تناقش هذه الورقة البحثية تطورات التصعيد العسكري شرق المتوسط، وتطورات الازمة الاقليمية بين تركيا واليونان، وموقف دول الاتحاد الاوروبي من الصراع، كما تتناول هذه الورقة محاولات بعض الدول التي لا تريد الاعتراف بحقوق تركيا البحرية عزلها وأقصائها، كما تناقش هذه الورقة توتر العلاقات التركية-الاوروبية- والتركية-الامريكية، والموقف الامريكي المتحيز لليونان، والكثير من الملفات العالقة بين واشنطن، وأنقرة وتوافقها وتقاطعها، وتأثير ذلك على حلف الناتو، كما تستعرض الورقة الاصطفاف الذي يجري في المنطقة ودخول دول من خارج دائرة الصراع مثل: الأمارات، وفرنسا التي دخلت عسكريا مع اليونان وهي تدفع نحو التصعيد العسكري، وتحاول أذكاء الصراع، كما أنها تتطرق الى أوراق الضغط التي تمارس من قبل جميع الاطراف المعنية بالصراع لدفع الطرف الاخر الى التراجع عن موقفها، كما تشير الى الخيارات التركية لمواجهة التحديات، ومنها التوجه نحو روسيا، وتحليل الموقف الروسي من الأحداث، وما هي الاوراق التي يمكن لروسيا توظيفها في هذا الصراع، وهل يمكن أن يتطور الصراع لمواجهة عسكرية خصوصاً بعد إن أعلنت تركيا عن بدء مناورات عسكرية شمال قبرص، ودخول قوات فرنسية للمنطقة، وهذا يتزامن مع دعوات اطلقت من قبل ألمانيا، وحلف الشمال الاطلسي للتهدئة، والبدء بحوار مباشر بين البلدين لحل الازمة.

 

المقدمة:

يبدو بان الاوضاع في شرق المتوسط بدأت تتطور بسرعة هائلة، بسبب تتابع المواقف، وكثرة التصريحات، ودخول لاعبين جدد للصراع في منطقة حوض المتوسط، وقد يتوهم الكثير أو البعض بأن الصراع التركي في هذه المنطقة الاستراتيجية التي تشمل المياه الاقليمية والدولية، هو صراع على النفوذ، وتقاسم الثروات، وترسيم للحدود البحرية، وفي هذا الوصف تبسيط لطبيعة الصراع في المنطقة، وجزء من الحقيقة وليس كلها، لأن تركيا ترى بأن هناك ضرر كبير أصابها منذ اتفاقية لوزان عام(1923)، التي كبلت تركيا بالكثير من القيود التي ضيعت حقوقها التاريخية في هذه المنطقة الاستراتيجية، وأليك مثلاً على ذلك تلك الجزيرة التي يطلق عليها جزيرة “ميس اليونانية” والتي  تبعد(2)،كم عن تركيا وتبعد عن اليونان ما يقارب(580)،كم والتي تم أخذها لتقليم مخالب الدولة العثمانية آنذاك وجعلها ضعيفة، لذا فما يجري الان هو استعادة لدورها الاقليمي الطبيعي كقوة مستقلة، اقتصادية، وعسكرية، وصناعية صاعدة، لذا فالصراع في منطقة الشرق الاوسط، وشرق المتوسط بالنسبة لتركيا هو صراع جيوسياسي، وصراع جيو اقتصادي، وصراع جيو أمني، وصراع على الجغرافيا، لمصالح حيوية تمس الامن القومي التركي، فلا يمكن أن تكون تركيا دولة إقليمية مؤثرة وهي رهينة لإمدادات الطاقة التي تأتي من روسيا أو أيران، فالأوضاع في المنطقة بعد الربيع العربي، والتغيرات والتبدلات التي طرأت على المسرح الدولي، والاقليمي، والمحلي، خاصة بعد جائحة “كورونا” غيرت الكثير من موازين القوى في المنطقة، الأمر الذي جعل تركيا تصرح علناً بأن الامور لن تكون كما كانت قبل “كورونا”.

 

محاولات دولية لعزل تركيا عن المنطقة:

لا شك بأن الدول المتشاطئة في حوض المتوسط تسعى لتثبيت حقوقها ومصالحها البحرية بعد أن تم اكتشاف كميات كبيرة من مصادر الطاقة في المنطقة(النفط- الغاز)، الامر الذي جعل الصراع يحتدم بشكل كبير بين دول الحوض، التي بدأت تتسابق في مسألة التنقيب عن النفط، والغاز، بمياهها الاقليمية، وخاصة بعد الاكتشافات التي ظهرت في عام2010، حيث تشير المسوحات الى إن المنطقة تسبح على بحيرة من الغاز، ويوجد فيها ما يزيد عن(345)ترليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، وأكثر من(2)مليار برميل من النفط، الامر الى أدى الى اشتداد الصراع والمنافسة،  والجميع يسعى للمحافظة على مصالحه الحيوية فيها، مما دعا العديد من الدول الى الدعوة لتأسيس “منتدى غاز شرق المتوسط” عام2019، والذي يضم كل من: مصر، واليونان ، وقبرص، وإيطاليا، والاردن، وفلسطين، وإسرائيل، حيث تم استبعاد تركيا تماماً عن المنتدى، في محاولة واضحة لعزلها، وأقصائها عن التطورات التي تجري في المنطقة، والمشكلة بأن هذه الدول لا تعترف بحقوق تركيا البحرية، ولكن التدخل التركي العسكري في “ليبيا” قلب المعادلة ، وغير موازين القوى بشكل كبير، بل غير الخارطة الجيوسياسية، حيث يقول الرئيس التركي أردغان قائلاً: “سيدركون إن تركيا تملك القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية لتمزيق الخرائط والوثائق المجحفة التي تفرض عليها”، وأضاف “إن تركيا مستعدة لكافة أشكال التقسيم العادل للثروات” خصوصاً بعد أن تم توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع “ليبيا”، الآمر الذي أثار حفيظة “اليونان”، و”قبرص” التي رفضت الاتفاق، وصفته بأنه يتجاهل الناحية الجغرافية، ويتجاهل وجود جزيرة “كريت” بين الساحل التركي، والليبي، لذا فتركيا تسعى لتأمين مصدر للطاقة، ولن تسمح بعزلها، أو التجاوز على حقوقها البحرية، وتقول بأنها ستعمل على حماية حقوقها مهما كلفها الثمن، وترى في أجرأتها هذه استعادة حقيقية لدورها الاقليمي في المنطقة، بما فيها مسألة ترسيم الحدود البحرية في “البحر المتوسط”، وبحر “إيجة”، بما فيها الصراع القائم على “قبرص”.

 

تحديات تواجه العلاقات التركية- الأوروبية- الامريكية :

تشهد العلاقات التركية الاوروبية توترا واضحا في العلاقات، وخاصة في الفترة الأخيرة مع “اليونان”، ومن ورائه “فرنسا”، و”قبرص”، ودول الاتحاد الاوروبي، التي تحاول أن يكون موقفها متماسكاً الى حد ما، كما إن هناك تذبذب وفتور في العلاقات الامريكية، التركية،  التي تمر بمرحلة غير مستقرة، بسبب تطورات المنطقة، وتقاطع المواقف بين البلدين في كثير من الملفات الساخنة والعالقة بالمنطقة، ومنها دعم الولايات المتحدة الامريكية لحزب العمل الكردستاني (PKK)، وملف الانقلاب العسكري الذي فشل عام2016، وقضية الارمن، بالإضافة لصفقة منظومة الدفاع الجوي الروسية أس(400)،وكذلك إخراج تركيا مشروع طائرة(أف35)، وكذلك تباين المواقف من القضية الفلسطينية، بالإضافة لقرار “واشنطن” الاخير برفع حظر الاسلحة عن “قبرص اليونانية” لمدة سنة، لذا فالعلاقات تتباين بين شد وجذب، بسبب تقاطع المصالح، وتطابقها حسب الملفات، ومنها التدخل في سوريا، وليبيا، وهنا لا بد لنا أن نشير الى إن “روسيا” تحاول أن تسفيد من توتر العلاقات التركية مع أوروبا، ومع واشنطن، لجر تركيا لمحورها ودفعها لخارج حلف الشمال الاطلسي(ناتو)، الامر الذي قد يضر بمصالح جميع الاطراف، كما إن هناك فتور كبير في العلاقات الاسرائيلية التركية، بسبب المواقف من القضية الفلسطينية، الامر الذي يزيد من تعقيدات المنطقة.

 

موقف واشنطن من تطورات الازمة شرق المتوسط:

  • في البداية يجب إن نبين بأن الانسحاب الامريكي من المنطقة ترك فراغا كبير وواضحاً، قامت بملئه كلا من “روسيا”، و”ايران” و”تركيا” أو يمكن أن نقول أو نصف التدخل الامريكي في المنطقة بأنه غير فاعل ومؤثر، وخاصة في الملف السوري، والعراقي، والليبي، واليمني، وما أفرزته هذه الملفات من تطورات، مما دفع هذه الدول لأن تقوم بملء الفراغ الناجم عن هذا التراجع الامريكي، والذي يمكن أن نسميه التخلي عن حلفائها في المنطقة، الامر الذي جعل من “روسيا”، و”تركيا” و”ايران”، بأن تكون لاعب مؤثر في تطورات الاحداث بالمنطقة.
  • هناك مواقف “أمريكي” داخلي معادي “لتركيا” وداعم للسياسية الخارجية الامريكية التي تعمل بالضد من “تركيا” كما إن هناك عداء كبير لتركيا في داخل “الكونغرس”، و”مجلس الشيوخ الامريكي” وخاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، حيث رفضت الولايات المتحدة الامريكية تسليم “فتح الله غولن”، حسب الاتفاقية الموقعة بين الطرفين عام(1979)،بشأن تسليم المطلوبين، علماً إن “تركيا” سلمت “واشنطن”(85)،ملفاً يثبت تورط “غولن” في المحاولة الانقلابية عام2016، وقد سمع الكثير منا تصريحات مرشح الرئاسة الامريكية “جون بايدن” ومواقفه المعادي “لتركيا” خلال حملته الانتخابية ، وأن كانت للترويج، كما إن هناك موقف منقسم في الادارة الامريكية الحالية بين مؤيد، ومعارض “لتركيا” وهذا ما لمسناه في موقفها من العملية العسكرية التركية التي أطلق عليها “نبع السلام” عام2019ضد حزب العمل الكردستاني .
  • إن زيارة وزير الخارجية الامريكي “مايك بومبيو” لليونان في عام 2019، والاتفاق على توسيع التعاون العسكري بين البلدين، واعادة العلاقات والتحالف العسكري، من خلال الاتفاق على إعادة تأهيل القواعد العسكرية الامريكية في “اليونان”، الأمر الذي دفع وزير الخارجية الامريكي لتحذير “تركيا “من أنشطة التنقيب التي أطلق عليه بأنه غير قانونية، وغير مقبولة، الأمر الذي عدته “أنقرة” بأنه موقف متحيز “لليونان” وبالضد من تركيا.
  • قيام الولايات المتحدة بإلغاء حظر السلاح عن “قبرص اليونانية” والذي فرض عام1987،لمنع حصول سباق للتسلح بين “قبرص اليونانية”، و”قبرص التركية”، الامر الذي أثار حفيظة “تركيا” والذي وصفه وزير خارجيتها “مولود جاويش أغلو” قائلاً:” إن القرار يسمم جو السلام والاستقرار في المنطقة” ولوحت “تركيا” باتخاذ خطوات للرد على القرار المتحيز “لقبرص اليونانية”، والذي اعتبرته “انقرة” أنه متحيز وموجه ضدها، مما زاد من وتيرة الصراع في المنطقة، وهذا يعني دخول لاعبين جدد قد يجر المنطقة الى اصطفاف محاور وتكتلات، كما فعلت “دول الاتحاد الاوروبي” من الازمة، مما يعقد الاوضاع ويدفعها للتصعيد.
  • إن الموقف الامريكي من التدخل التركي في ليبيا أختلف عن المواقف السابقة، فقد دعمت واشنطن أنقرة في تدخلها العسكري في ليبيا، والذي وصفه السفير الامريكي في ليبيا “ريتشارد نور لاند” بالإيجابي لوضع حد لمرتزقة “فأغنر” و”الجنجويد” وهنا لا بد أن نشير بأن الدعم الامريكي هو لمواجهة التغول والتدخل الروسي، الذي يشكل خطراً بعيد الامد على الامن القومي الامريكي، وعلى محاصرة أوروبا ، خاصة اذا قامت روسيا بنشر صواريخ بعيدة المدى في هذه المنطقة الاستراتيجية، خصوصاً وإن القيادة العسكرية الامريكية(أفريكوم)قد كشفت عن وصول(14)،طائرة روسية حربية مقاتلة الى قاعدة “الجفرة” لدعم مرتزقة “فاغنر”، و”قوات حفتر” وهي تنوي الحصول على موطأ قدم لأسطولها البحري في “ميناء طبرق”، و”ميناء درنة” الامر الذي ترفضه “واشنطن”، لذلك رحبت بالتدخل التركي في ليبيا.

ما يجري في شرق المتوسط هو استعراض للقوى:

يمكن أن نسمي ما يجري من استعدادات عسكرية في المنطقة، هو جزء من استعرض القوى في شرق المتوسط ، التي تجري على قدم وساق مق قبل جميع الاطراف المعنية بالصراع، والجميع يحاول أن يستخدم ما بجعته من أوراق ضغط متعددة للتأثير على مواقف الدول المتصارعة، لذا فجميع الاطراف تحشد قواتها العسكرية في المنطقة تحسباً لما ستؤول اليه الاوضاع بينهم، وهناك تهديد بعقوبات اقتصادية ضد “تركيا” من قبل “دول الاتحاد الاوروبي” خلال القمة المقبلة التي ستعقد في(24)،من هذا الشهر أذا لم تتراجع عن موقفها، الأمر الذي سيزيد من التوتر، كما إن هناك موقف روسي جديد يتمثل بقيامها بأجراء بمناورات بالعتاد الحي في المنطقة التي تجري فيها تركيا عمليات التنقيب وهذا ما يزيد المنطقة تعقيداً، علماً إن تركيا دفعت تعزيزات عسكرية الى الحدود اليونانية، ضمن عمل مخطط له من قبل :قيادة الجيش الثاني” بولاية “ملاطية”.

 

يقول الرئيس التركي “رجب طيب أردغان”: “بأن تركيا  مستعدة لأي سيناريو في شرق المتوسط، والنتائج المترتبة عليه”، وقد تزامن ذلك مع أطلق تركيا اليوم مناورات عسكرية تحمل اسم “عاصفة المتوسط” تستمر حتى السادس عشر من سبتمبر في “شمال قبرص” التي لا تعترف بها تركيا كدولة وستشارك قوات برية، وجوية، وبحرية، والسؤال المهم في هذا التصعيد العسكري في منطقة شرق المتوسط هو هل تستطيع “تركيا” أن تواجه أوروبا موحدة وغير منقسمة؟، رغم معرفتنا بعدم تحمس “المانيا”، و”ايطاليا “لهذا الصراع بهذه الطريقة، وما هي مصلحة الاطراف والدول التي تدفع باتجاه التصعيد ضد “تركيا”، وهذا يجعلنا نشير الى وجود لوبي عربي يتألف من عدد من الدول العربية، وعلى رأسها “الامارات العربية المتحدة” ،كما إن هناك دعم من قبل “مصر” لقوات “حفتر” تعمل على مواجهة النفوذ التركي في المنطقة سواء في “ليبيا “، أو حتى في “سوريا” بالإضافة الى إن التواجد العسكري “التركي” في “قطر”، والصومال، غير مرحب به من قبل بعض الدول العربية، مما دفعها لاتخاذ مواقف معارضة ومضادة للنفوذ التركي في المنطقة، وبدوافع خارجية، وهذا يدفعنا للحديث عن التحريض الاسرائيلي ضد تركيا في المنطقة، الامر الذي جعل تركيا تواجه تحديات كبيرة ليس على المستوى السياسي، والامني، بل على المستوى الاقتصادي أيضاً، نتيجة انعكاسات الصراع على جميع المجالات.

 

محاولات دولية لدفع المنطقة للتصعيد العسكري:

مما لاشك فيه إن هناك دولاً خارج دائرة الصراع المتصاعد شرق المتوسط تعمل على أذكاء الصراع وجر المنطقة للتصعيد العسكري، بعد أن أصبحت منطقة البحر الأبيض المتوسط تعج بالجيوش والسفن الحربية لدول عظمى مثل روسيا، وفرنسا، بل لكي نكون دقيقين نقول بأن هناك اصطفاف وحملة تحريض محمومة وواضحة ضد تركيا، تقوم بها كل من “فرنسا” ، و”الامارات” بالدرجة الاولى، حيث يقود الرئيس الفرنسي حملة منظمة ضد النفوذ التركي ليس في شرق المتوسط فقط، بل في ليبيا، وسوريا، والعراق، وقد قام بإحباط مساعي المستشارة الالمانية “ميركل” لأطلاق محادثات ثنائية بين تركيا واليونان، بل زاد على ذلك أنه عرض حمايته العسكرية لليونان، حيث دفع بحاملة الطائرات الفرنسية “تشارل ديغول” بالإضافة لعدد من طائرات الرافال” وسفينتين تابعتين للبحرية الفرنسية الى شرق المتوسط، لزيادة الوجود العسكري الفرنسي، ولدعم اليونان، وهي محاولة لاستعراض القوة لردع تركيا، وقد رافق الحاملة الفرنسية  العديد من السفن، والغواصات، والقطع الحربية التابعة للجيش اليوناني، كما اعلنت اليونان عن وصول(9)، طائرات مختلفة الانواع من دولة “الامارات العربية الى قاعدة “سودا” اليونانية منها(4)، طائرات مقاتلة(أف16)، وطائرة نقل (سي130)، و(3) ،طائرات نقل نوع(سي17)، للمشاركة بمناورات عسكرية مشتركة، لزيادة الاستعداد، وتنفيذ المهام، وتطوير القدرات القتالية، وهي بهذا تدفع باتجاه أذكاء الصراع ضد تركيا، وقد تكون رداً على تصريحات وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” الذي قال: “بأن الأمارات اضرت بليبيا، وسوريا، وإن تركيا ستحسبها على فعلتها في الوقت والزمان المناسبين، “بالإضافة الى موقف “الولايات المتحدة الامريكية” الداعمة للموقف “اليوناني” – “القبرصي”، من خلال رفع حظر تصدير السلاح عن الاسلحة الدفاعية لمدة سنة.

 

الخيارات التركية لمواجهة الاصطفاف الاوروبي:

  • الخيار السياسي: إن الموقف التركي الأمثل والأفضل لحل هذه الازمة المتصاعدة شرق المتوسط هو الجلوس الى طاولة حوار لحل المشاكل العالقة بين تركيا وبين اليونان بصورة خاصة بدون تدخلات خارجية أو شروط مسبقة وهذا ما صرح به وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أغلو” بأن بلاده مستعدة للحوار مع “اليونان” لحل الخلافات حول الحقوق والموارد في البحر المتوسط”، وأضاف الى “إن اليونان تحاول استفزاز تركيا عبر اتخاذ موقف يتسم بالعداء”، بينما طالبت اليونان تركيا بوقف التهديدات، وسحب سفن التنقيب التركية(عروج رئيس)، والسفن الحربية المرافقة لها بيم جزيرتي “كاستيلوريزو” و”كريت” اليونانيتين، كشرط للبدء بحوار لحل الخلافات العالقة بين البلدين.
  • التوجه نحو روسيا: لقد أعلنت روسيا عن قيامها مناورات بالعتاد الحي بالتنسيق مع تركيا بالقرب من سفن التنقيب التركية الامر الذي نفته وزارة الدفاع التركية، الامر الذي يزيد من حدة التوتر في المنطقة ، علماً إن الاتحاد الاوروبي قد هدد بفرض عقوبات على تركيا نهاية هذا الشهر/ مالم تتراجع عن مواقفها وتسحب سفينة التنقيب، الأمر الذي قد يدفع تركيا مرغمةً للتوجه نحو التحالف والتنسيق مع روسيا، كطوق نجاة لتركيا وحليف استراتيجي لمواجهة التحديات، وكردة فعل على الخطوات التي اتخذها الاتحاد الاوروبي وأمريكا ضد أنقرة، وهي بنفس الوقت ورقة للضغط على الطرفين الاوروبي والامريكي للتراجع عن هذه الخطوات التي قد تدفع تركيا للخروج من الناتو، أو للتفاهم مع روسيا التي نجحت في ابرام الكثير من التفاهمات والاتفاقات معها، وهناك حسابات ومصالح مشتركة كثيرة بينهما، يمكن أن تؤسس لتوافق جديد، وهذا ما لا تريده واشنطن والاتحاد الاوروبي، كما إن روسيا تدرك جيداً إن التوجه التركي نحوها ما كان ليتم لولا الضغوطات الكبيرة التي تمارس على أنقرة، الامر الذي يجعل الخيارات قليلة، وهامش المناورة ضيق، فروسيا تريد استمرار تدفق امدادات الطاقة لأوروبا، وبنفس الوقت تسعى لأبعاد تركيا عن حلف شمال الاطلسي(ناتو)، أملاً في تفكيكه، بالإضافة لتفكيك الموقف الاوروبي الموحد ضدها، أذن فالكل له حسابته في المنطقة، ويعمل على تحقيقها، كما إن هذا التحالف قد يكون ردة فعل، خطوة مقابل خطوة، بدأتها اليونان بإدخال فرنسا في الصراع، لذا فهذه روسيا يمكن لها أن تدخل في الازمة بقوة، وهنا نقول اذا كانت أوروبا كانت تعاني من روسيا فكيف بها مع تحالف تركي- روسي، الامر الذي يمكن أن يؤدي الى درجة عالية من التوتر في المنطقة، كما إن تطابق الموقف التركي الامريكي في ليبيا يجعل الحسابات صعبة ومعقدة، فهناك توافق في ملفات وتقاطع في ملفات أخرى.

تحليل الموقف الروسي من تطورات حوض المتوسط:

  • لاشك بأن الجميع يبحث عن مصالحه في هذه المنطقة المهمة والاستراتيجية، وهنا لا بد لنا أن نشير بأن ما يجري من صراع في شرق المتوسط يخدم المصالح الروسية بشكل كبير، كونها تضمن استمرار تدفق امدادات الطاقة لأوروبا، لأنها تعتبر المورد الرئيسي لإمدادات الطاقة، فأكثر من(70%)من واردات أوروبا هي من الغاز الروسي، وهذا يفسر لنا المواقف الروسي الداعم لاتفاق حكومة السراج مع تركيا، كما إنه يفسر لنا حسب التسريبات الاتفاق الذي جرى بين موسكو وحفتر من جهة وبين تركيا وحكومة السراج من جهة أخرى، والتي رفض حفتر التوقيع عليه بدفع من فرنسا، حيث كان يتضمن الاتفاق على تقاسم النفوذ في ليبيا، بجعل المنطقة الشرقية لحفتر وروسيا، والمنطقة الغربية للسراج وتركيا.
  • إن روسيا تحفظت على عملية(إيريني) الاوروبية لمراقبة قرار حظر تصدير الاسلحة الى ليبيا، رغم دعمها لقوات “حفتر” واعتبرت إن العملية لا تعالج المنافذ البرية، والجوية، وستركز على السواحل البحرية، الامر الذي أعتبر موجهاً ضد تركيا بالدرجة الاولى، وقد حذرت روسيا الأوروبيين من إن عملية (إيريني)، يجب أن تكون متوافقة مع القانون الدولي والقرار(2292)،وإن أي اجراءات جديدة يجب أن تكون عن طريق مجلس الأمن.
  • إن الاعلان عن مناورات روسية بالقرب من المناطق التي تتواجد فيها سفن التنقيب التركية، يمكن أن تشكل محاولة روسية لتعزيز الموقف التركي، وبنفس الوقت هي خطوة لجر تركيا ودفعها الى خارج حلف الشمال الاطلسي(ناتو)، الامر الذي سيضر بالمصالح الامريكية في ليبيا، كونها رحبت بالتدخل التركي الذي وصفه السفير الامريكي في ليبيا “ريتشارد نور لاند” بالإيجابي لوضع حد لمرتزقة فأغنر والجنجويد”، حيث ترى الولايات المتحدة الامريكية بان التحركات الروسية في هذه المنطقة تشكل نقطة ارتكاز في الاستراتيجية الروسية لمحاصرة أوروبا، وللتأثير على سياسات تركيا، وهي تريد السيطرة على الغاز الطبيعي في هذه المنطقة.
  • تحاول روسيا أن توظف علاقاتها في المنطقة، بعد أن نجحت في التعامل مع جميع الاطراف الفاعلة بغض النظر عن الاستقطابات الموجودة فيها، فقد تعاملت مع الولايات المتحدة الامريكية في سوريا ، حيث تخلت الاخيرة عن جميع حلفائها في المنطقة، بينما نجحت روسيا في التعامل مع ايران وحلفائها ، وكذلك مع تركيا التي نجحت في ابرام العديد من الاتفاقات والتفاهمات معها في سوريا وليبيا، وقد تجاوزت الكثير من العقبات، مثل اسقاط الطائرة الروسية، ومقتل السفير الروسي في انقرة، وصولاً الى ابرام صفقة منظومة الدفاع الجوي أس(400)،كما أنها نجحت في التعامل مع اسرائيل في سوريا، ومع مصر، وليبيا، والسعودية، والامارات، لذا فهي تحاول أن تستفيد من هذه العلاقات للمحافظة على مصالحها في المنطقة، في أي حوار يخص هذه المنطقة الاستراتيجية، التي حصلت فيها على حق استكشاف وتطوير واستخراج النفط والغاز في المنطقة الساحلية السورية، وفي المياه الاقليمية(الجرف القاري لسوريا)، والذي تبلغ مساحته(2190)كم، حسب الاتفاقية الموقعة مع وزارة النفط والثروة المعدنية السورية.

 

دعوات للتهدئة ومحادثات لتفادي الاشتباكات العارضة:

لقد انطلقت العديد من الدعوات لوقف التصعيد، وتخفيف التوتر في الازمة الاقليمية بين تركيا واليونان، ومنها الوساطة الالمانية التي قام بها وزير الخارجية الالماني الذي حذر تركيا واليونان من اللعب بالنار، الأمر الذي سيؤدي الى كارثة، ألا أنها لم تحقق خرق لاحتواء الازمة، ثم جاءت دعوة الامين العام لحلف شمال الاطلسي (الناتو)،”ينس ستولتنبرغ” الى خفض التوتر القائم في شرق البحر الأبيض المتوسط، عبر الحوار مرحباً بجهود “المانيا” لنزع فتيل التوتر في المنطقة، بين حليفان مهمان في “الناتو”، كما صرح رئيس الوزراء اليوناني “كيرياكوس ميتسو تاكيس” في مؤتمر صحفي قائلاً: “إن بلاده لن تدخل في أي مفاوضات قبل أن توقف تركيا ما وصفها بتهديداتها” وأن تقوم بوقف عملية التنقيب شرق المتوسط، وسحب سفنها من المنطقة، حيث تأتي هذه التصريحات بعد أن أعلن حلف الشمال الاطلسي(ناتو)، إن اليونان وتركيا اتفقتا على إجراء محادثات فنية لتفادي أي اشتباكات عسكرية عارضة غير محسوبة بمنطقة شرق المتوسط، وهي خطوة مهمة للتهدئة وليس للحل، كما دعت كل من برلين وروما الى الحوار المباشر بين أطراف النزاع لتفاديه، وهنا يمكن أن نقول إن دول الاتحاد الاوروبي تحاول أن توحد مواقفها رغم التباين في المواقف فيما بينها، وخاصة الموقف الالماني وربما الايطالي أيضاً والذي يبدو الى الان متماسكا الى حد ما، ولكنه في حقيقته هو منقسم، كما أننا لم نسمع مواقف واضحة وصريحة من بعض الدول الاوروبية التي بدأت تلوح بورقة الامم المتحدة.

 

الخاتمة:

إن ما يجري في المنطقة من توتر وتصعيد عسكري، وحشد للإمكانيات، والقدرات العسكرية، بما فيها الحملات التحريضية على تصعيد المواقف السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، بين اليونان، وقبرص، وفرنسا من جهة (ومن وراءها الاتحاد الاوروبي)، وبين تركيا التي قد تكون مدعومة من قبل روسيا من جهة أخرى، يأتي ضمن استعراض القوى، وتصعيد المواقف بين الطرفين، ولكن السؤال المهم هل هذا التصعيد تكتيكات ومناورات لتصعيد سقف المطالب بين الطرفين ثم الجلوس الى طاولة حوار؟ أم أنه فعلاً تصعيد قد يجر الاطراف المتحالفة للمواجهة العسكرية؟ خصوصاً وإن هناك دعوات تتصاعد للجلوس الى طاولة حوار، واللجوء الى التحكيم الدولي بين الطرفين، الامر الذي يحتاج الى قاعدة مشتركة للتفاهمات، التي تضمن حقوق جميع الاطراف، فتركيا لديها جرف قاري يمتد لأكثر من(200)ميل بحري، ولا يمكن حصر نفوذها البحري بـ(12)ميل بحري كحدود بحرية، وما يهمها هو تأمين مصدر للطاقة، كونها تستورد ما يقارب(95%)،من احتياجاتها من الخارج، مما يكلفها أكثر من(50)مليار دولار سنوياً، فهل تنجح تركيا في فرض نفسها كدولة اقليمية صاعدة في المنطقة، هذا ما ستكشفه الايام المقبلة.

 

بقلم

حاتم كريم الفلاحي

باحث بوحدة الرافدين للدراسات السياسية والاستراتيجية

5أيلول/ سبتمبر عام2020