تمهيد: تناقش هذه الورقة التصعيد المحتمل بين الولايات المتحدة الامريكية وبين الميليشيات العراقية التابعة لإيران ونسأل: هل فشلت استراتيجية الردع الامريكية لهذه الميليشيات؟ وهل الضربات الجوية الامريكية التي وجهت الى لميليشيات أصبحت غير مجدية ودفعتها لتكون أكثر جرأة لتنفيذ الهجمات ضدها؟ وما هي الخطوات الامريكية لمواجهة التصعيد العسكري لهذه الميليشيات؟ ولماذا جرى الانسحاب الامريكي من بعض القواعد العسكرية المشتركة؟ وهل كان هذا الانسحاب بسبب الضربات التي وجهتها الميليشيات لهذه القواعد؟ أم بسبب فيروس “كورونا” لتقليل الاختلاط مع القوات العراقية؟ ولماذا سمح البنتاغون بالتخطيط لعمل عسكري واسع ومقبل؟ وما هو موقف حكومة بغداد من تحويل العراق الى ساحة للصراع بسبب ميليشيات خارجة عن سيطرة الدولة ؟وما هي بواعث القلق الامريكي من مجريات الاحداث بالعراق؟ وما هي الخيارات الامريكية المحتملة؟ ولماذا لا يميل الطرفين للتصعيد العسكري المباشر؟ وهل سيكون خيار الدفاع عن النفس هو السائد أم قد يتطور حسب الضرورة ومجريات الاحداث.

 

المقدمة:

يبدو أننا في العراق ندخل مرحلة جديدة من التصعيد العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة الامريكية وبين الميليشيات التابعة لإيران، والتي أصبح أمرها غير مقبول سياسياً ،وعسكرياً ،خصوصاً بعد أن كشفت صحيفة “نيويورك تايمز الامريكية” في27مارس/آذار 2020، أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) “أصدرت أمراً، للقادة العسكريين، بتصعيد الهجوم الأمريكي في العراق، بهدف تدمير القدرات التسليحية لميليشيا تدعمها إيران، ويمكن أن تستخدمها للقيام بهجمات مستقبلية، بعد أن نفذت سلسلة من  الضربات الصاروخية ضد القوات الأمريكيةكما كشف مسؤول أمريكي عن مؤشرات تفيد بأن ميليشيا “حزب الله في العراق” تسعى لمهاجمة القوات الأمريكية، ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤول أمريكي قوله:” إن المسؤولين يتلقون تقارير شبه يومية عن هجمات وشيكة من ميليشيا حزب الله على مرافق عسكرية أو دبلوماسية أمريكيةوأضاف المصدر أن المليشيات المدعومة من إيران أصبحت أكثر جرأة في مهاجمة الجيش الأمريكي في العراق، وأن هجماتها تكررت وأصبحت تُنفذ في وضح النهار وقد تم تنفيذ العديد من الهجمات الصاروخية على السفارة الامريكية في بغداد وعلى قاعدة القيارة، والتاجي، وقاعدة بلد الجوية.

 

المواجهة قائمة بين الميليشيات والقوات الامريكية:

إن اصرار الميليشيات التابعة لإيران على مهاجمة القوات الامريكية والمواقع الدبلوماسية في بغداد ،بالرغم من الضربات الامريكية لمواقع هذه الميليشيات لردعها عن تنفيذ عمليات هجومية ضد القوات الامريكية يعطي دلالة واضحة على أن التصعيد العسكري سيتمر في العراق بدفع من ايران ،وهذا ما دفع الولايات المتحدة الامريكية الى الانتقال لمرحلة جديدة من التخطيط والتصعيد العسكري لمواجهة هذه الميليشيات ، ومنها العمل العسكري المباشر ،الذي يمكن أن يشمل ضربات جوية تستهدف القيادات العسكرية لهذه الميليشيات، أو ضربات تستهدف الجناح السياسي التابع لها فضلاً عن مواقعها العسكرية، خصوصاً بعد أن تم درج العديد من هذه الميليشيات على قوائم الارهاب الامريكية ،مع العمل على ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية على حكومة تصريف الاعمال لفك الارتباط مع ايران ،والعمل على تشكيل حكومة تكون قادرة على وضع حد للتدخلات الايرانية في العراق، ولجم الميليشيات التي تعمل خارج إطار الدولة، وحصر السلاح المنفلت بيد الدولة.

 

 

 

انقسام أمريكي حول طبيعة الرد على الميليشيات:

قالت صحيفة “الواشنطن بوست” إن إدارة ترمب تبحث اتخاذ خطوات عسكرية تصعيدية لمواجهة الميليشيات دون إثارة انتقام مُكلف، إلا أنها منقسمة بشأن كيفية الرد وتوقيته وهذا الانقسام بين الخارجية والبنتاغون حيث يميل وزير الخارجية الامريكي “مايك بومبيو” ومستشار الامن القومي “روبرت أوبراين” الى العمل العسكري ويدفعون باتجاه التصعيد وشن هجوم على ايران ووكلائها في العراق، مستغلين انشغال إيران بتفشي فيروس “كورونا ” بينما يعارض مسؤولي وزارة الدفاع (البنتاغون)وعلى رأسهم وزير الدفاع “مارك إسبر” وقائد القيادة المشتركة الامريكية “مارك ميلي” أي عمل عسكري وقد أبدوا معارضتهم وقلقهم من القيام بتصعيد عسكري حاد ،ولكنهم اتفقوا على السماح للقيادات العسكرية بالتخطيط لحملة أمريكية جديدة في العراق، لمنح الرئيس الامريكي خيارات جديدة في التعامل مع الميليشيات التابعة لإيران ،وقد وضعت خططاً لمهاجمة كتائب حزب الله العراقي، وأن الخطط قدمها مجلس الأمن القومي ووزير الخارجية مايك بومبيو.

 

ما هي دواعي القلق الامريكي من التصعيد العسكري:

لكي نفسر القلق الذي ذهب اليه وزير الدفاع وقائد القيادة المشتركة، نقول بأن هذا القلق يأتي من اسباب متعددة منها:

أولا/ كون القوات المتواجدة بالعراق هي للتدريب، والاستشارة، وتقديم المشورة، والدعم اللوجيستي، والاستخباري، والدعم الجوي، والمراقبة لمواجهة تحركات تنظيم الدولة باستخدام استراتيجية غير مباشرة في المواجهة مع تنظيم الدولة.

ثانيا/ الموارد العسكرية الامريكية الموجودة يصل تعددها لأكثر من(5) آلاف جندي أمريكي في العراق ، وهي قوات غير كافية لبدء عملية عسكرية واسعة للجم هذه الميليشيات التي يصل عدد عناصرها الى حوالي (120)ألف مقاتل، وهذا يحتاج الى قوات عسكرية وموارد أخرى للبدء في هذه العملية.

ثالثا/ يجب أن يكون هناك في تغير المهام للقوات الامريكية من التدريب الى العمل العسكري القتالي المباشر، وهذا يجعلها بحاجة لقوات إضافية وموارد كثيرة من الصعب تأمينها في هذه الفترة القصيرة.

 

ما هي الخطوات الأمريكية لمواجهة التصعيد العسكري:

لقد سمح البنتاغون للقادة العسكريين بوضع خططاً للتصعيد العسكري في العراق ضد الميليشيات المدعومة من ايران، مع وجود قادة يدفعون باتجاه المواجهة المباشرة مع ايران، ولكن هذا لم يمنع القوات الامريكية من أن تقوم بخطوات متعددة للحد من الهجمات التي تقوم بها هذه الميليشيات ومنها ما يلي:

أولا/ أعادة التموضع ،والانتشار ،بالانسحاب من عدد من المواقع الغير آمنة وذات التحصين الضعيف ،والتي تحتوي على ملاجئ مكشوفة وغير محصنة ويمكن مهاجمتها من قبل الميليشيات، كما أنها قواعد مشتركة مع الجيش العراقي وكذلك لمنع الاختلاط بسبب أزمة “فيروس كورونا” دفع القوات الامريكية الى الانسحاب من هذه القواعد في القائم، وقاعدة القيارة ، وقاعدة كي وان ،والبسماية، والمواقع الرئاسية في مدينة الموصل، بالإضافة الى السفارة الامريكية في بغداد ،ولمنع وقوع خسائر غير مبررة، لذا تم الانسحاب من هذه المواقع الى قواعد محصنة يمكن أن تكون درع واقي أمام أي هجمات صاروخية محتملة.

 

ثانيا/ نشر بطاريات صواريخ باتريوت للدفاع الجوي، حيث وصلت إحدى بطاريات الصواريخ إلى قاعدة “عين الأسد” وتم تركيبها، وقال مسؤول عسكري أمريكي، إن “بطارية أخرى وصلت إلى قاعدة حرير” في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، وأن هناك بطاريتين أخريين لا تزالان في الكويت في انتظار نقلهما إلى العراق وهذا يعني التركيز والتواجد في القواعد الكبيرة وتأمين الحماية اللازمة لها حيث تعمل هذه البطاريات بشكل ذاتي لوقف الهجمات المحتملة على القواعد العسكرية ،وستكون المنظومة قادرة على تأمين الحدود الشرقية للمملكة العربية السعودية، وكذلك الحدود الشرقية لإسرائيل، ويعني ذلك أن واشنطن سيطرت بشكل كامل على الأجواء العراقيةوأصبحت قادرة على معالجة أي صواريخ باليستية قادمة من ايران ،وقد اعتبرت وزارة الخارجية الايرانية في بيان لها “أن الأنشطة العسكرية الأميركية “قد تجرّ المنطقة إلى حالة عدم استقرار” وإلى “وضع كارثي”، داعيةً إلى تجنّب “التسبب بتوترات أثناء أزمة كورونا المستجد وإن هذه “الأنشطة العسكرية تتعارض مع الموقف الرسمي للحكومة العراقية وبرلمانه وشعبهو لا أعرف ماذا تمثل وزارة الخارجية الايرانية للعراق بهذه التصريحات التي تعطي دلالة واضحة على التدخل بالشأن الداخلي العراقي وتجاوز على السيادة العراقية! وتظهر كأنها وصي على العراق وشعبه.

 

ثالثا/ قيام الخارجية الامريكية بسحب موظفيها من السفارة الامريكية في بغداد، ومن القنصلية الامريكية في اربيل حيث أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية ، أنها ستعيد موظفيها غير الأساسين بالسفارة الأمريكية في بغداد والقنصلية العامة في أربيل وقالت السفارة الأمريكية في بيان: نظرًا لمجموعة من الظروف الأمنية وإجراءات السفر المقيدة نتيجة لوباء فيروس كورونا” وهنا نقول لماذا لم تسحب الخارجية الامريكية موظفيها من سفارتها في “ايطاليا” أو “اسبانيا” التي تفشى فيها الفيروس بشكل كبير جداً ويعد كارثة انسانية كبيرة  قياساً بالعراق، وهذا ما يفسر القلق الامريكي من التهديدات التي تطلقها الميليشيات التابعة لإيران والتي يمكن أن تنزلق لحرب شاملة، وخاصة وإن هناك تشكيل جديد باسم ميليشيا “عصبة الثائرون” التي تبنت الهجوم على معسكر التاجي، وبهذا تكون الادارة الامريكية أمام خيارات واسعة للتعامل مع هذه التهديدات.

 

رابعا/ أعلان التحالف الدولي أنهاء وإيقاف المهام التدريبة للقوات العراقية الى ما بعد شهر رمضان ، وهنا نقول اذا تم أيقاف المهام التدريبية فهذا يعني انتفاء مبررات بقاء القوات الاجنبية في العراق، وهو ما يفسر لنا الانسحاب من بعض القواعد العسكرية الغير مهمة لانتفاء الحاجة اليها من قبل قوات التحالف الدولي تحسباً لتطورات الاحداث كما إن إعلان عدد من الدول الاوربية سحب قواتها من العراق بسبب تفشي فيروس “كورونا” مثل “فرنسا” و”نيوزلندا” وبعض الدول الاخرى يتزامن مع تزايد التهديدات التي تطلقها الميليشيات التابعة لإيران باستهداف القوات الاجنبية في العراق.

 

خامسا/ تحريك الفرقة(101)التي تسمى “النسور الزاعقة” للمنطقة وخاصة العراق، لتبديل قسم من القوات العاملة بالعراق تحت مهمة تدريب القوات العراقية، مع وصول الطائرات الاستراتيجية (P52)،يعني أننا أمام تصعيد عسكري محتمل وبشكل كبير ،وسيكون هذا التصعيد حسب تطور الاحداث.

 

موقف حكومة بغداد من التصعيد العسكري المتبادل؟

يبدو إن التصعيد الامريكي بدأ يقلق حكومة بغداد التي صمتت طوال الفترة الماضية على تطورات الاحداث ،وأكتفت بإصدار البيانات التي تدين انتهاك السيادة العراقية، ولكنها بنفس الوقت صمتت عن التدخل الايراني في الشأن العراقي، وتسترت على قتل المتظاهرين الذين خرجوا منذ الاول من اكتوبر/تشرين الاول عام2019، والى يومنا هذا ،حيث مارست الميليشيات الولائية الرافضة لهذا الحراك شتى أنواع القتل، والتعذيب ،والخطف ،والاعتقال أمام مرأى ومسمع من القوات الامنية والعسكرية التي وقفت تتفرج على مجريات الاحداث، حتى اصبحت هذه الحكومة عاجزة تماماً عن التعامل مع الازمات التي تعصف بالعراق، بسبب هيمنة الميليشيات وسيطرتها على المشهد السياسي، والعسكري، والاقتصادي، الامر الذي تراه الادارة الامريكية لم يعد مقبولاً ،كون الادارة الامريكية هي من جاءت بهؤلاء السياسيين الى الحكم ،وهي من سمحت بتسليح وتشكيل هذه الميليشيات لمواجهة تنظيم الدولة، وقدمت لها الكثير من الدعم العسكري ،والاستخباري ،واللوجيستي اللازم لمواجهة تنظيم الدولة ،وهي من صمتت على وصولهم الى حكم العراق، ثم انقبلوا عليها لصالح ايران.

 

لقد تبادلت الميليشيات الطائفية التابعة لإيران والقوات الامريكية الضربات الصاروخية والجوية في الفترة الماضية، حيث تم قصف السفارة الامريكية ومواقع عسكرية تتواجد فيها القوات الامريكية في التاجي ، والقيارة ،وقاعدة بلد، مما دفع القوات الامريكية الى توجيه ضربات جوية استهدفت خمسة مواقع عسكرية تابعة لميليشيا حزب الله العراق، ولكن اصرار الميليشيات على التصعيد العسكري وتوجيه المزيد من الضربات الصاروخية دفع الولايات المتحدة الامريكية الى المواجهة والتصعيد أيضاً ،وهذا ما صرح به وزير الخارجية الامريكية بومبيو الذي قال” سنرد على الهجمات التي تستهدف مواطنين في القنصلية والسفارة الامريكية في العراق” علماً إن وزارة الخارجية الايرانية حذرت الولايات المتحدة الامريكية، في الاول من نيسان الجاري” من خطر جرّ الشرق الأوسط إلى “وضع كارثي” في خضم أزمة فيروس كورونا، بعد نشر واشنطن منظومة صواريخ باتريوت للدفاع الجوي في العراق المجاور.

 

حكومة قادرة على إصدار البيانات فقط:

بتاريخ 30 مارس/أذار الماضي أصدر رئيس حكومة تصريف الاعمال في بغداد بياناً صادر عن القائد العام للقوات المسلحة بشأن التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة الامريكية والميليشيات التابعة لإيران، والتهديدات المتبادلة بين الطرفين بتصعيد العمل العسكري، حيث تزايدت حركة القوات الامريكية وتباينت بين الانتشار وإعادة التموضع والانسحاب وبين حركة طيران أسمها بغير مرخصة كما جاء في البيان، وهنا نقول ما الذي دفع حكومة بغداد الى الخروج عن صمتها لتبدي قلقها بشأن هذه التحركات؟ وهل الخوف من تطور الاوضاع لتصل الى عمل عسكري محتمل هو الذي دفع رئيس الحكومة المستقيلة الى إصدار بيان باسم القائد العام للقوات المسلحة يبن القلق من التهديدات المتبادلة حيث جاء فيه ما يلي:

 

أولا/ “ان الاعمال اللاقانونية واللامسوؤلية التي يقوم بها البعض في استهداف القواعد العسكرية العراقية او الممثليات الأجنبية هو استهداف للسيادة العراقية، وتجاوز على الدولة العراقية حكومة وشعبا، وهو عمل مدان من قبلنا، وأننا نتخذ كل الاجراءات الممكنة لملاحقة الفاعلين ولمنعهم من القيام بهذه الاعمال”.

التعليق:

يبدو إن رئيس الوزراء في هذا البيان تكلم عن إعمال لا قانونية وغير مسؤولة يقوم بها البعض! ولكنه لم يحدد ما هي الاعمال ولم يسمي من هي الجهات التي تقوم بهذا العمل الذي ينتهك السيادة العراقية، ولم يتطرق الى الاجراءات التي تم اتخذها لوقف وملاحقة هذه الاعمال المدانة من قبله وتنتهك السيادة، فيا ترى ماذا تفعل الاجهزة الامنية في حكومتك يا رئيس الوزراء؟ وهل فعلاً أنت وأجهزتك الامنية لا تعرفون من هي هذه الجهات؟ واذا كنت تعرفها لماذا لم تسمها بالاسم؟ وتتخذ الاجراءات القانونية المناسبة لوقف هذه الجهات واحالتها الى القضاء والمحاكم المختصة! أم أنك تخشاها؟ أو أنك جزء منها فتتستر عليها وهو الاقرب للحقيقة؟ أم إن هذه الميليشيات فوق القانون بفضل الحكومة الحالية وتسترك على جرائمها وأفعالها، ومنها هذه الافعال التي تقوم بها الميليشيات لزعزعة استقرار العراق.

 

ثانيا/ لقد جاء في البيان أنه يتابع: بقلق المعلومات التي ترصدها قواتنا من وجود طيران غير مرخص به بالقرب من مناطق عسكرية في سبايكر، ومعسكر الشهداء في الدوز، ومطار حليوة ،ومعسكر اشرف ، والمنصورية وغيرها” وأضاف بأننا “نحذر من مغبة القيام بأعمال حربية مضادة مدانة وغير مرخص بها، ونعتبر ذلك تهديدا لأمن المواطنين وانتهاكا للسيادة ولمصالح البلاد العليا” وحذر من “خطورة القيام باي عمل تعرضي دون موافقة الحكومة العراقية .

 

التعليق:

(1) وهنا لا بد أن نذكر رئيس الوزراء بأن من أوصلكم للحكم في العراق هي القوات الامريكية والبريطانية التي احتلت العراق وسلمتكم الحكم منذ عام2003،والتي كانت تتواجد بأعداد كبيرة ولكنكم كنتم تطلقون عليها بالقوات الصديقة، والتي كانت تسيطر على الاجواء العراقية منذ اليوم الاول للاحتلال والى يومنا هذا ،فما الذي تغير ؟ لنسمع هذا العويل وهذا الصراخ؟ الذي يعكس القلق الحقيقي الذي تعيش به الطبقة السياسية الحاكمة في العراق والميليشيات التابعة لإيران وخوفهم من المستقبل ، خصوصاً بعد إن كشفت صحيفة” الواشنطن بوست” إن إدارة ترمب تبحث اتخاذ خطوات عسكرية تصعيدية لمواجهة الميليشيات التي تجر العراق الى المجهول، متجاهلة المصالح العليا للبلاد التي تقتضي يا رئيس الوزراء وقف ولجم هذه الميليشيات الخارجة عن القانون وملحقتها ، وحصر السلاح بيد الدولة ،وتطبيق القانون ،وفرض هيبة الدولة ،ومنع ايران من التدخل في الشأن الداخلي العراقي ،ناهيك عن تنفيذ مطاليب المتظاهرين ،ثم بعد ذلك نتكلم عن السيادة ومصالح العليا للبلاد، أما تهديد أمن المواطنين فحكومتك أخر من تتكلم عن هذا الموضوع حيث قتلوا الموطنين بدم بارد ولم تتخذ حكومتك أي أجراء حقيقي لمحاسبة الفاعلين الذين أطلقت عليهم الطرف الثالث، ولم تسميهم خوفاً منهم لأنهم هم من جاءوا بك للحكم.

(2) أننا نسأل رئيس الوزراء المستقيل أين ستقف حكومتك في حال كان هناك تصعيد من قبل القوات الامريكية ضد هذه الميليشيات؟ التي وضع الكثير منها على قوائم الارهاب الامريكية! وأين ستقف القوات المسلحة العراقية من هذا الصراع العسكري المتصاعد والمحتدم ؟ وهل ستقفون وتتفرجون وتكتفون بإصدار البيانات التي تدين انتهاك السيادة ؟وأين سياسية النأي بالنفس وتجنيب العراق سياسة المحاور في المنطقة؟ أين ذهبت وهل هناك إجراءات حكومية؟ وما هي؟ ولكن لا بد لنا أن نقول لكم الحقيقة التي لا تريدون سماعها وهي إن الحكومة والقوات المسلحة في وضع حرج ومعقد وضعيف لا تحسدون عليه وسط غياب شبه كامل للخيارات والحلول بسبب ضعف مؤسسات الدولة وتبيعة النظام السياسي في العراق لإيران وأذنابها.

 

ايران تدفع الميليشيات للتصعيد العسكري:

أولا/ تحاول الادارة الامريكية أن تحافظ على مصالحها في المنطقة بشكل عام وفي العراق بشكل خاص ، حيث تتعرض سفارتها في بغداد وقواتها وقواعدها العسكرية الى هجمات صاروخية تنفذها ميليشيات عراقية تابعة لطهران بهدف اخراجها من العراق، وقد صرح الأمين للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، على شمخاني في8من مارس/آذار الماضي عند زيارته للعراق “أن العد التنازلي لطرد القوات الأمريكية من المنطقة قد بدأ؛” حيث جاءت هذه التصريحات أثناء لقائه مع رئيس جهاز المخابرات الوطني العراقي مصطفى الكاظمي.

ثانيا/ تحاول الادارة الامريكية عدم الانجرار الى هذه الحرب الغير مباشرة في هذه الظروف التي تعتبرها حساسة ومعقدة، حيث نقلت “رويترز” عن مسؤول أمريكي إن المخابرات الأمريكية توفرت لديها معلومات عن هجوم محتمل تدعمه إيران على القوات والمنشآت الأمريكية في العراق، وتشير إلى أنه سيكون هجوما يمكن نفيه وليس على غرار الهجوم الصاروخي الذي شنته طهران في العراق في يناير كانون الثاني كما أفادت صحيفة “واشنطن بوست” نقلا عن مسؤول أميركي وجود مؤشرات تفيد بأن كتائب حزب الله العراقي تسعى لمهاجمة مصالح عسكرية أو دبلوماسية أميركية في العراق، وأنها أصبحت أكثر جرأة في ذلك بعد تبادل الضربات بين الطرفين وما زيارة اسماعيل قاأني قائد فيلق القدس الايراني للعراق في هذه الظروف المعقدة والحرجة ألا تدخل سافر في الشأن العراقي ،خصوصاً بعد عقد سلسلة من الاجتماعات مع الاحزاب السياسية وميليشيات الحشد الولائي بحث فيها تشكيل الحكومة المقبلة، وتحديد مناطق المواجهة المحتملة مع القوات الامريكية.

 

الخيارات الامريكية ومحددات العمل العسكري :

بداية يجب أن نتوقّع استمرار الهجمات المتبادلة بين الطرفين وخاصة الهجمات ضد الأهداف الأمريكية في العراق إلى حين إجراء الانتخابات الامريكية في تشرين الثاني /نوفمبر عام2020،للتأثير على حظوظ ترامب في الحصول على ولاية ثانية، كما إن هذه العمليات تعتبر مصلحة ايرانية يجب أن تستمر للضغط على القوات الامريكية للانسحاب من العراق بغض النظر عن السباق الرئاسي الامريكي، وهذا يدفعنا الى أن نقول بأن الولايات المتحدة الامريكية ستكون مضطرة للرد على مثل هذه المخططات بحال تم تنفيذها ،وهذا يجعلها تفكر بالكثير من الخيارات التي يمكن أن تلجأ اليها والتي تم تنفيذ بعضها على الارض لتقليل المخاطر التي يمكن أن تواجهها القوات الامريكية ولكن ستبقى هناك خيارات أخرى متاحة منها ما يلي:

 

  • عدم الذهاب الى الحرب الشاملة مع ايران: وهذا هو خيار الطرفين فايران تريد الحفاظ على النظام القائم الذي يعاني من تدهور خطير على المستوى الداخلي والخارجي بسبب فيروس كورنا وعدم قدرة الحكومة على احتوائه، وكذلك بسبب العقوبات الامريكية التي بدأت تؤثر بشكل كبير على المواطن الايراني ، كما إن الولايات المتحدة الامريكية أيضاً لا تريد الحرب مع ايران وما يمكن أن يجر عليها من تبعات خطيرة، خصوصاً وإن هناك تقيد لصلاحيات الرئيس ترامب من قبل الكونغرس الامريكي فيما يخص العمل العسكري ضد ايران، مع اقتراب الانتخابات الامريكية ،كما إن الصعود الصيني الروسي يعتبران من أهم المحددات على العمل العسكري الامريكي المقبل في العراق والمنطقة، كما إن الوعود الانتخابية للرئيس ترامب هو الخروج من الحروب العبثية وعدم الانخراط بحروب جديدة والتركيز على الاقتصاد، وهنا نقول بأن الضربات التي نفذت في الفترة السابقة هي حرب بالوكالة بين الطرفين وهي محاولة لعدم الانجرار والدخول بحرب مفتوحة، وقد حدد الرئيس ترامب خطّاً أحمر يتمثّل بـ “لا إصابات [في صفوف القوات] الأمريكية ” وحذّر طهران من تجاوزه” وعندما قتل وكلاء إيرانيون متعهّداً أمريكياً في العراق، تصرّف كما وعد لحماية الأفراد الأمريكيين والمصالح الأمريكية، كما إن ترامب غرد في الاول من نيسان/ابريل الجاري قائلاً عبر موقعه في تويتر : “استناداً إلى قناعة ومعلومات، تخطط إيران أو وكلاؤها لهجوم خاطف على القوات الأمريكية أو الأصول الأميركية في العراق، وأنها ستدفع إيران ثمناً باهظاً للغاية إذا حدث هذا” كما إن اقتراب الانتخابات الامريكية يجعل الادارة الحالية تميل الى التهدئة وعدم التصعيد، يضاف اليها الازمة الصحية العالمية بسبب فيروس “كورونا “وما يمكن أن يتركه من أثار سيئة على الاقتصاد والانتخابات الامريكية.

 

 

  • ممارسة أقصى درجات ضبط النفس واتخاذ تدابير الحماية وإعادة التموضع والانتشار والانسحاب من بعض القواعد العسكرية التي لا تمثل أهمية استراتيجية للقوات الامريكية والتي يتراوح عددها من(5-8)قواعد مشتركة، على أن يتم التركيز والتواجد في القواعد الكبيرة والمحصنة في قاعدة “عين الاسد” في محافظة الانبار، وقاعدة “حرير” في اربيل، مع نشر أربع بطاريات صواريخ باتريوت للدفاع الجوي، لضمان عدم قدرة الفصائل التابعة لإيران من مهاجمة القواعد العسكرية بصواريخ باليستية كما تم نشر “منظومة “سنتوريون C –RAM” وهي منظومة متكاملة قصيرة المدى ومضادة للصواريخ “كاتيوشا” وقذائف المدفعية و قذائف الهاون، ومزودة برادار متطور مع خاصية البحث المتقدم يضم تكنولوجيا لكشف الهدف وملاحقته مدمج معه نظام استشعار و انذار مبكر، مما يوفر مظلة حماية كاملة للمنطقة المراد الدفاع عنها” وبهذا يكون استخدام القوة المميتة لمن يحاول الاقتراب من هذه القواعد الامريكية أمر مباح للقوات الامريكية بعد ذلك، وهذا ما يجعل الوصول الى هذه القواعد صعب جداً ،ويتطلب من ايران تزويد هذه الميليشيات بصواريخ ذات مديات متوسطة وبعيدة ،وهذا ما لا تسمح به الولايات المتحدة الامريكية وقد يحول الصراع الى حرب شاملة ومفتوحة.

 

  • خيار الدفاع عن النفس: وهذا الخيار سيكون جاهزاً ومتاحاً في أي وقت للقوات الامريكية بعد أي ضربة يمكن أن توجه للمصالح الامريكية بما فيها القواعد العسكرية المتواجدة في العراق، وقد صرح مسؤول امريكي بان هناك معلومات استخباراتية عن هجوم محتمل تدعمه ايران على القوات الامريكية بالعراق، وهذا يعني إن الرد الامريكي سيكون بمثابة الدفاع عن النفس، من خلال ضرب بنك أهداف واسع قد يشمل أهداف عراقية وإيرانية، حسب ما نقلت صحيفة “الواشنطن بوست” عن مصدرين اثنين بأن إدارة ترامب بحثت في11/مارس الماضي قائمة من الأهداف، منها مواقع مرتبطة بالحرس الثوري في إيران وسوريا، إلا أن المقترح تم رُفضه مخافة أن يترتب عليه تصعيد أكبر وهو الانجرار الى الحرب المفتوحة، لذا ستكون الخيارات الامريكية بالرد واسعة وعنيفة في حال تعرضت المصالح والقواعد العسكرية الامريكية لهجمات جديدة من قبل وكلاء ايران في العراق، وقد أجرت القوات الامريكية والامارتية مناورات عسكرية في23من مارس/أذار الماضي تحاكي الاستيلاء على مدينة مترامية الاطراف في الشرق الاوسط، وهذا ما يعطي دلالة على إن الولايات المتحدة الامريكية تأخذ في حساباتها أسوء الاحتمالات والمواقف التي يمكن تواجهها قواتها ومصالحها في العراق والمنطقة، وقد حذر الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” في الثاني من نيسان بأن إيران وحلفاءها في العراق من دفع ثمن باهظ” إذا ما هاجموا القوات الأميركية المنتشرة في العراق” وهنا تحاول الولايات المتحدة الامريكية أن تقنع طهران بأن التصعيد والعنف سيؤدي بإيران الى دفع ثمن باهظ كونها تفتقر الى الوسائل اللازمة للرد.

 

  • ضربات جوية خاطفة: سيبقى خيار تنفيذ ضربات جوية أمريكية خاطفة ضد أهداف تابعة لإيران في العراق قائمة بشكل كبير ومصلحة أمريكية متى ما اقتضت الضرورة لذلك جداً ،خاصة بعد أن تم انسحاب القوات الامريكية من القواعد العسكرية المشتركة مع الجيش العراقي ومن السفارة الامريكية في بغداد ،وهذا ما يجعل هامش المناورة في تنفيذ هذه الهجمات أكبر ،وقد تشمل هذه الاهداف عمليات تصفية واغتيال لقادة الميليشيات الذين تم وضع اسمائهم على قوائم الارهاب الامريكية، بالإضافة الى مواقع للأسلحة ،ومخازن للصواريخ، خصوصاً أذا تم تشكيل حكومة جديدة يمكن أن تشكل شريك موثوق به من قبل القوات الامريكية لمواجهة الارهاب بجميع أنواعه واشكاله.

 

 

  • ضربات أمريكية محدودة ضد أهداف ايرانية: وهذا يعتمد على توجيه ضربات صاروخية من قبل الميليشيات ضد أهداف أمريكية، خصوصاً أذا ما كانت الضربة موجعة للقوات الامريكية، وهو ما استبعده في هذه الظروف، رغم التصعيد المتبادل بين الطرفين والهجمات التي تنفذ بالوكالة بين الطرفين، كون هذا الخيار قد يجر الطرفين والمنطقة لحرب مفتوحة مما يؤدي الى فوضى عارمة في المنطقة .

 

الخاتمة:

السؤال الذي يجب إن تجيب عنها الطبقة السياسية في العراق ما هي مصلحة العراق من هذا التصعيد العسكري على الاراضي العراقية؟ والى متى يبقى القرار العراقي مصادر من قبل عصابات خارجة عن القانون هيمنت وسيطرة على المشهد العراقي بجميع تفاصليه وبدأت تتحكم بمجريات الامور والاحداث، وليتها كانت تصب في مصلحة العراق بل لمصلحة ايران ولمصالحهم الشخصية وهذا يتم على حساب مصالح الشعب العراقي، حتى تحولت البلاد لساحة صراع مفتوحة بين الولايات المتحدة الامريكية وبين ايران واتباعها في العراق، وهذا يجري في وقت حساس ومعقد يعاني فيه البلد من مشكلات وازمات كثيرة وعلى رأسها التعطيل والانسداد السياسي، والانفلات الامني، وعدم الاستقرار ، بالإضافة الى المشكلة المالية بسب الانخفاض الكبير في أسعار النفط بالأسواق العالمية ،مع استمرار الحراك الشعبي المنتفض على الطبقة السياسية الحاكمة والفاسدة، حيث يعاني الجميع من تردي وفقدان الخدمات، بالإضافة الى الازمة الصحية ” ازمة كورنا” وعدم قدرة الدولة على فرض حظر التجول بشكل كامل ،مع تهالك النظام الصحي، وقلة الامكانيات المادية ،و كثرة البطالة ،مع تفشي الفساد المالي والاداري، وانتشار السلاح المنفلت ،وتعدد مراكز القرار حتى أصبح العراق يدار من قبل قوى ومراكز متعددة ،وأصبحنا أمام دويلات متناحرة ،وانقسام كبير يجعلنا أمام ضغوطات كبيرة تزيد من معاناة الشعب العراقي ،وفي الختام نسأل الى متى سيستمر الوضع على ما هو عليه ياسياسيين؟.