المقدمة :

لاشك بأن العراق يمر بمنعطف خطير يتمثل بأزمات متعددة ومعقدة، ومنها احتدام الصراع وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الامريكية من جهة، وبين ايران والميليشيات التابعة لها في العراق من جهة أخرى، خصوصاً بعد أن تبادل الطرفين العديد من الرسائل العسكرية الخشنة، ومنها تنفيذ سلسلة من الهجمات الجوية على مواقع الحشد الشعبي، والتي شملت العديد من مستودعات الاسلحة والاعتدة، بدأت في19تموز/يوليو 2019، بتدمير كدس عتاد كبير في منطقة “آمرلي” بمحافظة “صلاح الدين”، ثم معسكر “أشرف”(معسكر أبو منتظر المحمداوي)في محافظة “ديالى”، ثم معسكر “الصقر” بجنوب “بغداد”، ثم معسكر بالقرب من قاعدة “بلد” الجوية، ثم جاء بعد ذلك هجوم مدينة “القائم” الذي أدى لمقتل أكثر من(25)قتيلاً، بما فيها قيادات للحشد الشعبي، وقد أدلى “المالكي” والامين العام لكتائب أبو الولاء الولائي بتصريحات قال فيها “إن القصف الجوي طال ما يقارب(13)معسكراً للحشد الشعبي خلال عام”، الامر الذي دفع “عبد المهدي” الى إصدار أوامر في15 أب/أغسطس عام201، بإلغاء كافة الموافقات الخاصة بالطيران، بما في ذلك طائرات الاستطلاع، والاستطلاع المسلح، والمقاتلات، والمروحيات، والطائرات المسيرة بكافة انواعها في الاجواء، ولجميع الجهات العراقية وغير العراقية ألا بعلم وموافقة السلطات الحكومية في بغداد، وبخلافه يعتبر طيران معادي، ولكن هذه الخطوة لم تمنع القوات الامريكية من توجيه ضربة جوية، أطلقت عليها مصادر امريكية بعملية(البرق الازرق)، أدت الى مقتل “سليماني” وأبو “مهدي المهندس” في3يناير/كانون الثاني2020، الامر الذي حول العراق لساحة صراع بعيداً عن مصالح الامن القومي، وقد تبادل الجانبين العراقي والامريكي العديد من الرسائل الدبلوماسية في هذه الفترة التي تدعو الى الحوار المبني على احترام سيادة العراق.

الاجراءات الحكومية والدعوة لهذا الحوار الاستراتيجي:

إن تنفيذ الضربة الجوية الامريكية أدت لمقتل “سليماني” وأبو “مهدي المهندس” مما دفع حكومة “عادل عبد المهدي” الى أدانة العملية العسكرية الامريكية، معتبراً اياها خرقاً للسيادة الوطنية وخرقاً لشروط بقاء القوات الامريكية في العراق، ودعا الى عقد جلسة استثنائية للبرلمان العراقي حسب المادة(58)من الدستور، من أجل تنظيم الموقف الرسمي، واتخاذ القرارات التشريعية اللازمة لحفظ سيادة وأمن العراق، في اشارة واضحة للتصويت على اخراج القوات الامريكية من العراق، وفعلاً تم التصويت في5يناير/كانون الثاني الماضي، على اخراج القوات الاجنبية وتخويل والزام الحكومة العراقية باتخاذ الاجراءات اللازمة لذلك، بعد أن تفردت الكتلة الشيعية بإصدار هذا القرار، مع معارضة الكتلة السنية، والكردية، كما طالبت حكومة بغداد الولايات المتحدة الامريكية بضرورة أجراء حوار استراتيجي من خلال الرسالة التي وجهها رئيس حكومة تصريف الاعمال “عادل عبد المهدي” في10يناير/كانون الثاني الماضي، والتي دعا فيها الى وقف التصعيد، وإقامة علاقات متوازنة، وعدم ادخال العراق في سياسية المحاور، ولكنه في الحقيقة كان ينفذ الاجندة الايرانية ورغبات طهران ووكلائها في العراق، حيث جاءت موافقة الجانب الامريكي على هذه الحوار في5ابريل/نيسان الماضي، وتم اتفاق الطرفين على بحث مستقبل العلاقات بين البلدين في ظل المستجدات والمتغيرات التي تضرب العراق والمنطقة، وتم تحديد موعد الحوار في يوم10و11حزيران /يونيو  الجاري.

مطلب خروج القوات الامريكية كلمة حق أريد بها باطل:

لاشك بأن مطلب خروج القوات الاجنبية من العراق هو مطلب كل وطني وشريف في هذا الوطن العزيز، وخاصة عندما يكون خروجها يشكل البداية الحقيقية لاستعادة السيادة الكاملة للدولة العراقية، التي سلبت منذ عام2003 والى يومنا هذا، ولكن المشكلة التي نعاني منها هي أن الدعوة لخروج القوات الاجنبية الان هي رغبة ايرانية بامتياز، وتتطلبها مصالح الامن القومي الايراني، للسيطرة والهيمنة على العراق بصورة كاملة، لتنفيذ مشروعها في المنطقة، وهذه قضية خطيرة فنحن نعاني من احتلالين امريكي وايراني ولكن بوجوه عراقية، كوننا أمام طبقة سياسية باعت العراق مرات متعددة، منها لإيران، ومنها لأمريكا، لذا كيف يمكن لنا أن نعول على هؤلاء اليوم لتحقيق مصلحة الشعب العراقي الرافض لهذه الطبقة التي سرقت ودمرت العراق، وهل سيشكل خروج القوات الامريكية دخول العراق في نفق جديد من الاحتلال والتسلط؟ والغريب بأن امريكا وايران يتغنون بدعم الحكومة في بغداد منذ اليوم الاول للاحتلال والى يومنا هذا، وها هو العراق يتحول لدولة فاشلة على كافة المستويات، فأين ذهب هذا الدعم؟ وما الذي يجعل الشعب يصدق هذه المرة بأن الحكومة اذا لجأت الى أمريكا أو أيران ستخرج العراق من هذه الازمات التي تعصف به، وهل سنستعيد الدولة والسيادة التي تنتهكها امريكا وايران معاً!، ولماذا نراهن على نفس الطبقة السياسية الفاسدة التي دمرت العراق وسرقته وقسمته وحولته لدولة فقيرة ومدانة؟ علماً الجميع يعلم بأن هذه الطبقة السياسية في الاصل هي تابعة وخاضعة لأجندة خارجية لا تصب في مصالحة العراق، لأنهم صنيعة الاحتلالين الامريكي والايراني.

توقيت الحوار الاستراتيجي:

إن اختيار التوقيت لهذا الحوار لم يكون مناسباً وموفقاً للمحاور الحكومي العراقي، كونه يأتي في ظروف عصيبة يمر بها العراق، الذي يعاني من كثير من الازمات التي تعصف وتهدد النظام السياسي بالانهيار التام والشامل، فهناك حراك سياسي انطلق منذ تشرين الماضي ومستمر الى يومنا هذا ينادي بأسقاط الطبقة السياسية الفاسدة، التي تعاني من الانقسام والتناحر، وهناك صراع كبير بينها على المصالح والنفوذ، كما إن الحراك الشعبي ينادي بخروج النفوذ الايراني الذي تمكن من الدولة العراقية وهيمنة عليها بشكل كبير، وتنادي باستعادة الدولة التي سلبت من قبل الميليشيات المسلحة التابعة لإيران، والتي صادرت القرار الحكومي وهيمنت على المشهد السياسي والأمني وفرضت ارادتها السياسية بقوة السلاح، كما إن هناك أزمة أمنية تتلخص بتبادل الضربات بين الولايات المتحدة الامريكية من جهة، وبين ايران وميليشياتها المسلحة في العراق من جهة أخرى، مما دفع التحالف الدولي الى وقف الدعم الجوي والاستخباري للقوات الحكومية في الفترة الماضية، الامر الذي أدى الى عودة تنظيم الدولة الى الواجهة وتصاعد هجماته على القوات الحكومية، بالإضافة للازمة الاقتصادية والمالية التي وصلت الى عدم قدرة الحكومة على دفع رواتب موظفي الدولة  ورواتب المتقاعدين، علماً بأن العراق يعاني من مديونية تصل الى أكثر من(145)مليار دولار، هذا بالإضافة الى تفشي الفساد المالي والاداري في دوائر ومؤسسات الدولة، ثم جاءت الازمة الصحية بتفشي فيروس “كورونا” لتشكل التحدي الحقيقي للنظام السياسي الحاكم، الذي فقد القدرة على ادارة الازمات التي يمر بها العراق، وبدأ يستجدي الدول لمساعدة العراق للخروج من هذه الازمات الخطيرة، ثم يأتي الحوار الاستراتيجي في ظل هذه الظروف الصعبة التي بكل تأكيد تضعف موقف الحكومي التفاوضي، الذي لم يوظف أي أوراق تفاوضية في هذا الحوار كي يستخدمها لتحيق مصالح العراق العليا.

تشكيلة الوفد الامريكي للحوار الاستراتيجي:

لقد تميز تشكيل الوفد الامريكي لهذا الحوار بالدهاء والمكر وقوة أوراقه التفاوضية، وجاهزيته لهذا الحوار فهو يعرف ماذا يريد تماماً، لذا فنحن أمام دولة خاضت الكثير من الحروب، ولديها تجارب كثيرة وغنية في المفاوضات، ولديها رصيد ضخم وكبير من المعلومات التي تمكن المفاوض الامريكي من انتزاع المكاسب والمناورة، وقد صرح وزير الخارجية العراقيّ الأسبق “هوشيار زيباري”، في تصريح صحفي أن “فريق التفاوض الأميركي أقوى وأكثر احترافاً من الوفد العراقي»”، داعياً إلى “معالجة هذا التفاوت ومن أبرز الشخصيات التي مثلت الجانب الأميركي في الحوار الاستراتيجي:

  • مساعد وزير الخارجية لشؤون الطاقة “فرانسيس فانون”.
  • النائب الأوّل لمساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط “جوي هود”.
  • مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط بمقر وزارة الخارجية “ديفيد شنكير”. 
  • ووكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية “ديفيد هيل”.
  • السفير الأميركي لدى بغداد “ماثيو تولر”. 

 

تشكيلة الوفد المفاوض الحكومي للحوار الاستراتيجي:

لقد جاءت تشكيلة الوفد الحكومي المفاوض من قبل حكومة “عادل عبد المهدي” رئيس حكومة تصريف الاعمال آنذاك، كما جاءت تشكيلية الوفد الحكومي المفاوض من مكون واحد وهو المكون الشيعي، الذي تفرد بالتصويت على قرار إخراج القوات الاجنبية من العراق في البرلمان العراقي، وهنا لا بد لنا أن نبين بأن حكومة تصريف الاعمال لا يحق لها أن تتخذ قرارات مصيرية، أو توقيع اتفاقيات كونها حكومة ناقصة الصلاحيات وهي لتسير الاعمال فقط، لذلك تم تحديد تاريخ الحوار ليكون من ضمن أجندة الحكومة القادمة، وهنا نسأل لماذا أبقت حكومة “الكاظمي” على تشكيلة الوفد الحكومي المفاوض كما هي بدون أي تغير أو تعديل على تشكيلة الوفد الحكومي؟، الذي شكل على اساس طائفي، ولو كنا أمام دولة مؤسسات حقيقة في اختيار الوفد الحكومي المفاوض لقلنا إن الامر فيه وجهة نظر، ولكننا أمام دولة بنيت في الاساس على مبدأ المحاصصة الطائفية منذ اليوم الاول لتشكيل الدولة بعد عام2003، لذا فتشكيلة الوفد الحكومي طائفية بامتياز وجاءت على حساب المكونات والتوازنات السياسية المتفق عليها بين اطراف العملية السياسية، كما أنها تعكس حالة الانقسام السياسي، والتفرد بإدارة شؤون الحكم في العراق، بالإضافة الى إن الوفد غير مهني، ويفتقر الى الاحتراف، والخبرة السياسية والدبلوماسية، بالإضافة الى فقدانه لأوراق الضغط السياسية التي يمكن أن تقوي موقفه التفاوضي، بحيث ظهر ضعيفاً، وغير قادر على مجاراة الوفد الامريكي، كون المعلومات التي يمتلكوها عن العقل السياسي الامريكي بسيطة ، وقد تألف الوفد الحكومي العراقي من:

  • وكيل وزير الخارجية للشؤون الإدارية والماليّة “عبد الكريم هاشم”. 
  • السفير العراقي لدى واشنطن “فريد مصطفى كامل ياسين”.
  • ووكيل وزير التعليم العالي والبحث العلمي للشؤون الإدارية “حامد خلف”.  

ماذا كان يجب على المحاور الحكومي أن يعرف؟

كان يجب على المفاوض الحكومي العراقي أن يحسم الخلافات الداخلية والمواقف السياسية التي تراوحت بين مؤيد ورافض للتواجد الامريكي في العراق السبب الرئيسي لانطلاق الحوار الاستراتيجي، وكان عليه يعرف بشكل دقيق ما هي المصالح والمكاسب التي يحاول الحصول عليها؟ وكذلك كان يجب عليه أن يحدد المصالح المشتركة بين الجانبين، وإن يعرف كيف يوظف أوراق الضغط التي بيده لتحقيق خرق واضح لمصالح العراق العليا، كما كان يجب عليه أن يعرف ويحدد ماهي مصالح الجانب الامريكي بدقة، وأن يحدد الخطوط الحمراء التي لن يسمح بتجاوزها، ومنها السيادة العراقية التي يجب أن تكون بعيدة عن الصراع الامريكي- الايراني، وعلى الطرفين أن يحترما ذلك، لذا نرى بأنه لم تكن هناك ندية لدى الوفد الحكومي المفاوض في هذه الحوار ، ولم يقدم أي مطالعة مقابلة تحمل طلبات عراقية للمناقشة، وأكتفى بتدوين الملاحظات فقط، ويبدو بأن الجانب الامريكي أدرك جيداً بأن واشنطن لا تحصد ثمار ما زرعت في العراق، بعد أن تمردت عليها الطبقة السياسية الحاكمة وهي التي جاءت بهم على دباباتها وأوصلتهم لسدة الحكم وحمتهم وقدمت لهم كل ما يريدون، وغضت النظر عن فسادهم وسرقتهم لأموال العراق، وهذا يجعلنا نقول بأن كل شيء لابد له أن يرجع لأصله، لذا فهم يرغبون في خروج القوات الامريكية من العراق لأنها رغبة ايران، وبالتالي نحن نعرف بأن هناك مصالح لإيران والولايات المتحدة الامريكية ولكنها يجب ألا تكون على حساب المصالح العراقية، والسؤال الى متى سيستمر هذا الامر  التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية العراقية.

تباين المواقف من الحوار الاستراتيجي؟

لا بد لنا أن نقول بصراحة بأن هذا الحوار جرى وسط انقسام سياسي كبير في مواقف الاطراف الداخلية، التي انقسمت الى تيارين، أحدهما: شيعي يرغب ويرى إن التركيز على مطلب خروج القوات الامريكية من العراق شرط أساسي لهذا الحوار، وهو بذلك ينفذ المطاليب والراغبات الايرانية التي تعتبر الوجود الامريكي تهديداً لها ولنفوذها في بغداد، وهو معارض لأي محادثات لا تؤدي لهذه الغاية، والجانب الاخر: مدعوم من قبل السنة والكرد وبعض الاطراف الشيعية، ويرى بضرورة بقاء التواجد العسكري الامريكي في العراق لتحجيم النفوذ الايراني، والعراق بحاجة للدعم الامريكي للحفاظ على الدولة ومنع سقوطها وانهيارها بسب الازمات التي تلم به ، وهم مع اقامة علاقات متطورة لمساعدة العراق الذي يمر بظروف غير طبيعية وصعبة ومعقدة للغاية، كما يرى الجانبين بأن ما جرى من حوار هو محطة اختبار مهمة لحكومة الكاظمي، التي يجب عليها أن تختار وتوازن بين عدة خيارات صعبة والتي سيكون لها تداعيات أكيدة على الداخل العراقي، منها خيار الميليشيات التابعة لإيران التي تنادي بخروج القوات الامريكية من العراق، وبين الولايات المتحدة الامريكية التي تسعى للبقاء في العراق لمصالح يقتضها الامن القومي الامريكي، علماً بأن الوفد الحكومي كان محل خلاف وانقسام سياسي حاد بين  الكتل والاحزاب السياسية، بما فيها المكونات الرئيسية للمجتمع العراقي التي تنقسم بشكل كبير في توجهاتها ومواقفها، لذا فنحن أمام أكثر من رغبة وتوجه فالسنة والاكراد رافضين لخروج القوات الامريكية من العراق، وهذا ما أفصح عنه موقفهم في مجلس النواب العراقي عندما رفضوا التصويت على قرار اخراج القوات الاجنبية من العراق، بنما تفرد الشيعة في تمرير هذا القرار، لذا فنحن أمام وفد يحمل ولاءات مزدوجة؟ فهل سينفذ رغبة الميليشيات والبرلمان؟ أم رغبة الحكومة والامريكان والكرد والسنة؟.

 اختلافات المواقف الحكومية جعل الوفد الحكومي لا يعرف ما يريد؟

لقد تباينت المواقف الحكومية من المطاليب التي يجب أن تناقش في هذا الحوار الاستراتيجي بين حكومة “عادل عبد المهدي” التي خضعت بصورة كاملة لإرادة طهران وميليشياتها المسلحة في العراق، وهي من دفعت باتجاه قرار خروج القوات الاجنبية من العراق، وبين موقف حكومة “الكاظمي” التي ترى بأن خروج القوات الاجنبية وخاصة الامريكية لا تشكل أولوية في أجندة حكومته، لأنها تدرك حجم التحديات التي تنتظرها خاصة وإن خروج القوات الامريكية الان قد يشكل خطر حقيقي على حكومة “الكاظمي” من النفوذ الايراني الذي يهيمن بشكل كبير على مفاصل الدولة العراق، بالإضافة الى إن هناك ازمات كبيرة وخانقة تعصف بالمشهد العراقي منها مالية، وصحية، وأمنية، تهدد النظام السياسي، وتحتاج فيه الى دعم الولايات المتحدة الأمريكية على جميع المستويات لتجاوز هذه الازمات، التي هي أهم من مسألة مناقشة خروج القوات الامريكية من العراق.

إن “الكاظمي” يعاني من انقسام وخلاف كبير بين المكونات السياسية والمسلحة وهو متهم ومحسوب على المحور الامريكي، وقد وجهت له الميليشيات المسلحة التابعة لإيران تهمة تورطه بمقتل “سليماني” وأبو “مهدي المهندس”، كما أنه يعتبر جزء من مشروع الاحتلال الذي كلفه بأن يكون مديراً لمؤسسة الذاكرة العراقية التي تحتفظ بوثائق الدولة العراقية السابقة قبل عام2003، وهو متهم بخصوص اختفاء الارشيف اليهودي من العراق الذي نقل لأمريكا لترميمه واعادته وتبين بانه وصل الى إسرائيل، لذا فالوفد الحكومي لا يستند على موقف موحد ولا يعرف ماذا يريد من هذا الحوار، فهل يفاوض حسب رؤية الميليشيات التي ترى بضرورة خروج القوات الامريكية من العراق؟، والتي تهدد بتصعيد من عملياتها الهجومية ضد القوات الامريكية وسفارتها في بغداد في حال عدم خروجها، ضاربين عرض الحائط الحكومة واجهزتها الامنية ومؤسساتها الاخرى، مما يعني مصادرة القرار الحكومي بشكل كامل! أم يفاوض حسب رؤية الحكومة الجديدة برئاسة “الكاظمي” التي تتقاطع مع ارادة ايران والميليشيات التابعة لها في العراق؟، أم حسب قرار البرلمان بشقه الشيعي الذي يقضي بإخراج القوات الاجنبية من العراق؟ علماً بأن زعيم ميليشيا بدر “هادي العامري”، الذي “عبّر عن توقّعات تحالفه(الفتح)بأن تكون المفاوضات تحت سقف قرار البرلمان العراقي القاضي بخروج القوّات الأجنبية من العراق”.

مخرجات الحوار الاستراتيجي التي تم مناقشتها:

أولا: إن الملفات التي تم مناقشتها في الحوار الاستراتيجي الذي جرى بين الولايات المتحدة الامريكية والوفد الحكومي العراقي من خلال دائرة تلفزيونية مغلقة، شملت الملف الامني، والاقتصادي، والسياسي، والثقافي ، والصحي، بالإضافة الى قطاع الطاقة، وقد أشار مستشار رئيس الوزراء للشؤون الخارجية إن حصر فكرة الحوار الاستراتيجي في موضوع مناقشة وجود القوات الامريكية في العراق فقط هي فكرة خاطئة، وإن هذا الموضوع هو جزء من ملفات كثيرة في الملف الامني، والتي تشمل التسليح، والتدريب، والتعاون اللوجستي، وإن هناك مبادئ أساسية للحوار حددها رئيس الوزراء وحصرها في احترام السيادة، ومصلحة العراق، والرغبة في اقامة علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة الامريكية، على أن تجري جولات أخرى من الحوار على مستويات اعلى، كما صرح مساعد وزير الخارجية الامريكي لشؤون الشرق الادنى “ديفيد شنكر  “عن عزم بلاده دعم العراق لمواجهة التداعيات المالية لأزمة كورونا، وتراجع أسعار النفط، لكن بشروط لم يحددها” وأضاف أن “المجموعات المدعومة من إيران تعمل ضدنا عبر تأجيج الطائفية والتطرف والإرهاب وهذا ما ناقشناه “، وتابع، أن “حكومة العراق جددت التزامها لنا بحماية قواتنا وقوات التحالف الموجودين في العراق، بناءً على دعوة الحكومة العراقية لمحاربة تنظيم الدولة”، وقد أكتفى الجانب العراقي بتدوين الملاحظات دون تقديم أي مطالعة مقابلة للجانب الامريكي.

ثانيا: إصدار الجانبين الامريكي والعراقي بياناً مشتركاً حول نتائج الحوار، جدد فيه البلدين تأكيدهما على المبادئ المتفق عليها في اتفاقية الاطار الاستراتيجي لعام2008، بالإضافة الى مراسلات مجلس الامن، وقد تطرق الجانبين الى قضايا الطاقة، والاقتصاد، والتحديات التي تواجه العراق بتفشي فيروس “كورونا”(كوفيد-19)  والازمة المالية، بسبب انخفاض اسعار النفط في الاسواق العالمية، وتم مناقشة الامور التالية:

  • الجانب الاقتصادي:
    • بحث تزويد العراق بمستشارين اقتصاديين للعمل بشكل مباشر مع الحكومة العراقية لتقديم الدعم للجهود الاصلاحية.
    • مناقشة المشاريع الاستثمارية المحتملة والتي يمكن أن تنخرط بها الشركات الامريكية في قطاع الطاقة، والمجالات الاخرى شريطة أن تكون الظروف مؤاتية لذلك.
  • الجانب الامني فقد تم الاتفاق على:
    • المحافظة على التقدم المتميز في مواجهة تنظيم الدولة.
    • إن تواصل الولايات المتحدة الامريكية تقليص وتخفيض عديد قواتها المتواجدة في العراق.
    • إن الولايات المتحدة الامريكية لا تسعى لإقامة تواجد عسكري أو قواعد عسكرية دائمة.
    • يجب التركيز على تطوير العلاقة الامنية التي تقوم على المصالح المشتركة.
    • التزمت الحكومة العراقية بحماية القوات العسكرية للتحالف الدولي بما ينسجم مع القانون الدولي .
  • أما في الملف الثقافي فقد تم مناقشة المواضيع التالية:
    • خطط إعادة الارشيف السياسي للدولة العراقية السابقة الى حكومة بغداد.
    • إعادة ارشيف حزب البعث العربي الاشتراكي.
    • إعادة القطع الاثرية المهربة والمسروقة من العراق.
    • اتفق الطرفين على تطوير الجامعات العراقية.

الخلاصات:

أولا: فقدان الوفد الحكومي المفاوض الندية في الحوار: وقد تبين لنا من خلال الوثائق الرسمية التي سربها الجانب الامريكي بأنه لم تكن هناك ندية في الحوار، بل كانت هناك إملاءات أمريكية على الجانب الحكومي، بعد أن وجدوا الامريكان ضالتهم بحكومة الكاظمي كشريك موثوق لهم، وهي بحاجة الى الدعم الامريكي لمواجهة الازمات التي تعصف بالعراق، لذا فهي فرصة للجانب الامريكي لفرض أجندته وإملاءاته وهو ما حصل فعلا.

ثانيا: إن الحوار جاء مستنداً على اتفاقية الاطار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الامريكية والعراق والتي وقعت في عام 2008، والتي لا تصلح لأن تكون جزءاً من هذا الحوار، كون الولايات المتحدة الامريكية لم تلتزم بها أصلاً، كما أنها تمنح القوات الامريكية الحصانة الكاملة من المسألة القانونية على الاراضي العراقية، ولا تخضع للقانون العراقي، وفيها الكثير من الثغرات، والتي أطلقت عليها “هيئة علماء المسلمين في حينها” باتفاقية “الاذعان “كما إن هناك اختلاف كبير في الظروف، والقدرات، وهناك الكثير من المتغيرات على الساحة المحلية، والاقليمية، والدولية، وعلى جميع المستويات السياسية، والامنية والاقتصادية.

ثالثا: إن بنود الحوار التي طرحت للمناقشة جاءت من الجانب الامريكي فقط، ولم نطلع على الملفات التي طرحت من الجانب الحكومي، عدا الجانب الثقافي الذي نجح فيه المفاوض الحكومي، من خلال مناقشة الخطط لإعادة الاثار العراقية المهربة، بما فيها استرداد الارشيف الخاص بالدولة العراقية السابقة، وهنا أقول هل سيتم اعادة الاثار لسرقتها؟، لأنه لا يوجد محاسبة تجعلنا نشعر بأن هناك تغير، كون العراق سرق ودمر من قبل الطبقة السياسية الحاكمة التي تعتبر نفسها فوق القانون والسلطة، ولم يحاسب منهم أحد والجميع يتفرج ويتقاسم المناصب والاموال بلا حسيب أو رقيب.

رابعا: لقد تجاهلت الوفد الحكومي المفاوض قرار البرلمان الذي يقضي بخروج القوات الاجنبية من العراق، حتى أن الحوار في الجانب الامني لم التطرق الى مسألة خروج القوات الامريكية من العراق ضارباً عرض الحائط بقرار السلطة التشريعية التي صوتت على خروج القوات الاجنبية من العراق، رغم الانقسام الحاد وتفرد الشيعية بهذا القرار الذي عارضه السنة والكرد، كما إن الحوار تناول الهاجس الامني المقلق لواشنطن والذي الزام حكومة بغداد بحماية القوات الامريكية المتواجدة على الاراضي العراقية.

خامسا: في الجانب الاقتصادي تم الاتفاق على تزويد العراق بخبراء ومستشارين اقتصاديين، لوضع الخطط الاقتصادية، والاشراف على تنفيذها، مع العمل على تهيئة الظروف المناسبة للشركات الامريكية للاستثمار، وهذا يذكرنا بما كان بعد عام 2003، عندما تم تنسيب مستشار أمريكي أو بريطاني لكل وزارة يشرف على تسير الامور فيها وهو الحاكم الفعلي لهذه الوازرة، علماً إن ما جرى من سلب ونهب وسرقة وتدمير كانت تحت مرآي ومسمع القوات الامريكية وسفارتها في العراق منذ الاحتلال الى يومنا هذا، فما الذي تغير الان لتقوم واشنطن بمعالجة الاوضاع في العراق؟ ولماذا صمتت في السابق؟

سادسا: من المبكر أن نقول بأن الحوار الذي جرى يمكن أن يشكل نقلة نوعية في العلاقات بين البلدين، بسبب سيطرت الميليشيات التابعة لإيران على المشهد العراقي، والتي ترى بأن الحوار الذي جرى لم يلبي طموحاتها في اخراج القوات الامريكية من العراق، لذا صعدت من عملياتها وهجماتها على السفارة الامريكية في بغداد وعلى القوات الامريكية في معسكر التاجي، لذا سيبقى المشهد العراقي مرهوناً ومبنياً على قدرة الحكومة في الوقوف بوجه هذه الميليشيات، والتي يمكن أن تؤدي الى حرب أهلية، في حالة اصرت الحكومة على استخدام القوة في ردع هذه الميليشيات، وهذا ما استبعده خصوصاً ونحن نسمع الان خطابات رنانة ووعيد فارغ كونها أقوال بلا أفعال، والوضع بحاجة لأعمال رادعة، ولنا في حادثة أغلاق مقر ميليشيا ثأر الله والذي فتح بعد فترة قليلة من أغلاقه، دليل واضح على ضعف الاجراءات الحكومية التي تحاول مسك العصا من المنتصف، علماً بأن الوضع العام لحكومة بغداد مهدد بالانهيار في أي لحظة، أو معرض للانفجار مع قبل الاطراف التي تسيطر فعلياً على الوضع العراقي بشكل كامل ومدفوعة من ايران وقادرة على أحداث الفوضى في أي وقت ملائم لها.

سابعا: إن حكومة “الكاظمي” تحاول أن تصنع توازنات صعبة في المشهد العراقي، لذا فهي أمام خيارات أحلها مر، والجانبين الامريكي، والايراني، ومن ورائها الميليشيات العراقية التابعة لها تنظر الى هذا الحوار كمحطة لاختبار للنوايا الحقيقية لحكومة “الكاظمي” التي يجب عليها أن تختار فأما أن تكون مع واشنطن، وأما أن تكون مع ايران، وهو يحاول الحصول على ولاية ثانية للحكم، لذلك فهو يزور مقر هيئة الحشد الشعبي ويرتدي ملابسهم تارةً، ويغلق مقر لهم في البصرة تارةً أخرى، كما أنه لم يلبي رغبة ايران ووكلائها بخروج القوات الامريكية، وهذا ما جعل الميليشيات المسلحة التابعة لطهران أن تصعد من هجماتها المسلحة ضد الاهداف الامريكية في العراق، وسط عجز تام عن مواجهتها، وإنما أكتفت الحكومة بإصدار البيانات التي تتغنى بالسيادة وعدم السماح لمى سمتهم بالخارجين عن القانون أن يتجاوزا على مؤسسات الدولة، كما أنه وسم هذه الجماعات المسلحة بالعمل لمصالحها، والتي تجر العراق لصراع لا مصلحة للعراق به.

ثامنا: إن توقيت الحوار جاء في ظروف سيئة، وأزمات معقدة يمر بها العراق، والتوقيت والظروف لا تصب في مصلحة المفاوض الحكومي ولا في مصلحة العراق، كما أنه يأتي وسط انقسام سياسي واضح في موقف المكونات من الوجود العسكري الامريكي في العراق، وخاصة رفض المكون السني والكردي لخروج القوات الامريكية بيمنا تصر الميليشيات والكتل الشيعية على جدولة انسحاب القوات الامريكية، مما يضعف الموقف التفاوضي للوفد الحكومي في هذا الحوار، الذي وجد نفسه أمام رغبات ورؤى متعددة.

تاسعا: إن إقحام رأي المرجعية في هذا الحوار لم يكون موفقاً من قبل رئيس الوزراء، ويثير الكثير من علامات الاستفهام، ومنها من يحكم الدولة في العراق؟ فيمكن للمرجعية أن تجتهد في الامور الدينية ولكنها بكل تأكيد تجهل الكثير عن ادارة الدولة والحكم، وهنا نقول لماذا لم يؤخذ رأي المرجعيات السنية في ذلك من قبل رئيس الوزراء في هذا الحوار؟، وهذا يعطي دلالة واضحة على ضعف الحكومة، وهزالة الموقف الحكومي الذي لا يعرف ماذا يريد من هذا الحوار، ويحاول أن يتشبث ويرضي جهات متعددة لتقوية موقفه الداخلي.

عاشرا: إن استناد الكاظمي على مرجعية البرلمان في هذا الحوار تتناقض مع السقف الذي ذهب اليه البرلمان في 5ينار/كانون الثاني الماضي، عندما اصدر قراراً بخروج القوات الاجنبية من العراق، و خول فيه الحكومة بإكمال الاجراءات اللازمة لذلك، كما إن مخرجات الحوار تقول بأن السلطة التنفيذية برئاسة “الكاظمي” ترفض تنفيذ قرارات السلطة التشريعية(البرلمان)، بدون أي توضيحات تسبق هذا الحوار، وهذا يعني أننا أشكال دستوري حقيقي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهذا سينعكس على أداء مفاصل الدولة بشكل عام.

حادي عشر: يبدو بأن نتائج الحوار جاءت باهتة وغير واضحة رغم أنها تمهيدية أو أولية، و لكنها في حقيقتها لم تلبي رغبة الميليشيات المسلحة، ولم تأتي بجديد للوضع العراقي المعقد، ولم يحدد مستقبل القوات الامريكية في العراق، الامر الذي طلب أجراء الحوار من أجله.

ثاني عشر: هناك تصريحات للجانب الامريكي حول دعم حكومة “الكاظمي” التي تشكل شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة الامريكية في العراق لمواجهة الارهاب بكل اشكاله وتوجهاته، مما يجعل الولايات المتحدة الامريكية أمام التزامات ملزمة بمساعدة الحكومة العراقية ومنعها من السقوط، ومساعدتها في مواجهة الازمات الامنية، والمالية، والصحية، وضمان منع تنظيم الدولة من القيام ببناء قدرته وهيكليته، ومنع النفوذ الايراني من تقويض وتهديد النظام الحاكم في بغداد. 

الخاتمة:

وأخيراً نقول بأن الخيارات أمام حكومة بغداد ليست كثيرة، وهي صعبة بلا شك، وهذا الحوار قد يحدد الخطوة المقبلة لمستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة الامريكية ومع ايران بوقت واحد، ويبدو بأن الجولة الاولى من الحوار قد أغضبت الميليشيات المسلحة التابعة لطهران في العراق، مما دفعهم لتصعيد هجماتهم الصاروخية ضد السفارة الامريكية في “بغداد” وقواتها العسكرية بمعسكر “التاجي”، وهم يقولون بهذه الرسائل الصاروخية (رسائل الكاتيوشا)بأننا في حل من نتائج الحوار الاستراتيجي الذي تديره حكومة بغداد، كما إن لسان حالهم يقولون بأننا نحن من سيحدد قواعد اللعبة على الارض في العراق، والحكومة دعها تصدر ما تشاء من بيانات التهديد والوعيد ودعها تتغنى بالسيادة كما تشاء، كما أنهم يقولون بان حكومة “الكاظمي” ضربت بقرار البرلمان القاضي بإخراج القوات الاجنبية من العراق عرض الحائط، الامر الذي يعكس حالة الانقسام السياسي وتبعية القرار السياسي العراقي.