشعارات ضد أمريكا التي أخلت موظفيها الأساسيين خشية اقتحامها من قبل محتجين يحتشدون أمام بوابتها.

ردود الفعل الامريكية على اقتحام السفارة:

لقد تعاملت الولايات المتحدة مع حادثة اقتحام السفارة الامريكية باتجاهين أحدهما سياسي من خلال الاتصال برئيس الوزراء المستقيل ورئيس الجمهورية وأبلغتهم بمسؤوليتهم عن حماية السفارة وحثهم على الاسراع في ارسال القوات الامنية لحماية السفارة ومن في داخلها من موظفين وارسلت تعزيزات عسكرية من وحدات المشاة البحرية المارينز الى العاصمة العراقية. كما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن إرسال قوات من مشاة البحرية “المارينز” من الكويت إلى بغداد بالتزامن مع تحليق طائرات من نوع “أباتشي” بسماء العاصمة؛ وذلك بهدف تأمين وحماية مقر السفارة الأمريكية التي تعرضت لهجوم من قبل ميليشيات تابعة لإيران . كما أعلنت وزارة الدفاع البنتاغون في الاول من كانون الثاني عام 2020 عن إرسال (750) جنديا من الفرقة 82 المحمولة جوا الى الشرق الاوسط، على أن يتم زيادة العدد ليصل الى أربعة الاف جندي إذا لزم الامر. وقد أتهم الرئيس الامريكي ايران بالوقوف وراء اقتحام مقر السفارة الامريكية في بغداد وهدد بمحاسبتها .

حقائق مهمة يجب الوقوف عندها:

أولا: تعرضت القوات الامريكية الى ضربات صاروخية من قبل جماعات مسلحة عراقية لها صفة حكومية شكلية وغطاء قانوني ولكنها تابعة لإيران بلغت (27) هجوما منذ الاول من أكتوبر/تشرين الاول عام 2019 حسب تصريح رئيس هيئة الاركان المشتركة الجنرال مارك ميلي، وآخراها قصف قاعدة”K1″ بأكثر من(30) صاروخ مما أدى الى مقتل متعاقد امريكي مدني وعدد من الجنود الامريكان والعراقيين. وقد وجهت الاتهامات الى كتائب حزب الله العراق.

ثانيا: أبلغ وزير الدفاع الامريكي مارك اسبر رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي بالضربات الجوية في اتصال هاتفي، فلماذا لم يتم أخلاء هذه المواقع من قبل ميليشيات الحشد الشعبي ومن يتحمل المسؤولية على عدم ايصال هذه التهديدات الى القوات العسكرية الميدانية التي طالتها الهجمات الجوية؟.

ثالثا: لماذا ظهرت قيادات الحشد الشعبي بصفتها الرسمية وهم يتهجمون بصورة علنية على السفارة الامريكية التي تضم بعثات دبلوماسية والتي يجب أن تكون محمية بصورة جيدة. فهذه رسالة واضحة الى الولايات المتحدة الامريكية بأن لا يوجد شيء خارج سيطرتهم بما فيها البعثات الدبلوماسية.

رابعا: لماذا لم تمنع قوات الامن وصول متظاهري الميليشيات الى المنطقة الخضراء كما فعلت مع المتظاهرين في ساحة التحرير؟ ولماذا تم تغيير قائد الفرقة الخاصة المسؤول عن المنطقة الخضراء بأبي منتظر الحسيني القيادي المعروف في الحشد الشعبي؟ بحيث أصبحت مداخل ومخارج المنطقة الخضراء بيد ميليشيات الحشد الشعبي.

خامسا: اذا كانت ميليشيات حزب الله جزء من المنظومة الامنية والعسكرية العراقية فلماذا لم تحترم الاتفاقيات الموقعة بين العراق والولايات المتحدة الامريكية – اتفاقية الاطار الاستراتيجي-، واذا كانت خارج هذه المنظومة لماذا لم تتخذ ضدها اجراءات قانونية؟ خصوصا وإن المادة (9) من الدستور تحظر تشكيل ميليشيات مسلحة خارج إطار الدولة. وهنا نقول: لماذا لم تتحذ الحكومة الاجراءات اللازمة لمحاسبة الجهة التي نفذت الهجوم؟ ولماذا لم تحترم الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين؟.

 

تغيير قواعد اللعبة أدت الى مقتل “سليماني” و”أبو مهدي المهندس”:

لقد أكدت وزارة الدفاع الامريكية بأنها وجهت ضربات جوية دفاعية استباقية أدت الى مقتل “قاسم سليماني” صانع الايديولوجية التوسعية الفارسية في المنطقة مع “أبو مهدي المهندس” في هجمات جوية نفذتها طائرة مسيرة بناءا على توجيهات من قبل الرئيس الامريكي ترامب. وقد صرح وزير الدفاع الامريكي بأن قواعد اللعبة قد تغيرت بالمنطقة، حيث اتهمت الوزارة الدفاع الامريكية (البنتاغون) بأن لديها معلومات استخبارية تقول إن سليماني كان يعمل على تطوير خطط لمهاجمة الدبلوماسيين والموظفين الامريكان في العراق والمنطقة وإن الضربة الامريكية تهدف الى ردع ايران ومنعها من تنفيذ خطط هجومية مستقبلية من خلال اذرعها في المنطقة.

 

موقف الميليشيات الولائية من الضربات الامريكية:

أولا: لقد أصدرت فصائل (المقاومة الاسلامية) في العراق بيانات فيها من التهديد والوعيد الكثير متوعدة بالرد على الهجمات الامريكية. واطلق الكثير من قياداتها تصريحات نارية للثأر من قتلة سليماني وأبي مهدي المهندس وصفتها بعمليات الثأر. كما تضمنت البيانات وقوفوها وتضامنها واصطفافها مع الموقف الايراني وبينت استعدادها لضرب القواعد العسكرية والمصالح الامريكية في العراق والمنطقة مع دعوة صريحة لهادي العامري رئيس منظمة بدر الى خروج القوات الامريكية من العراق بإلغاء اتفاقية الاطار الاستراتيجي. وهذه الدعوة موجهة أيضا من قبل ميليشيات كتائب حزب الله في العراق والعصائب والنجباء والخرساني وبدر وسيد الشهداء وغيرها. كما دعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر فصائل (المقاومة) في العراق وخارجه لاجتماع فوري لإعلان عن تشكيل “افواج المقاومة الدولية”، على خلفية الهجمات الأميركية الأخيرة. وقد أعلن أمين عام حركة النجباء أكرم الكعبي وأمين عام حركة العراق الإسلامية شبل الزيد الاستعداد للمشاركة في “افواج المقاومة الدولية” التي دعا إليها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

ثانيا: تصعيد عسكري: لقد دعت ميليشيا كتائب حزب الله العراقي قوات الأمن العراقية للابتعاد عن القواعد الأمريكية لمسافة لا تقل عن ألف متر بدءا من مساء الأحد المصادف 5 كانون الثاني عام 2020 وحذرتها من البقاء في هذه القواعد. وتزامنا مع هذا التحذير استهدف هجومان المنطقة الخضراء الشديدة التحصين بوسط بغداد وقاعدة جوية عراقية تضم جنودا أمريكيين شمال العاصمة، بحسب ما أشارت مصادر أمنية. وسقطت قذيفتا هاون على المنطقة الخضراء في وسط العاصمة العراقية، حيث مقر السفارة الأميركية كما أشارت المصادر إلى سماع دوي صافرات الإنذار في المنطقة الخضراء. وفي الوقت نفسه سقط صاروخان من نوع كاتيوشا على قاعدة بلد الجوية العراقية والتي تضم جنودا أمريكيين وطائرات أميركية. كما حلقت طائرات مسيرة أمريكية فوق القاعدة وقامت بعملية استطلاع للمنطقة.

ثالثا: حالة اللا دولة: يبدو إن السياسيين الشيعة أداروا وجوههم للولايات المتحدة الامريكية صاحبة الفضل في وصولهم الى سدة الحكم في العراق. فقد جاءوا على ظهر الدبابات الامريكية وبدعم كامل من اجهزتها الاستخبارية والامنية حتى وصلوا الى سدة الحكم، لينقلبوا عليهم بعد ذلك في توصيف يمكن أن نسميه بأنه زواج متعة انتهت مدته. والسؤال أين الحكومة من هذا التصعيد الخطير وأين مؤسسات الدولة والرئاسات الثلاثة من تصريحات قادة الميليشيات التي تنادي بخروج القوات الامريكية بعيدا عن الدولة؟ وكيف يسمح لهم بإطلاق مثل هذه التصريحات التي يمكن أن تذهب بالعراق الى المجهول؟ فهذه الميليشيات يجب أن تمتثل للموقف الرسمي الحكومي باعتبارها جزء من القوات المسلحة. لكن يبدو أننا أمام انقسام واضح في المواقف. فهناك موقف شكلي تمثله الحكومة ومؤسسات الدولة وهناك موقف تمثله وتتبناه ميليشيات الحشد الولائي التابع لإيران والذي يسيطر بصورة حقيقة على الوضع في العراق. لذا فنحن أمام حالة اللا دولة.

التحليل:

أولا: الحرب بالوكالة: من المعروف لدى الجميع بأن الولايات المتحدة الامريكية وايران لا تريد الذهاب الى المواجهة العسكرية المباشرة والحرب المفتوحة لذا فالصراع يجري كما يلي:

  • المحور الايراني: ويتألف من ميليشيات الحشد الولائي والتي تعرف بفصائل (المقاومة الاسلامية) والتي تدين بالولاء للولي الفقيه في ايران وعلى رأسها ميليشيات كتائب حزب الله والعصائب وبدر وسيد الشهداء والخرساني والنجباء وغيرها. وهي تقاتل في سوريا منذ عام2011 بإمرة الحرس الثوري الايراني، وهي تهدد بأنها ستكون مع ايران في أي مواجهة مقبلة مع الولايات المتحدة الامريكية. وهناك مؤشرات على انطلاق بعض الطائرات والصواريخ الموجهة من العراق لضرب أهداف حيوية داخل العمق السعودي. كما توجد ميليشيات متعددة الجنسيات من الافغان والباكستانيين بالإضافة لحزب الله اللبناني معروف بولائه لإيران. وكان حسن نصر الله قد صرح في 16 أب عام 2019 بمناسبة مهرجان الانتصار الكبير الذي أطلق عليه “نصر وكرامة” في مدينة بنت جبيل الذي أقيم بمناسبة الذكرى الـ13 (للانتصار على العدو الاسرائيلي) في عام 2006 قائلا: “اليوم  لدينا جبهة مقاومة ممتدة من فلسطين الى لبنان وسوريا والعراق وايران واليمن وقوى سياسية حية في البحرين وتونس والمنطقة والعالم”،واردف قائلا:” الحرب على ايران يعني الحرب على محور المقاومة” وأشار الى أن “اللاعبين الصغار في منطقتنا ستحرق النار وجوههم وكياناتهم”. وهذا تصريح واضح بموقفه العسكري والسياسي بالإضافة الى ميليشيا الحوثي في اليمن التي استخدمتها ايران في ضرب أهداف اقتصادية ومدنية ومطارات عسكرية داخل المملكة العربية السعودية وآخرها هجمات شركة ارامكو التي سبقتها حرب الناقلات. حيث تم استهداف اربعة ناقلات للنفط في مياه الخليج العربي ومضيق هرمز بالإضافة الى اسقاط الطائرة المسيرة الامريكية.
  • المحور الامريكي: لقد حسمت الولايات المتحدة الامريكية خياراتها بالتركيز على العقوبات الاقتصادية في التعامل مع ايران، رغم الاستفزازات الايرانية. ومع هذا نفذت طائرات مسيرة مجهولة ضربات جوية على مواقع الحشد الشعبي بالعراق وسوريا شملت مواقع ومخازن اسلحة وصواريخ تابعة لميليشيات الحشد الشعبي في بغداد وصلاح الدين وكركوك. وهناك اتهامات وجهت من قبل قادة هذه الميليشيات الى الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل بتوجيه هذه الضربات. وهذا يعني إن الحرب بالوكالة كانت قائمة بين المحورين في العراق وسوريا واليمن ومياه الخليج العربي.
  • السؤال: هل الولايات المتحدة الامريكية مستعدة لمواجهة عسكرية شاملة مع ايران؟ الجواب لا ! فترامب يواجه مشكلة يحتمل معها عزله بعد أن تم تحويل الملف من الكونغرس الامريكي الى مجلس الشيوخ. كما إن اقتراب موعد الانتخابات الامريكية يجعل التصعيد العسكري لا يصب في مصلحة تولي ترامب لفترة رئاسية جديدة. كما أن توجهه نحو زيادة القوات والتصعيد في المنطقة يتقاطع مع ما أعلنه من رغبته في إخراج قواته العسكرية من الحروب العبثية في العراق وافغانستان وسوريا. وقد أعتبر الكثير من المراقبين والمحللين والشخصيات المعارضة له أنه أرتكب خطأً استراتيجيا كبيرا بقتل سليماني وأبي مهدي المهندس الذي يمكن أن يؤدي الى التصعيد والذهاب الى المجهول. ولكن علينا أن نسأل نفس السؤال: وهل ايران مستعدة للذهاب الى المواجهة العسكرية الشاملة والمباشرة مع واشنطن؟ الجواب لا أيضا! لأن ايران مأزومة داخليا بخروج (189) مدينة من مدن ايران في مظاهرات عارمة نظمتها الطبقة الفقيرة والمتوسطة بسبب العقوبات الاقتصادية وسوء الاوضاع المعيشية الاقتصادية. بالإضافة الى خروج مظاهرات تهدد بزوال نفوذها في العراق بشكل جدي وكذلك في لبنان والتي لا زالت مستمرة الى يومنا هذا.

ثانيا: إن خيار الضربة الامريكية التي أطلق عليها وزير الدفاع ضربات دفاعية لم يكن خيارا أمريكيا بل كان خيارا عسكريا اضطراريا للدفاع عن النفس، وفرضه عليها الطرف الاخر بسبب الهجمات المتكررة للميليشيات الولائية على القواعد المشتركة التي يتواجد فيها جنود عراقيين وأمريكان والتي أدت الى سقوط خسائر. مع علم الجميع بوجود اتفاقية الاطار الاستراتيجي التي توجب على الطرفين العراقي والامريكي الالتزام بها. بالإضافة الى أن الاستخبارات الامريكية تقول بأنه توفرت لديها معلومات تفيد بقيام سليماني بالتخطيط لتنفيذ عمليات مستقبلية ضد المصالح الامريكية وضد الدبلوماسيين والموظفين الامريكان في العراق. وهذا يجعلنا أن نتذكر أن من وقّع الاتفاق النووي مع ايران هي ادارة أوباما التي تسعى لعزل ترامب وتولي الادارة القادمة. لذا فقد تكون زيادة الهجمات على القوات الامريكية هو لتقليل حظوظ ترامب في الفوز بفترة رئاسية جديدة  من خلال ايقاع أكبر الخسائر بالقوات والمصالح الامريكية في المنطقة. وهو جزء من التصعيد الذي يجب أن تتراجع عنه ايران و اذرعها في المنطقة من خلال ردع ايران بهجمات قاسية.

ثالثا: لقد جاء الرد العسكري الامريكي في العراق خارج الحسابات والتوقعات السياسية والعسكرية. وهي ردة فعل استراتيجية تنذر ببدء مرحلة جديدة من التصعيد والاشتباك المباشر المحدود بين طهران وواشنطن من خلال ضربات نوعية ودقيقة بعد الهجمات التي طالت القواعد العسكرية التي تتواجد فيها قوات مشتركة عراقية وأمريكية لذا جاء الرد بشقين هما:

  • شن ضربات جوية على مواقع عسكرية تابعة لكتائب حزب الله والتي تتهمها القوات الامريكية بشن هذه الهجمات على القوات الامريكية باعتبارها أهم وأقوى الميليشيات الولائية التابعة لإيران.
  • توجيه ضربة جوية دقيقة استهدفت رجل ايران الاول في العراق (أبو مهدي المهندس) بالإضافة الى قائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني رجل ايران القوي ومهندس التدخل الايراني في المنطقة، باعتبار ايران المسؤولة عن الاذرع الايرانية بعد أن صرحت الولايات المتحدة الامريكية بأن ايران تتحمل المسؤولية الكاملة عن أي خسائر ناجمة عن هجمات تنفذها الادوات الايرانية على القوات والمصالح الامريكية.

رابعا: لقد تمكنت الميليشيات وأحزاب السلطة التي تعاني من أزمة حقيقية في العراق من خلط الاوراق في محاولة لإنهاء الحراك الشعبي واجباره على التوقف بحجة وجود معركة أكبر ضد التواجد الامريكي في المنطقة في محاولة لصرف الانتباه عن ساحة التحرير وعن المظاهرات التي خرجت لتغيير النظام السياسي الحاكم بالعراق والتي استطاعت أن تسقط الحكومة ولا زالت مستمرة تنادي بحل البرلمان والذهاب الى انتخابات مبكرة مع عدم قبول مشاركة أية شخصية سياسية شاركت في حكم العراق منذ عام 2003.

خامسا: هناك تغيير في الاستراتيجية الامريكية في المنطقة وهناك تغيير لقواعد اللعبة في العراق والمنطقة. وهو ما صرح به وزير الدفاع الامريكي الذي قال “بأن هذه الضربات الجوية الامريكية هي ضربات استباقية”، وهذا  يعني أن الولايات المتحدة الامريكية انتقلت من الدفاع الى الهجوم ومن عدم التصعيد الى اتخاذ إجراءات تصعيدية بنقل المعركة الى أرض العدو والقيام بضربات إجهاضية تمنع وقوع عمليات مستقبلية من قبل الادوات الايرانية ضد المصالح الامريكية في المنطقة.

 

تحول العراق الى ساحة صراع بين الولايات المتحدة الامريكية وايران التي يحاول كلاهما أن يسيطر على العراق ومقدراته الاقتصادية

الخيارات ايران بعد مقتل سليماني:

يعتمد الرد الايراني على الضربات الامريكية على الارادة السياسية التي يمثلها المرشد الاعلى في ايران، كونه الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يوجه الاوامر للداخل والخارج الايراني باستهداف القوات والمصالح الامريكية في المنطقة. بسبب كون الخيارات المتوفرة قليلة وصعبة. فإذا ردت ايران ستكون خاسرة بشكل كبير كونها لا تعرف ما هي ردة الفعل الامريكية والى أين يمكن أن يصل الرد الامريكي، خصوصا مع وجود زيادة في أعداد القوات العسكرية في المنطقة بما فيها تحرك بارجة حربية باتجاه منطقة الخليج العربي ونشر عدد من طائرات القصف الاستراتيجي (B52) مع أطلاق تهديدات لترامب بضرب (52) هدفا ايرانيا. وبنفس الوقت إذا لم ترد ايران ستكون خاسرة بشكل كبير أمام شعبها وأمام حلفائها في المنطقة. لذا فايران تسعى لرد يحفظ لها ماء وجهها أمام حلفائها ودول المنطقة وهذا قد يكون بشقين هما:

أولا: الرد بصورة مباشرة: من قبل الحرس الثوري الايراني وفيلق القدس بضرب أهداف ومصالح أمريكية في العراق، كون المواجهة موجودة وقائمة بين ميليشيات ايران الولائية والولايات المتحدة الامريكية. كما أن حادثة قتل سليماني جرت في العراق لذا سيكون الرد في نفس البلد الذي قتل فيه. كما أن الرد في مناطق وبلدان أخرى يعني دخول أطراف جديدة في الصراع وهو ما لا تريده ايران والذي ستكون كلفته السياسية كبيرة.

ثانيا: الرد بصورة غير مباشرة: وهذا يشترك فيه حلفاء طهران في المنطقة بمساعدة ضباط من الحرس الثوري الايراني وحزب الله اللبناني لتفعيل سبل المواجهة لضرب أهداف أمريكية مثل فصائل المقاومة الاسلامية في العراق (الحشد الولائي) والميليشيات الايرانية متعددة الجنسيات في سوريا وحزب الله اللبناني في لبنان وحركة حماس وحركة الجهاد الاسلامي في فلسطين وميليشيات الحوثي في اليمن بالإضافة الى حزب الله البحريني وحزب الله الكويتي.

ثالثا: سيكون الرد الذي يمكن أن تقوم به ميليشيات طهران في المنطقة متفاوت حسب القدرات العسكرية للأذرع الايرانية في المنطقة. ولكن الرد في العراق سيكون اساسي لكونه ساحة صراع رئيسية ومستعرة أصلا لذا سيكون الرد عسكريا باستهداف أهداف عسكرية أمريكية ما استطاعوا لذلك سبيلا بضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيرة أو مهاجمة شركات النفط الامريكية في جنوب العراق. بينما يمكن أن يكون الرد من قبل حزب الله اللبناني وحركة حماس والجهاد الاسلامي بضرب أهداف اسرائيلية وحسب ما تقتضيه المصلحة في ذلك. بينما يمكن أن يكون الرد من ميليشيات الحوثي بضرب أهداف في دول الخليج العربي وليس بالضرورة أن تكون أهداف أمريكية، بل يمكن أن تكون أهداف اقتصادية ومدنية باعتباره جزءا من الصراع القائم في اليمن. كما يمكن لايران أن تحرك خلايا نائمة لها في البحرين والكويت للقيام بضرب أهداف عسكرية أو دبلوماسية.

رد ايراني صاروخي على قواعد عسكرية امريكية :

لقد اطلقت ايران (22) صاروخ ارض- ارض بعد أن توعدت برد قوي وانتقام قاس ومزلزل على المصالح الامريكية في المنطقة. ولكن الحقيقة على الأرض تختلف تماما عن التصريحات والتهديدات التي تم اطلاقها من قبل قادة الحرس الثوري الايراني ورئيس الجمهورية ووزير الخارجية والدفاع وعدد من المسؤولين الايرانيين. وهنا لا بد أن نشير الى أن الواقع يقول بان مرحلة جديدة من الصراع قد بدأت، وهناك انتقال من حرب الوكالة الى المواجهة المباشرة المحدودة التي تضمنت ضرب أهداف محددة للطرفين. فطهران حرصت في هجومها على ضرب أهداف محددة وهي قاعدتي عين الأسد وحرير في العراق مع التركيز على عدم إيقاع أي خسائر بشرية أو مادية حسب تصريح الناطق الرسمي باسم الحرس الثوري الايراني الذي قال” إن الهجمات الإيرانية لم تكن تهدف لقتل جنود أمريكان”، خشية من ردة الفعل الامريكية. لذا فهذه الهجمات تحمل رسائل سياسية أكثر مما تحمل تهديدا عسكريا يمكن أن يؤدي الى تهديد المصالح الامريكية.

 

 الموقف الايراني بعد الضربات الصاروخية:

أولا: استعداد وتأهب لجميع القوات العسكرية والامنية.

ثانيا: أي دولة ستنطلق منها هجمات ضد الاراضي الايرانية ستواجه برد ايراني. وهذا تحذير لدول الخليج العربي التي تحتضن قواعد عسكرية أمريكية.

ثالثا: عدم الذهاب الى الحرب المفتوحة والشاملة، لذا تم استهداف أهداف محدودة.

رابعا: تخفيض حدة التوتر والدعوة الى التهدئة وعدم التصعيد وإن الرد على مقتل سليماني انتهى.

خامسا: التصريح بشكل رسمي عن مسؤولية طهران عن الاذرع الايرانية في المنطقة من خلال ظهور الناطق الرسمي للحرس الثوري الايراني الذي وضع خلفه أعلام ميليشيات الحشد الشعبي وحزب الله اللبناني والحوثي وحماس والجهاد الاسلامي في تصرف واضح عن مسؤولية طهران عن جميع هذه الاطراف. وهذا يجعلنا أن نقول بأن ايران هي المسؤولة رسميا عن ضرب شركة ارامكوا السعودية في الفترة الماضية.

تحليل الضربات الصاروخية الايرانية:

أولا: على المستوى السياسي:

  • هي رسالة للداخل الايراني المحتقن وللتخلص من الضغوطات الداخلية والخارجية ولتخفيف الضغوطات على القيادة الايرانية. ويمكن أن نقول هي – الضربات – لحفظ ماء الوجه من خلال إعطاء هامش بسيط لهذه الضربة ولكن دون وقوع خسائر. وهذا جزء من السياسية الامريكية في امتصاص الغضب الايراني الذي يقول بأن ايران لن تسكت وقامت برد الفعل على مقتل سليماني.
  • هي رسالة الى دول المنطقة والعالم بأن ايران قوية وقادرة على الرد على التهديدات الامريكية ولديها من الامكانيات والقدرات ما يمكن أن تكون في دور الفاعل والقادر على التأثير في الاحداث. وقد هدد الحرس الثوري الدول العربية التي تتواجد فيها قواعد عسكرية أمريكية من أي رد فعل من هذه القواعد العسكرية ضد ايران، الامر الذي سيعرض هذه الدول الى رد قوي وقاسي من ايران وسيجعل منها أهدافا مشروعة لإيران.
  • هذه الصواريخ ايرانية تحمل رسالة واضحة للأكراد والسنة الذين لم يحضروا جلسة البرلمان العراقي للتصويت على خروج القوات الامريكية من العراق. لذا فهم يقولون بهذه الصواريخ أن القواعد الامريكية في المناطق السنية وكردستان العراق لن تحميكم من الصواريخ الايرانية لذا فقد استخدمت كأداة ضغط عسكرية لانتزاع موقف سياسي.
  • هي رسالة لحلفاء طهران في المنطقة بأن ايران قوية وقادرة على الرد .
  • تحول العراق الى ساحة صراع بين الولايات المتحدة الامريكية وايران التي يحاول كلاهما أن يسيطر على العراق ومقدراته الاقتصادية. وكان بإمكان الطرفين أن يوجهوا ضربات مباشرة لبعضهم خارج الاراضي العراقية ولكن يبدو إن الطرفين متفقين على التصعيد داخل العراق لأسباب كثيرة منها ما يتعلق بالمظاهرات التي تنادي بتغيير الوضع السياسي القائم. كما إن ما جرى هو خرق للسيادة العراقية التي باتت تنتهك من قبل جميع الاطراف لضعف الحكومة وتبعية مواقفها للخارج. لذا فقد اصبح العراق ملعبا وليس لاعبا في مجريات الاحداث.
  • إن التصريحات التي صدرت من الخارجية الايرانية على لسان وزيرها ظريف بأن ايران انتهت من الرد على مقتل سليماني يعني وقف التصعيد العسكري ضد مصالح الولايات المتحدة الامريكية. كما أن عدم وقوع خسائر بشرية ومادية جعل الرئيس الامريكي ترامب يغرد قائلا: “كل شيء على ما يرام”، وصدرت الدعوة الى العودة على ما كانت عليه العلاقة قبل التصعيد الامريكي، وهذا يشمل العودة الى قواعد اللعبة قبل التصعيد مع تهديد واشنطن على تشديد العقوبات الامريكية على ايران.
  • إن الاوضاع في المنطقة ملتهبة بشكل كبير جدا، خصوصا وإن الداخل الايراني منتفض على الوضع الاقتصادي السيء نتيجة العقوبات الامريكية مما تسبب في خروج مظاهرات شاملة للطبقة الفقيرة والمتوسطة في أكثر من (189) مدينة ايرانية. كما أن الوضع في لبنان والعراق سيء جدا على النفوذ الايراني وهناك مظاهرات خرجت منذ الاول من أكتوبر العام الماضي وهو مستمر الى يومنا. وقد استطاع الحراك في العراق أن يسقط حكومة عبد المهدي، وهو اليوم ينادي بحل البرلمان والذهاب الى انتخابات مبكرة وينادي بخروج الاحتلال الإيراني بالكامل بعد أن حرقت القنصلية الايرانية في كربلاء والنجف وحرق العلم الايراني وصور المرشد. كل هذا مع وجود سليماني فكيف الان وقد قتل سليماني الذي يعتبر مهندس السياسية الخارجية والنفوذ الايراني. لذا فهي أمام إشكال حقيقي وكبير ينذر بفقدان نفوذها السياسي والميليشياوي في هذه البلدان. وأي تغيير في العراق سينعكس على سوريا بشكل كبير ولبنان واليمن ايضا وهذا يجعلنا أن نعود لنسأل ما هي الصفقة التي أبرمت لوقف التصعيد بين ايران وواشنطن؟.
  • إن هذه الضربات المتبادلة بين طهران وواشنطن أفقدت المظاهرات بعض من زخمها في ايران والعراق ولبنان وحولت الانظار للتصعيد الجديد بالمنطقة. وقد نجحت ايران والاحزاب السياسية والميليشيات الحاكمة في العراق من توظيفها بشكل كبير في محاولة لدفع الشارع الايراني للعودة مرة أخرى للاصطفاف خلف قيادته. كما إنه دفع الحكومة والميليشيات لتعود الى الواجهة بقوة بعد أن ضعف موقفها في الفترة السابقة بشكل كبير. وقد يفسر هذا الامر السبب الذي جعل الحشد الشعبي الذي كان يتوعد بالثأر أن يتراجع خطوة الى الوراء ويتبرأ من قصف المنطقة الخضراء والسفارة الامريكية وهذا كله يجري ضمن صفقة خفض التصعيد.

 

على المستوى العسكري:

  • كان بإمكان طهران أن تطلق أعداد أكبر من هذه الصواريخ وكان بإمكانها أن تضرب أهداف أكثر أهمية وفاعلية من قاعدتي عين الاسد في الانبار وحرير في اربيل مثل الاسطول الخامس الامريكي الذي يتواجد في البحرين منذ سنيين طويلة وكذلك القواعد الامريكية التي تنتشر في الكويت وهي الاقرب والاسهل في مسألة استهدافها من الداخل والخارج وكذلك القواعد الموجودة في عمان وقطر والسعودية والامارات، بالإضافة الى القواعد الامريكية التي تنتشر في أفغانستان التي تربطها علاقات جيدة مع ايران على كافة المستويات ولديها ميليشيات محلية فيها. وهذا يوضع علامات استفهام كثيرة بأن الضربة كانت استعراضا عسكريا باهتا فقط لا غير.
  • تتواتر المعلومات من الداخل العراقي بأن الامريكان أبلغوا القطعات العسكرية العراقية المتواجدة في القاعدة بأنها ستتعرض لقصف صاروخي إيراني هذه الليلة وقد تم إخلاء الكثير من الاليات والقطعات والطائرات لحين انتهاء الضربة. وهذا يدلل على أن هناك إتفاقا على مسألة تنفيذ ضربة صاروخية إيرانية لتنفيس الاحتقان وتخفيف الضغوطات. علما أن ايران أبلغت رجلهم في العراق عبد المهدي بالضربة الصاروخية. وهنا نسأل: هل تم تبليغ الامريكان بهذه الضربة من قبل رئيس الحكومة المستقيل أم لا؟.
  • إن أدق توصيف وتقييم للضربة الصاروخية الايرانية من الناحية العسكرية هو وصفها بالهزيلة والضعيفة وفضحت هشاشة القوات الصاروخية الايرانية. ويمكن أن نقول: إن الرد العسكري الايراني لم يرق الى الصوت العالي في التهديد وتعتبر هذه الضربة الصاروخية لا قيمة لها على مستوى التحليل والتقييم العسكري. خصوصا وإن الصواريخ التي أطلقت لم تصل جميعها الى أهدافها المحددة والكثير منها سقط في المناطق الزراعية المحيطة بالقاعدتين والكثير منها لا تحمل رأسا حربيا للتفجير والذي يعتبر الاساس بمسألة الخسائر التي يمكن أن تحصل. وقد أظهرت الصور الكثير من أجزاء هذه الصواريخ التي لم تصل لأهدافها والتي يطلق عليها اسم قيام وذو الفقار وفاتح 313 ومن الخواص الفنية لصاروخ قيام هي:
    • مداه يصل الى (800) كم.
    • وزن الرأس الحربي يصل الى (645) كيلو غراما.
    • قطر الصاروخ (880) مليمترا.
    • وزن الصاروخ (638) كيلو غراما.
  • يبدو إن عدم إصابة الصواريخ الايرانية لأهدافها في قاعدة عين الاسد وقاعدة حرير جعل الحرس الثوري الايراني يتراجع عن الخسائر التي سببتها الصواريخ الايرانية والتي أعلن عنها في اليوم الاول للضربة الصاروخية. وقد برر قائد القوة الجو فضائية للحرس الثوري بعدم وجود خسائر بالجنود الامريكان بسبب وجود مدنيين في المنطقة وقد تعمدوا على عدم وقوع حصول خسائر بشرية ومادية قائلا: “إننا لسنا مجرمين”! وهنا نقول إذن لماذا يجوز قتل العراقيين والسوريين واليمنيين عندهم ولكن قتل الامريكان لا يجوز عندهم وهم من يطلقون على امريكا تسمية الشيطان الاكبر؟! وهناك معلومات حسب المحلل السياسي سعيد شاوردي الذي قال” إن الصواريخ تحمل مواد ملوثة ستؤدي الى تلوث المنطقة لفترة طويلة”. ففي تقديري إنه مجرد تبرير لعجزهم وضعفهم وعدم قدرتهم على الوصول الى أهدافهم. وهنا لا بد نشير الى أن القيام بعمل مؤذي للمصالح الامريكية في سنة انتخابية للرئيس الامريكي سيكلفها الكثير ومنها تدمير البنى التحية العسكرية الايرانية وهذا ما جرى في حرب الناقلات في الخليج العربي في عام 1986 عندما دمرت الولايات المتحدة الامريكية القوة البحرية الايرانية في خمسة ساعات فقط.
  • هل إن وقف التصعيد بين ايران والولايات المتحدة الامريكية يشمل الاذرع الايرانية في المنطقة أم لا؟ وهنا نقول: إن هذه الميليشيات المسلحة الولائية والاذرع الايرانية جميعها تأتمر بإمرة الولي الفقيه في ايران في مسألة التصعيد الخارجي ضد الولايات المتحدة وبقية الاطراف الاخرى في المنطقة كدول الخليج العربي، وبالتالي فإن قرار المواجهة هو قرار ايراني بامتياز وسيعتمد على الاتفاقات بين الولايات المتحدة الامريكية وايران ضمن صفقة وقف التصعيد. خصوصا وأن هناك الكثير من الاطراف منها خليجية تلعب دور الوسيط في خفض التصعيد. ولكن قرار التصعيد الداخلي سيكون قرارا محليا بمشورة وقرار ايراني. وهذا ما جعل الحشد الشعبي يتراجع خطوة الى الوراء ليتفق ويصطف مع الموقف الايراني الداعي الى وقف التصعيد. وقد اعتبرت ميليشيات الحشد الشعبي اتهامها بقصف المنطقة الخضراء لتشويه صورتها كما تبرأت من قصف السفارة الامريكية والقوات الاجنبية. كما يجب الفصل بين موقف الحشد الشعبي الرسمي الذي يميل للتهدئة وعدم التصعيد وبين موقف الفصائل التي تندرج تحت مسمى (فصائل المقاومة الاسلامية) أي الفصائل الولائية التابعة لإيران.
  • إن من يتابع ويراقب السياسية الايرانية يرى أنها تميل دائما الى اتخاذ مواقف برغماتية غير منفعلة مع إعطاء هامش لحرية التعبير لكثير من القادة العسكريين والسياسيين. ورأينا التهديدات التي صدرت ضد المصالح الامريكية وأن الرد سيكون مزلزلا. ولكن ردة الفعل الحقيقية جاءت من قبل بعض الشخصيات في قيادة التيار الاصلاحي التي كانت ترى في مقتل سليماني فخا أمريكيا للإيقاع بإيران في حرب مباشرة معها. وهذا ما لا تريد طهران الذهاب اليه، لذلك جاءت الضربة الايرانية بدون وقوع خسائر بعد أن تم تبليغ الجانب العراقي بها. وهو ما يؤيد ذهاب بعض التحليلات الى وجود اتفاق وصفقة في إجراء هذه الضربة. ولكن السؤال المهم جدا هو: ماذا تمتلك ايران من سلاح يمكن أن تهدد به الولايات المتحدة بعد هذه الضربات الصاروخية؟ الجواب لا يوجد غير الهجمات التقليدية والطائرات المسيرة التي يمكن أن تحيد باستخدام الحرب الالكترونية. لذا لا بد لإيران أن تعرف حجم قوتها العسكرية ولا تزايد في ذلك.

 

الخاتمة:

يبدو إن الولايات المتحدة الامريكية قد حسمت خياراتها في الانتقال من التهديد الى الرد العسكري الفعلي بعدم تجاهل الاعتداءات الايرانية التي تهدد المصالح الامريكية في المنطقة عسكريا واقتصاديا. لذا فقد كثفت في هذه الفترة من وجودها العسكري ووجهت ضربات جوية على كتائب حزب الله في العراق وضربات جوية أخرى أدت الى مقتل قاسم سليماني و(أبو مهدي المهندس). كما أن هناك تهديد حقيقي بضرب بنك أهداف قد يصل الى أكثر من (52) هدفا في حال التصعيد الايراني. وهذا يعتبر تحديا واضحا للقوة الايرانية ووكلائها في المنطقة التي تقول إن واشنطن ستحاسب طهران على هجمات وكلائها دون تفريق بين الحكومة الايرانية ووكلائها. ورأينا قائد القوة الجو فضائية في الحرس الثوري الايراني وهو يضع خلفه أعلام ورايات الحشد الشعبي في العراق وحزب الله اللبناني والحوثي وحماس بالإضافة الى الاعلام الايرانية. حيث تتبنى ايران في حروبها الخارجية سياسية الحرب اللامتكافئة بخوض حروب بقوات محلية حليفة لها في المنطقة، وهي تدرك أنها ليست بحاجة للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع واشنطن والتي ستكون مكلفة للمؤسسة العسكرية والاقتصادية والسياسية الايرانية ونفوذها الاقليمي في المنطقة والذي بدأ يهتز ويترنح بشكل كبير في العراق ولبنان. وقد ردت طهران على الهجمات الامريكية بضربات صاروخية على قاعدتين في العراق دون وقوع خسائر تذكر. ويبدو بأن الطرفين يتجهان نحو التهدئة وعدم التصعيد. علما أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات جديدة على ايران شملت فرض (17) عقوبة ضد قطاعات المناجم الأساسية إلى جانب شركات وسفينة منخرطة في نقل المعدات، إضافة إلى عقوبات أخرى ضد (8) مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى منهم قائد الباسيج الايراني. وهذا الصراع القائم والمحتدم يجري على الأراضي العراقية التي تحولت الى ساحة صراع بسبب ضعف الحكومة وفقدان الارادة السياسية والعسكرية لوقف المخططات المعادية التي تضر بمصالح العراق العليا ومنها التدخلات الخارجية وتبيعة النظام السياسي الحاكم الذي أصطف الى جانب السياسات الايرانية المرفوضة شعبيا.

 

 

                                                                                                                                   حاتم كريم الفلاحي

باحث بمركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام)