في وقت سابق من الشهر الجاري فبراير/ شباط 2019، قامت قوة عسكرية في العاصمة العراقية بغداد باقتحام منزل واعتقلت القائد العسكري البارز أوس الخفاجي، ضمن حملة بدأتها هيئة الحشد الشعبي- وهي ميليشيات تضم حوالي 50 فصيلًا- حملة على بعضًا من الفصائل في داخلها.

ويكشف هذا التطهير عن واقع ناشئ في العراق: الجماعات شبه العسكرية التي حاربت ضد تنظيم الدولة (داعش)، وتنافس ضد بعضها البعض من أجل السلطة والشرعية والموارد. 

في هذه العملية، تم إضفاء الطابع المؤسسي على ميليشيات الحشد الشعبي من خلال مركزية السلطة والمجموعات المتباينة التي تقع ضمن مظلتها، ولهذه المنافسة آثار عميقة على الاستقرار في عراق ما بعد حكم تنظيم الدولة (داعش) وعلى كيفية فهم دولتها الناشئة.

التوترات داخل ميليشيات الحشد الشعبي: 

أنشئت ميليشيات الحشد الشعبي بسبب ازدياد سيطرة تنظيم الدولة (داعش) عام 2014 على المدن العراقية، وفي حين ظلت القوات المسلحة العراقية في حالة من الفوضى، وجمعت ميليشيات الحشد الشعبي منظمات شبه عسكرية سارعت إلى تجنيد الآلاف من المتطوعين لمحاربة تنظيم الدولة، وتحتفظ هذه المجموعات داخل المنظمة بأيديولوجيات ومصادر مختلفة، لكن القيادة العليا تحتفظ بعلاقات قوية مع إيران.

وفي الآونة الأخيرة، شرعت القيادة العليا في ميليشيات الحشد الشعبي بشن غارات وعمليات تطهير من داخل صفوفها من أجل توحيد السلطة وإضفاء الطابع المركزي عليها وإضفاء الطابع المؤسسي على الميليشيات، وهذه العملية هي محاولة ميليشيات الحشد الشعبي لتنظيف صورتها من خلال السيطرة بشكل أكبر على المجموعات التي ترتكب انتهاكات.

وقال قائد ميليشيات الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في مقابلة تلفزيونية أجريت معه مؤخراً: “إن بعض الجماعات شبه العسكرية ترتكب انتهاكات ويجب التعامل معها”، متهمًا فصيل أوس الخفاجي بأنها إحدى هذه المجموعات.

خلال القتال ضد تنظيم الدولة (داعش)، ظل الخفاجي مواليًا لقادة كبار قادة وحلفاء إيران، وكثيراً ما تحدثوا باسم ميليشيات الحشد الشعبي، ومع انتهاء المعركة، بدأ ينتقد التدخل الإيراني في العراق، كما وقف ضد قتل ابن عمه الروائي العراقي علاء مشذوب الذي قتل في كربلاء.

ويعتقد الخفاجي هو وكثير من العراقيين أن قاتل مشذوب كان على صلة بميليشيات الحشد الشعبي، وتم استهداف الروائي لفكره العلماني وانتقاده المستمر للزعيم الإيراني علي خامنئي.

الصراع الداخلي الشيعي على السلطة:

تشكل الانقسامات الداخلية في ميليشيات الحشد الشعبي جزءًا من صراع أوسع بين الأطراف الشيعة من أجل السلطة التي تهيمن على السياسة العراقية في فترة ما بعد تنظيم الدولة، وبعد الانتخابات الأخيرة التي اجريت في الصيف الماضي؛ أنتج هذا الانقسام كتلتين شيعيتين متنافستين في البرلمان للمرة الأولى منذ عام 2003.

وكان على أحد جانبي النضال الشيعي الداخلي، تقود مجموعة المحافظين القيادة العليا لحزب الدعوة -يشار إليها باسم الجماعة الموالية لخامنئي-، مع حلفاء مثل رئيس الوزراء السابق ونائب رئيس العراق، نوري المالكي، ويعتبر هذا المعسكر قريب من إيران. 

أما على الجانب الآخر، تسعى جماعة شيعية إصلاحية مع زعماء مثل مقتدى الصدر وعمار الحكيم إلى الحد من النفوذ الإيراني ودور ميليشيات الحشد الشعبي في السياسة.

ومما زاد من حدة الانقسام، برز تنافس من داخل المعسكر المحافظ نفسه بعد الانتخابات الأخيرة، تنافست الفصائل داخل هذه المجموعة على عدد محدود من المناصب الوزارية في الحكومة الجديدة لم يتمكن تحالف فتح وهو الجناح الانتخابي في ميليشيات الحشد الشعبي، من مضاهاة توقعات كل من قادة ميليشيات الحشد الشعبي مع المناصب الوزارية المتاحة لهم.

أصبحت هذه الانقسامات الداخلية واضحة بعد قرار رئيس تحالف “فتح” هادي العامري، إقامة تحالف انتخابي مع منافسه الصدر، وذلك جاء بعد شهر واحد من نتائج الانتخابات، ويرمز القرار إلى توحيد المعسكرين لتشكيل الحكومة، ومع ذلك فإن بعض قادة فتح الذين ظلوا خصوماً للصدر انضموا إلى المالكي لإنهاء الصفقة وتشكيل كتلة خاصة بهم.

في نهاية المطاف، لم يعد أمام العامري أي خيار سوى كسر تحالفه مع الصدر والعودة إلى المعسكر المحافظ، وقد شهد الصراع السياسي الداخلي في المعسكر المحافظ تحديات القيادة ومهارات التفاوض لدى العامري حول الوجود الأمريكي في العراق. 

ولقد أخبر أحد قادة ميليشيات الحشد الشعبي كاتب المقال أنه إذا لم يستطع العامري أن يجعل من فالح الفياض، ليصبح وزيرًا للداخلية، فإنه لم يعد صالحًا لقيادات الحشد الشعبي. 

ميليشيات الحشد الشعبي بعد تنظيم الدولة:

في المناطق المحررة من سيطرة تنظيم الدولة (داعش)، بدأت ميليشيات الحشد الشعبي تنقلب ضد بعضها البعض، ويعد العامل الأول المسبب بهذه الخلافات ذلك هو الاقتصاد، منها السيطرة على الأراضي والسيطرة على نقاط التفتيش والأعمال التجارية، ومع ذلك، فإن ندرة غنائم الحرب وغياب عدو خارجي؛ جعلت هذه الجماعات منافسة، وخلقت بيئة غير مستقرة في تلك المناطق التي تسيطر عليها.

وقد أدى التوسع السياسي والاقتصادي للميليشيات إلى إثارة الانتقاد من السكان حتى الشيعة منهم، كما يقول عديد من سكان البصرة، التي يتواجد فيها أغلبية كبيرة من مقاتلي الحشد: “إن دور ميليشيات الحشد الشعبي في محاربة تنظيم الدولة في ظل الفتوى الدينية جعل الحشد لها هالة من القدسية، لكن تحركها للاستيلاء على السلطة السياسية والاقتصادية قد أضر بشرعيتها” بحسب تعبيرهم.

 وخلال الاحتجاجات في سبتمبر/ أيلول الماضي، هاجم عديد من السكان مكاتب مليشيات الحشد الشعبي وتم اتهامهم بالتسبب بالتدهور الاقتصادي للبصرة.

من غير المحتمل أن تؤدي هذه البيئة إلى حرب أهلية داخل الشيعة، لا يريد أي من قادة حزب الدعوة أو حلفائهم الإيرانيين صراعًا مفتوحًا يضم مجموعات شيعية تقاتل الجماعات الشيعية، بدلاً من ذلك، ستخوض المنافسات داخل ميليشيات الحشد الشعبي من خلال عمليات اغتيال سرية أو سجن المعارضين المحتملين حيث تقوم ميليشيات الحشد بتركيز السلطة على عدد من الجماعات المتباينة التي تشكل وحدة إدارة المشروع.

وقد تجمع ميلشيا الحشد الشعبي أيضًا في بعض الأحيان ضد عدو مشترك، وقد يؤدي إلى تصعيد التوتر الأمريكي- الإيراني إلى إعادة قوات ميليشيات الحشد الشعبي معاً لمواجهة التهديد الخارجي.

بعيداً عن العنف، فإن نزاع ميليشيات الحشد الشعبي الداخلي مهم لأنه سيغير شكل المنظمة، لأنه يوطد السلطة ويبتعد عن التنظيم المظلي للمجموعات المتباينة، كما ستغير هذه العملية طبيعة السياسة الشيعية في العراق، وستكون لها آثار على استقرار العراق بعد سلسلة الانهيارات التي تميز تجربتها في بناء الدولة منذ عام 2003، فإذا لم يتم محاسبة الجماعات المسلحة تحت سيادة القانون  فإن الانتصار على تنظيم الدولة سوف تصبح مهمة أخرى قصيرة الأجل.

المصدر: واشنطن بوست