المقدمة:

يبدو بأن الحشد الشعبي يواجه مشاكل داخلية كبيرة بعد مقتل قائده الفعلي أبو “مهدي المهندس” في3 كانون الثاني/يناير الماضي، الذي يوصف بأنه رجل ايران القوي في العراق، وهو  الرأس المدبر الذي لعب دوراً  كبيراً لصالح النفوذ الايراني، حتى أصبح العراق بيئة أمنية معقدة بسبب التدخلات الخارجية، وتعدد مصادر العنف، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، مع وجود ميليشيات مسلحة لها ارتباطات خارجية، وتمتلك مقومات القوة العسكرية، والبشرية، والقدرة على فرض الامر الواقع، والتأثير على القرار السيادي الحكومي سياسياً، وأمنياً، مع وجود حدود مفتوحة مع ايران وسوريا تسيطر عليها ميليشيات تابعة لإيران، تغولت في جميع مؤسسات الدولة، وهي تحاول أن تقيم كيان لدولة موازية شبيهة بحزب الله اللبناني، بسبب الضعف والتواطؤ الحكومي، مع غياب استراتيجية واضحة للتعامل مع هذه التشكيلات التي بات القوة الأكثر نفوذا على الأرض، وداخل مؤسسات الدولة العراقية، بشكل يصعب معه نزع اسلحتها أو دمجها بمؤسسات الدولة، بسبب التشريعات القانونية التي صدرت، وضعف الحكومة والمؤسسة الامنية والعسكرية.

قوانين وأوامر ديوانية تخص الحشد:

إن الخلافات التنظيمية، والادارية ، والفنية، داخل هيئة الحشد الشعبي كثيرة ومعقدة، ولم تعالجها جميع القوانين والاوامر الديوانية التي صدرت في الفترة الماضية، لترتيب الوضع العسكري والاداري لهذه القوات، والتي كان يجب أن تحل بانتهاء الحالة الطارئة التي شكلت من أجلها، ولكن أصرار بعض الجهات على بقاء هذه المؤسسة جعل الكثير من المشاكل والخلافات تتفاقم وتتعاظم، ولم تحسمها حكومة بغداد منذ عام2014،عندما تشكلت هذه القوة بفتوى من مرجعية دينية(مرجعية النجف)، لتستغل من اطراف خارجية لتشكيل مؤسسة عسكرية طائفية خارج أطار القوات المسلحة، والتي تم تشريع القوانين لها من خلال تمرير قانون الحشد الشعبي الرقم(40)لسنة2016،في مجلس النواب العراقي بالأغلبية يوم26 نوفمبر /تشرين الثاني عام2016،وسط مقاطعة نواب تحالف القوى العراقية السنية، والكردية، والذي عدّ تمرير هذا القانون (الحشد الشعبي) نسفا للشراكة الوطنية، ثم أصدر “حيدر العبادي” أمر ديواني بتكييف أوضاع مقاتلي الحشد مشيراً الى قانون الحشد الشعبي رقم(40)لسنة2016،والامر الديواني رقم(91)المؤرخ في22شباط لسنة2016، والذي حدد إن يكون الحشد مستقلاً ،وجزءً من القوات المسلحة، ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة ، ويعمل بنموذج جهاز مكافحة الارهاب من حيث التنظيم، والارتباط، ويتألف من قيادة ،وهيئة أركان، وألوية مقاتلة، ويخضع المنتسبين له للقوانين العسكرية، ويتم تكييف منتسبي ومسؤولي وآمري التشكيل وفقاً للسياقات العسكرية، من ترقية ورواتب، على أن يتم فك ارتباط منتسبي هيئة الحشد الشعبي الذين ينضمون الى هذا التشكيل خلال ثلاثة اشهر ،ثم توالت بعد ذلك الاوامر الديوانية لترتيب الوضع الاداري، والقانوني للحشد الشعبي، ولكن جميع القوانين والاوامر الديوانية لم تحسم الكثير من الامور الى يومنا هذا ،الذي بدت فيه الاشكالات والخلافات تظهر للعلن بصورة واضحة وجلية بسبب الخلل الكبير في بنية هذا التشكيل .

 

ضعف وتواطأ الحكومات فاقم مشكلة الحشد الشعبي:

يجب علينا أن نبين بأن هناك اشكالات حقيقية في بنية هذه التشكيلات الطائفية تتحملها الحكومات المتعاقبة، والتي أهملت تنفيذ وتطبيق القوانين والاوامر الديوانية الصادرة للحشد الشعبي، بما فيها الهيكلية القيادية، والقدرات العسكرية التي يجب أن يتمتع بها الحشد، بما فيها تحديد الصنوف العاملة، وأنواع الأسلحة، والأدوار ،والواجبات العسكرية، وساحات العمل هل هي داخل المدن أم خارجها، والمعسكرات، ومخازن السلاح ،وماهية هذه القوات هل هي فدرالية أم هي قوات محلية، وكذلك الآلية الخاصة بنزع السلاح الثقيل أو بقائه، كما أنها لم تحدد الموقف من فصائل الحشد الشعبي التي لديها إرادة القتال خارج حدود العراق، نصرة للمذهب والعقيدة الدينية، ولم تحدد أيضاً الموقف من الفصائل التي لها ولاء خارجي وارتباطات خارجية، بل ركزت القوانين والاوامر الديوانية على التخصيصات المادية، والادارية، والرواتب، ومساواتهم بأقرانهم في القوات المسلحة.

 

الحشد يرفض أمر ديواني بتعين اللواء الركن محسن الكعبي نائبا لرئيس الهيئة:

بتاريخ17شباط عام2016،أصدر رئيس الوزراء السابق “حيدر العبادي” أمر ديواني بتعيين الفريق الركن المتقاعد “محسن عبد الحسن الكعبي” نائبا لرئيس هيئة الحشد الشعبي للشؤون الادارية، والمالية، والميرة، ولكن رفضت الهيئة والميليشيات تنفيذ الامر الديواني!، ولا أحد يعرف سبب الرفض، أو سبب الصمت الحكومي على هذا الرفض! وهذا يعطي دلالة واضحة على إن هيئة الحشد الشعبي ترفض تدخل الحكومة والدولة في هذا التشكيل، أو بشكل أدق هي تعمل خارج اطار الدولة، وهي لن تنفذ القوانين والاوامر التي تصدر لها من الحكومة، والسؤال كيف يمكن أن تكون هيئة الحشد الشعبي جزء من القوات المسلحة وهي ترفض تنفيذ الاوامر الصادرة من قبل القائد العام للقوات المسلحة والتي ترتبط به مباشرة؟، ولماذا تركت الميليشيات بلا رادع وبلا محاسبة ؟، يجب أن تجيب الحكومات عن هذه الاسئلة، وإن تحاسب  الحكومات المتعاقبة والمتواطئة مع هذه الميليشيات؟،فهي من تتحمل المسؤولية الكاملة عن المألات التي وصل اليه العراق، بسبب هيمنة وسيطرت هذه الميليشيات على المشهد العراقي.

 

سلطة الحشد (الشبك) فوق سلطة القائد العام للقوات المسلحة:

بتاريخ25تموز/يوليو 2019،أصدر رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بصفته القائد العام للقوات المسلحة أمراً بانسحاب اللواء(30)،التابع للحشد الشعبي(الشبك)،من جميع النقاط والحواجز الامنية بمناطق سهل “نينوى” شرقي وشمالي مدينة الموصل والتي تشمل بلدات الحمدانية، وبرطلة، وتلكيف، وبلدة النمورد، وتسليمها للجيش العراقي ، فرفض اللواء تنفيذ الامر الصادر من القائد العام للقوات المسلحة، حيث وجه أحد قادة اللواء يدعى “سامي بكدش” رسالة تحذير لرئيس الوزراء “عادل عبد المهدي” قائلا “إن أي انسحاب لعناصرنا من السيطرات (نقاط التفتيش) في مناطق سهل نينوى، معناه عودة السيارات المفخخة ، والعبوات الناسفة، والاغتيالات في سهل نينوى والموصل” علماً بأن أمر اللواء(30) “وعد محمود القدو” وضع على لائحة العقوبات الأمريكية بتهم انتهاك حقوق الإنسان، وفساد إداري ومالي، وهذا دليل أخر على أن هذه الميليشيات تنفذ الاوامر التي تراها مناسبة لها وضمن توجهها، وترفض الانصياع للأوامر الاخرى ،وبالتالي هي تنفذ أمر مرجعيتها العقدية وليست العسكرية، وهي سلطة فوق سلطة الدولة.

 

خلافات داخلية في بنية الحشد الشعبي:

إن الخلافات التي تعصف بميليشيات الحشد الشعبي هي ليس وليدة الساعة، بل هي منذ زمن بعيد من بداية التشكيل عام2014،ولكن الظروف الصعبة التي يمر بها العراق، والتهديدات القائمة كانت هي السبب الرئيس في عدم ظهور هذه الخلافات الى العلن، حيث استمرت وأزدات هذه الخلافات حتى ظهرت جلية بعد مقتل “سليماني “وأبو “مهدي المهندس” والتي تعتبر مرحلة فارقة وحاسمة وجديدة في مستقبل الحشد الشعبي، فقد كانت هناك اشكالات داخلية كثيرة، منها الخلافات مع الميليشيات التابعة للصدر والتي حالت دون درج الكثير من المقاتلين الذين ينتمون للتيار الصدري الى هذه الهيئة، مما أدى الى حرمانهم من الرواتب لفترة طويلة، وكذلك الخلافات التي ظهرت بسبب التسليح النوعي الذي كان يتم تسليمه لميليشيات معينة على حساب الميليشيات الاخرى، وخاصة الحشد السني الذي لم يجهز بأسلحة ثقيلة كما جرى تسليح بقية الميليشيات الشيعية الاخرى، وكذلك الدعم المالي والاداري الذي ظهر جليا بعد استعادة المدن من تنظيم الدولة.

 

اعتقال قائد ميليشيا أبو الفضل العباس:

من الخلافات الاخرى التي ظهرت في الفترة السابقة ما قامت به هيئة الحشد الشعبي بتاريخ7فبراير/شباط عام2019، حيث تم اعتقال قائد ميليشيا أبو الفضل العباس “أوس الخفاجي” بحجة أغلاق المقار الوهمية وامتلاكه مقار غير مرخصة، رغم وجود هذه الميليشيا لفترة زادت عن الست سنوات، ولكن حقيقة اعتقاله كانت بسبب انتقاده للتدخلات الايرانية في الشأن العراقي، ثم جاء مقتل سليماني وأبو مهدي المهندس ليشكل تحديا جديداً في اختيار خليفة جديد، كون المهندس كان بمثابة القائد العسكري الفعلي، وكانت لديه القدرة على السيطرة على الخلافات، وكان يحظى بموافقة واجماع الجميع تقريباً، ولكن يبدو بأن البديل لم يكن بهذه الصفات، حيث أصدرت أربع فصائل تابعة لمرجعية النجف(فرقة الامام علي، فرقة العباس ، ولواء علي الاكبر ،ولواء أنصار المرجعية) بياناً مشتركاً بتاريخ22فبراير/شباط الماضي، رفضت فيه ترشيح القيادي في كتائب حزب الله العراق الملقب(أبو فدك)المحمداوي، أو (الخال) ،وهددت بالانسحاب من هيئة الحشد الشعبي، في حال لم تضع الحكومة حداً للنفوذ والتدخل الايراني في هيئة الحشد الشعبي .

 

أمر ديواني يؤكد انقسام الحشد الشعبي:

إن تراكم الخلافات والاشكاليات بين ميليشيات الحشد الشعبي جعلته يواجه انقسام داخلي، وتتفكك لهذه المنظومة العقدية الى جناحين، الامر الذي سيضر بشرعية هذه الهيئة ودورها القتالي الذي يمكن أن تؤديه، بعد إن أصدر رئيس حكومة تصريف الاعمال “عادل عبد المهدي” بتاريخ19أبريل/نيسان عام 2020،الكتاب الذي يحمل الرقم: م_ ر .و/س/د6/946 قراراً بربط الالوية التالية وهي كل من:(اللواء2، اللواء6، اللواء26، اللواء 44) وربطهم أدارياً، وعملياتياً، بالقائد العام للقوات المسلحة، وستنظم بقيت التفاصيل بأمر لاحق، وهنا يمكن لنا أن نقول بأن هيئة الحشد الشعبي تحولت الى حشود بمسميات ومرجعيات دينية مختلفة منها:

أولا/ هيئة الحشد الشعبي وتهيمن عليها الفصائل التابعة لإيران.

ثانيا/ حشد المرجعية والذي يتبع لمرجعية النجف.

ثالثا/ الحشد العشائري السني .

رابعا/ الحشد المسيحي.

خامسا/ ميليشيات مسلحة تقاتل في سوريا.

سادسا/ ميليشيات مسلحة جديدة مثل عصبة الثائرون، قبضة المهدي، وأصحاب الكهف.

 

أسباب الخلاف بين ميليشيات الحشد الولائي وحشد المرجعية:

يبدو بأن هناك الكثير من الاسباب التي فاقمت الخلاف بين ميليشيات الحشد الشعبي على المستوى الداخلي، والخارجي، مما دفع الحشد التابع لمرجعية النجف بالإعلان عن انسحابه من هيئة الحشد الشعبي، لأسباب كثيرة منها:

أولا: التفرد بالقرار القيادي: من قبل الميليشيات التابعة لإيران، بما فيها القيام بشن هجمات ضد القوات الامريكية بدون التشاور مع الميليشيات الاخرى في هيئة الحشد الشعبي.

ثانيا: الخلافات المالية: وهذا الملف فيه الكثير من الاشكالات بين الجناحين، وخاصة الاموال الايرانية وكيفية أنفاقها، وهل هي للعمل العسكري أم للنفوذ السياسي، كما إن تقليص الاموال نتيجة العقوبات الامريكية التي فرضت على ايران جعل الكثير من الفصائل التابعة لطهران تعمل على الاكتفاء الذاتي الغير مشروع، ويتذكر الكثير منا كيف تم اصدار قرار ديواني من قبل رئيس حكومة تصريف الاعمال بغلق المكاتب الاقتصادية للحشد، التي كانت تفرض الاتاوات، والضرائب على التجار، ورجال الاعمال، حسب المقاولات، والعقود الحكومية وخاصة في المناطق السنية ، بالإضافة الى تجارة المخدرات، والنفط، والسلاح، والاستيلاء على الاراضي بالإضافة الى سيطرة الحشد الولائي وتحكمه في النفقات المالية الحكومية المخصصة للحشد وحرمان الاخرين منها.

ثالثا: الخلافات السياسية: لقد تصاعدت الخلافات السياسي بين الحشد التابع لطهران وحشد المرجعية بشكل كبير بعد انتخابات عام2018،بعد أن فازت الفصائل الولائية بمقاعد في البرلمان مستغلة أسم الحشد الشعبي، مما جعلها تسيطر على وزارات، وتحصل على امتيازات كثيرة ،كما أنها تدخلت في ملف تشكيل الحكومة، بل هي من شكلت الحكومة وفرضت ارادتها السياسية على تشكيل الحكومة بقوة السلاح، وهذا ما يتقاطع مع رؤية الفصائل التابعة لمرجعية “النجف” والتي ترى بأنها يجب إن تؤدي دورها القتالي بعيداً عن السياسية، ولا ينبغي لفصائل الحشد الشعبي الخوض في العمل السياسي، كونها قوات عسكرية وشكلت لدعم الاجهزة الامنية والعسكرية فقط، وينبغي لها فك ارتباطاتها الاخرى، فأما تكون قوات عسكرية، أو تكون جهات سياسية، الامر الذي سكت عنه البرلمان، والقضاء، والحكومات جميعاً.

رابعا: الخلافات العسكرية: ومنها الاختلاف في الموقف من التصعيد العسكري ضد الولايات المتحدة الامريكية، والذي يقوم به الميليشيات الولائية تنفيذاً لأجندة ايرانية لا تصب في مصلحة العراق، بالإضافة الى تفردها في الحصول على المناصب العسكرية ومنها نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي الذي يعتبر بمثابة رئيس اركان ، بينما ترى ميليشيات “حشد المرجعية” بأنها في غنى عن الدخول في صراع عسكري غير متكافئ ولا يصب في مصلحتها.

خامسا: الخلافات الادارية :إن رفض فصائل الحشد التابعة “لمرجعية النجف” أن يكون خليفة “أبو مهدي المهندس” القيادي في حزب الله العراق(أبو فدك)، فجر الخلاف بين الطرفين مما جعل الحشد التابعة لمرجعية النجف يهدد بالانسحاب أذا لم يتم تراجع عن هذا القرار ،مع اصرار الحشد الولائي على تسمية(أبو فدك) المحمداوي لهذا المنصب المهم والحساس.

سادسا: إن هذه الخطوة جاءت كمحاولة متأخرة جداً من قبل هذه الفصائل(حشد المرجعية) للابتعاد عن سياسية المحاور الاقليمية والدولية فبي المنطقة، والتي تحاول الميليشيات التابعة لطهران جر العراق اليها ،والتي يمكن أن تتسبب في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة الامريكية ،والتي لا تصب في مصلحة العراق ولا في مصلحة هذه الميليشيات.

 

التحليل:

يبدو بأن تداعيات مقتل “سليماني” وأبو “مهدي المهندس” ما تزال مستمرة على الصعيدين الداخلي، والخارجي، خاصة في الملف السياسي ،والامني العراقي، وهنا لا بد لنا من الاشارة الى إن الضربات الجوية ، والهجمات الصاروخية المتبادلة بين القوات الامريكية، وميليشيات الحشد الشعبي، ساهمت بشكل كبير في خلق هذه الفوضى التي تعم العراق والمنطقة، كما أنها ساهمت بشكل كبير جداً في دفع الخلافات الداخلية لميليشيات الحشد الشعبي بالظهور الى العلن، بسبب التنافس على النفوذ والمصالح، مما دفع هذه الميليشيات الى الانقسام والتشرذم على الاقل الى جناحين هما :

  • الجناح الاول: حشد المرجعية(العتبات)يمثل فصائل أطلقت على نفسها “حشد العتبات” والتي تشمل كل من الالوية التالية:(اللواء2، اللواء6، اللواء 26، واللواء44)وهي تتبع مرجعية النجف(علي السيستاني)والتي تميل الان للتعامل مع القوات الحكومية، بحيث تكون تحت سيطرة الحكومة والتي فكت ارتباطها وخرجت من عباءة هيئة الحشد الشعبي.
  • الجناح الثاني: الحشد الولائي وتمثله ميليشيات الحشد الشعبي وعلى رأسها ميليشيا(حزب الله العراق، والعصائب، والنجباء، وسيد الشهداء، وبدر وغيرها) وهي ميليشيات التابعة لطهران، والتي تعتبر الاقوى تسليحاً، وتنظيماً، وهي من تهيمن وتسيطر على هيئة الحشد الشعبي، وتحاول أن تعمل من خلال الاخرين، وأن تستمد شرعيتها من وجودهم معها في هذه الهيئة.

 

الحرس الثوري يرفع علم الحشد الشعبي كأنه مؤسسة ايرانية تابعة له:

إن قيام الحرس الثوري الايراني برفع علم ميليشيات الحشد الشعبي التابع للقائد العام للقوات المسلحة العراقية في المؤتمر الصحفي الذي عقده بتاريخ9 يناير/كانون الثاني عام2020،بعد الضربات الصاروخية التي وجهتها ايران على القوات الامريكية في قاعدة “عين الاسد” في “الانبار” وقاعدة “حرير” في “اربيل” رداً على مقتل “سليماني” وأبو “مهدي المهندس” يجعل الحشد الشعبي مؤسسة تابعة لإيران، الامر الذي أحرج الميليشيات الاخرى ومنها “حشد المرجعية” وتبعيته لمرجعية الولي الفقيه، ولكن هذا الامر لم يحرج حكومة بغداد ورئيس وزرائها “عادل عبد المهدي” ، والقوى السياسية بما يكفي لوضع حد للتدخل الايراني في الشأن العراقي، ولم تقدم الخارجية العراقية حتى استفسار عن هذا التصرف الذي لا يليق بدولة جارة، فضلاً عن السيادة العراقية التي أصبحت منتهكة ليس من قبل ايران فقط، بل من قبل ميليشيات تابعة لها، والتي ورطت العراق في التصعيد الحالي بين ايران وواشنطن، وحولت العراق لساحة صراع مفتوحة، خدمة للمشروع الايراني في العراق والمنطقة، بل استمر التغول الايراني والتدخل في الشؤون الداخلية لهيئة الحشد الشعبي حتى في تسمية البديل للمهندس كاستمرار للنهج القائم ، ولكن يبدو بأن هذه الخطوة لن تمر مع وجود ميليشيات معارضة لهذا التوجه، وسط عجز وشلل حكومي في حسم هذا الموضوع، وكان لا بد من وضه حد للتغول الايراني الذي لم يعد يحتمل.

 

إن الحشد الشعبي يواجه مخاطر التشظي والانقسام كما يواجه تحديات خطيرة فرضتها عليه طبيعة المرحلة، بعد أن غابت عنه الزعامة القادرة على إيجاد نوع من التوافق أو التوازن المقبول وتقاسم النفوذ والسطوة مع الميليشيات الاخرى، مما ولد فراغاً كبيراً في منظومة القيادة والسيطرة، خصوصاً بعد أن تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة الامريكية، والذي ترافق مع تصاعد الحراك الشعبي الرافض للطبقة السياسية الحاكمة وللنفوذ الايراني في العراق، مما جعل جناح مهم من ميليشيات الحشد الشعبي(حشد المرجعية)يفجر مفاجأة مدوية بسبب الخلافات المتراكمة، والاشكالات التنظيمية في بنيتها الادارية والقيادية والمرجعية، والتي جعلت الميليشيات التابعة لإيران تفرض قبضتها على هذه الهيئة بقوة، وتسيطر على المراكز القيادية الحساسة ، بما فيها ترشيح بديل لملء الفراغ الذي خلفه “المهندس”، بما يضمن لهم السيطرة على القرار، واستمرار الهيمنة على الحشد الشعبي بما يضمن النفوذ الايراني، الذي يرى في الحشد الشعبي بأنه الخط الدفاعي والقاعدة المتقدمة لمواجهة القوات الامريكية وحلفائها في المنطقة، بالإضافة الى ما يمثله العراق من أهمية اقتصادية كبيرة، باعتباره الرئة الاقتصادية التي تتنفس منها طهران، كونه سوق لبضائعها، وكمنفذ لتهريب النفط، والمخدرات، والعملة الصعبة.

 

لا شك إن هذه الخطوة تحمل تداعيات سياسية، وأمنية كبيرة على المستوى الداخلي والخارجي، وهي تنذر بتراجع النفوذ الايراني في العراق والمنطقة، بعد التضييق الذي جرى على هذه الميليشيات في سوريا ، كما أنها ستؤثر على بنية الحشد ،ومستقبله، وهويته، بعد أن الحقت هذه الميليشيات بالقائد العام للقوات المسلحة، والتي يمكن أن تشكل البداية لتفكيك ميليشيات الحشد الشعبي، ولالتحاق الكثير من الميليشيات الاخرى بهذه الجناح.

 

إن هذه الخطوة جاءت كنتيجة طبيعية لهذا التشكيل الغير متجانس، والذي يتبع لمرجعيات دينية متعددة تختلف من حيث الرؤى والتوجه والواقع، لذا فالصراع القائم هو في حقيقته صراع على النفوذ، والمصالح أولاً ،ولو كانت فعلاً هذه الميليشيات تعمل تحت أمرة القائد العام للقوات المسلحة لحسم الامر  بتنفيذ الاوامر التي تصدر منه!، ولكن يبدو بأن الارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة هو ارتباط شكلي لا قيمة له على أرض الواقع، ولو كانت الحكومة قوية وحاسمة لما وصلنا لهذا الجدل والانقسام، والانشقاق الداخلي على المستوى العسكري والامني، بل حتى على المستوى السياسي؟.

 

أن انشقاق هذه الفصائل هي ردة فعل ضد الهيمنة الايرانية على هيئة الحشد الشعبي، التي تجر العراق لمصلحة الاجندة الايرانية في المنطقة، والتي في غالبها هي مؤذية لاستقرار العراق من الناحية العسكرية ، والاقتصادية، والسياسية،  كما إن هذه الميليشيات التي تتبع مرجعية النجف ترى أن هيئة الحشد الشعبي تحولت الى دائرة ايرانية يسيطر عليها الحرس الثوري الايراني، يضاف الى ذلك الخلافات الداخلية، المالية، والادارية بين هذه الفصائل التي خرجت وهي تدعو الى للسير ضمن رؤية وطنية جامعة، وتصحيح المسار الذي أنحرف عن أهداف التأسيس لهذه الميليشيات، التي شكلت لدرء خطر تنظيم الدولة، وليس لتنفيذ المشروع الايراني الصفوي في المنطقة، أو للدخول في صراع مع الولايات المتحدة الامريكية.

 

إن انسحاب هذه الفصائل من هيئة الحشد الشعبي أحرج الميليشيات الولائية، ومن ورائها طهران، ورفع عنها الغطاء، بل إن هذه الخطوة ستعزل هذه الميليشيات التي تتبع الولي الفقيه في ايران عقدياً، وايدلوجياً ، وستجعل الدور والنفوذ الايراني يتراجع بقوة في العراق، بعد أن لعبت هذه الميليشيات دور كبير أحكام القبضة الايرانية على العراق في الفترة الماضية، حيث تطمح ايران الى دور سياسي وعسكري مهيمن على الدولة العراقية من خلال هذه الميليشيات التي سبق وإن فرضت اردتها السياسية بقوة السلاح في ملف تشكيل الحكومة، وفي مجريات كثيرة من العملية السياسية، بما فيها استخدام القوة ضد الحراك الشعبي، الذي انطلق ضد الطبقة السياسية الحاكمة، وضد النفوذ الايراني المهيمن على الدولة العراقية، كما أن هذه الميليشيات الولائية تورطت بالصراع القائم بين الولايات المتحدة الامريكية وايران على حساب المصالح العليا للعراق، بينما ترى فصائل المرجعية بأنها يجب أن لا تتصدر المشهد السياسي، وأن تعمل كمؤسسة عسكرية تابعة للحكومة، بلا موقف سياسي، بصفتها جزء من القوات المسلحة العراقية، التي لا يسمح لها بممارسة العمل السياسي، بينما ترى ميليشيات أخرى بأنه يجب أن يكون لها شأن في حكم العراق.

 

يبدو أن الصراع السياسي، والاداري، والعسكري، بين الميليشيات بدأ ينعكس بشكل كبير على البنية الداخلية للحشد الشعبي، الذي يعاني من سيطرة وهيمنة الميليشيات الولائية التابعة لإيران على القرار  السياسي العسكري للحشد الشعبي، أو بشكل أدق هذه الميليشيات الولائية استغلت الحشد لتحصل على وزارات في الحكومة العراقية، ولديها وزراء ونواب في البرلمان، حيث جرى استغلال اسم الحشد والزج في العمل السياسي، الذي يتقاطع مع الدستور، ومع الغاية الرئيسية لتشكيل الحشد الشعبي، حتى صرنا أمام حشدين أحدهما: لديه طموح سياسي وعسكري، ويطمح لنيل مكاسب انتخابية، وحصص في تشكيل الحكومة ، ويفرض أرادتها السياسية بقوة السلاح، وينفذ أجندة خارجية، ومشاريع لا تصب في مصلحة العراق، وحشد أخر يرى بأن الحشد جاء بناء على فتوى من مرجعية “النجف” لأهداف داخلية، منها دعم الاجهزة الامنية المنهارة، ومواجهة تنظيم الدولة.

 

إن خروج  فصائل المرجعية(ألوية العتبات) المحسوبة على مرجعية “النجف” من هيئة الحشد الشعبي، قد يدفع الولايات المتحدة الامريكية الى درج هيئة الحشد الشعبي على قائمة المنظمات الارهابية، كون الميليشيات المتبقة هي تابعة لطهران، أي ستفقد هذه الميليشيات شرعيتها القانونية في البقاء مما يحرج حكومة بغداد بشكل كبير ، ويجعلها مرغمة على اعادة النظر في هذه المؤسسة، التي تشظت الى عدة اقسام ،مما سيعرضها الى عقوبات أمريكية، ويجعلنا نقول بأن هذه الخطوة بداية لكثير من الميليشيات الاخرى كي تلتحق بفصائل المرجعية، التي يبدو بأنها غير راغبة في العودة الى الهيئة، رغم الوساطة التي قام بها “هادي العامري”، والذي أقترح أن يكون هناك نائبين لهيئة الحشد الشعبي، أحدهما لحشد المرجعية ، وأخر لحشد الميليشيات الولائية، لإيجاد نوع من التوازن بين الطرفين، ولكن يبدو بأن محاولته بائت بالفشل، وهنا نسأل أين القوانين التي صدرت؟ وأين القائد العام للقوات المسلحة ولماذا يصمت؟ وكيف يمكن استحداث مناصب بدون موافقته؟ مما يجعلنا نقول هل يمكن أن تصل الخلافات الى استخدام السلاح بينهما، أذا اصرت الاطراف على موقفها وتقاطعت مصالحها بشكل أكبر ، وهل تصل هذه الازمة التي تعصف بهيئة الحشد الشعبي الى مديات غير متوقعة، وخيارات غير محسوبة بين الطرفين، وهل تصل الى الاقتتال الداخلي؟ أم أنها ستقوي الاجهزة الامنية والعسكرية؟.

 

أن دمج الميليشيات في القوات المسلحة فيه اشكالات تنظيمية كبيرة، منها ما هي العقيدة العسكرية لهذه الميليشيات الطائفية ؟وكيف سيتم دمجها مع القوات المسلحة ؟وهل ستتحكم هذه المرجعيات الدينية بالمؤسسة العسكرية بالمستقبل؟ كونها ستحول الجيش والشرطة والاجهزة الامنية الى ميليشيا  كبيرة ، وهذا خطأ كبير لأنها ستكون غير مضمونة الولاء، وسيكون ولائها مزدوج، كما حصل في البصرة عندما صدرت الاوامر بمواجهة ميليشيات جيش المهدي عام2008، فرفضت أحدى الفرقة العسكرية تنفيذ الاوامر وتركت سلاحها وعجلاتها، لذا يجب أن يدمجوا كأفراد، وليس كتشكيلات، أما ما تبقى منهم فيحال الى التقاعد ،أو الى مؤسسة مدنية، وألا سنكون أمام جيش كبير بعقلية ميليشيات تتبع رجل الدين، حتى ولو الحقت بالمؤسسة العسكرية التي ستتحول الى ميليشيا كبيرة بيد رجال الدين !!!.

 

إن الصراع الدائر بين الجناح الداخلي والخارجي لقيادات الحشد الشعبي وظهوره للعلن، هو بسبب ضعف الحكومة ومؤسستها الامنية والعسكرية، وعدم قدرة القائد العام للقوات المسلحة على حسم الخلافات وضبط هيئة الحشد الشعبي، التي أصبحت ملاذاً لكثير من الجهات الغير منضبطة، والتي تعمل خارج اطار مؤسسات الدولة، بل إن الميليشيات الولائية اصبحت تهيمن وتدير الدولة، وتفرض ارادتها بقوة السلاح على جميع مفاصل الدولة السياسية، والاقتصادية، والامنية، وهذا الامر انسحب على كثير من التفاصيل التي تسببت في ارباك كبير داخل منظومة القوات المسلحة، بسبب التفاوت الكبير في التنظيم، والتسليح ، والتبعية، وتعدد المرجعيات لهذه الحشود، والتي ترى ما لا تراه الدولة والحكومة، بل أنها ترى ما يناسبها ، وتقدم المصلحة الشخصية والحزبية على حساب مصلحة البلد والمصلحة العامة، وإذا أرادت كل مجموعة ميليشيات أن تنفصل وتجد لها أذنُ صاغية من قبل الدولة، فأعتقد أن هذه الخطوة لن تكون الاخيرة.

 

أنا أسال لماذا استمرت هذه الفصائل التي تتبع مرجعية “النجف” طوال هذه الفترة بالعمل مع الفصائل التي تتبع ايران، رغم الفساد المالي، والاستئثار بالمناصب الحساسة، وجر العراق الى صراعات اقليمية ، وارتكاب جرائم ضد الانسانية، وتنفيذ مشاريع خارجية لا تصب في مصلحة العراق، حتى ظهرت هذه الخلافات مرة واحدة، وهذا يقودنا الى تساؤل مهم هو هل ستبقى هذه الخلافات بين الميليشيات خلافات سطحية؟ كونها إدارية وفنية وليست ايدلوجية، أو عقائدية؟ وهل يمكن أن نسميها خلافات أنية ومرحلية ويمكن أن تنتهي أذا تم الاتفاق على النقاط الخلافية بين الطرفين؟ ومنها التراجع عن تسمية (أبو فدك) نائباً لرئيس هيئة الحشد الشعبي، خصوصاً وإن الوثيقة التي أصدرتها الفصائل المنسحبة من هيئة الحشد الشعبي تقول بأن هذه الخطوة لن تؤثر على التنسيق مع الوية الحشد، علماً إن وجود الضابط الخارجي قد يؤدي لحل هذه المشاكل، التي يمكن أن تتسبب في احراج ايران بشكل كبير ،مما يجعلني أقول هل ستقدم ايران تنازلات لرأب الصدع ولم الشمل مرة أخرى بين هذه الميليشيات، أو على الاقل تأجليها لفترة قادمة، بإيجاد نوع من التوازن بين الجناحين التابع للمرجعية والتابع لإيران، أم أنها ستكون البداية لتلتحق بها ميليشيات أخرى.

 

الخاتمة:

سيبقى تحدي ميليشيات الحشد الشعبي قائماً سواء المنضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي، أو التي خرجت منها، أو التي تعمل خارج اطارها القانوني، طالما بقية الحكومة متواطئة وضعيفة ، وغير قادرة على حسم الامور وفرض القانون هيبة الدولة، وإعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية والأمنية، بما فيها استقلالية قرار السلطة التنفيذية في فرض الامن والاستقرار اللازمين، لأي عملية تنموية مفترضة، يمكن أن تقوم بها الحكومة الجديدة لإعادة بناء مؤسسات الدولة ، الامر الذي يتطلب تقييد البيئة التي يمكن ان تزدهر فيها هذه التنظيمات المسلحة، وارغامها على فك ارتباطها بالجهات الخارجية، وغلق الحدود، وسن القوانين اللازمة لتفكيكها من خلال برنامج متكامل، والاستجابة لمطالب الحراك الشعبي، ورفض التدخلات الخارجية، ووقف الاستنزاف الذي يجري لموارد الدولة، وعودة العراق الى دوره العربي والاسلامي في المنطقة، بعيداً عن التأثيرات والصراعات القائمة بالمنطقة.