نظرة من الداخل على هذه القوة العسكرية غير المرئية

مقدمة: نشرت صحيفة The Conversation دراسة حول ما وصفته بـ “مقاولو الحروب الخاصون”، والذين يقاتلون في البلاد التي تخوض بها الولايات المتحدة حروبًا وسلطت الضوء حولها وماهية مهماتهم وكيف يتم استقطابهم، وعادة ما يعرف هؤلاء الجنود “بالمرتزقة”.

تقول الصحيفة إن النقاش حول خصخصة الحرب في أفغانستان بدأ يتزايد مرة أخرى، حيث تعهد المشرعون الديمقراطيون بإنهاء ما يسمى “الحروب إلى الأبد” خاصة أن الشعب الأمريكي بات يدرك وإن كان ببطء التكاليف الخفية للحروب الموسعة التي تخاض على النطاق العالمي. 

وتذكر الصحيفة أنه في عام 2016، كان واحد من كل 4 أفراد مسلحين أمريكيين في العراق وأفغانستان مقاولًا خاصًا، أي ليس جنديًا نظاميًا، وهذا يعني أن الحرب تجري بالفعل عن طريق مصادر خارجية، ولكن الخبراء والباحثين ووسائل الإعلام وعامة الناس لا يعرفون شيئًا عن ذلك.

وتشرح الصحيفة سبب ذلك بقولها إن المتعاقدين يعملون في الظل، دون إشراف إداري فعال ومنضبط سيما وأن هذه الطريقة من الحروب تسمح بحسب الصحيفة لواضعي السياسة أن يحصلوا على الكعك ويأكلونه أيضًا من خلال الظهور بالانسحاب، مع إبقاء القوات بالوكالة في المسرح.

 من هم المقاولون الذين ينفذون السياسة الأمريكية بالفعل؟ هل هم مجهزون للنجاح في هذه المَهَمَّة المُهِمَّة؟ ما هي المخاطر والمهمات التي تطلبها الولايات المتحدة منهم؟

تجيب الصحيفة حول هذا السؤال بقولها إن الحقيقة البسيطة هي أن هناك قليلًا من البيانات الموثوقة حول هذه الصناعة بدون هذه المعلومات، لا يمكن للخبراء طرح حتى الأسئلة الأساسية حول ما إذا كان استخدام المقاولين يعمل بشكل أفضل من البديل، أي القوات العسكرية الشخصية أو المحلية  أو -في الواقع- ما إذا كان يعمل على  الإطلاق.

وفي الدراسة التي نشرت في 5 ديسمبر ألقت الصحيفة الضوء على بعض جوانب هذه القوى العاملة غير المرئية إلى حد كبير لأول مرة.

الفجوات في البيانات: 

من الصعب الحصول على بيانات حول المتعاقدين العسكريين الخاصين، بسبب أسرار العمل الخاصة، وعلى الرغم من أن هذه الشركات تعمل كوكيل للدولة، فإنها ليست ملزمة قانونيًا بمشاركة المعلومات مع الجمهور بشأن تصرفاتهم أو تنظيمهم أو قوة العمل الخاصة بهم.

بالنظر إلى كيفية مشاركة الشركات العسكرية الخاصة المركزية في مناقشات السياسة الخارجية الأمريكية مؤخرًا، فقد يفترض الأمريكيون أن صانعي السياسة يعملون من خلال فهم مفصل للقوة العاملة للمقاول، لكن النقطة المهمة هنا؛ هي تقييم مزايا المقاولين مقابل أعضاء الخدمة النظاميين.

وهذا الأمر بحسب الصحيفة قد لا يبدو متاحًا؛ إذ لا يوجد حساب مفصل لممارسات الصناعة العسكرية الخاصة أو القوى العاملة أو إساءة التصرف أو تفاصيل العقود، لاحظت هذه الفجوة ،في عام 2008، أصدر الكونغرس تعليمات إلى وزارة الدفاع للبدء في جمع البيانات المتعلقة بأفراد الأمن الخاصين.

ومع ذلك، فإن هذه البيانات محدودة، حيث إن مقاولي الأمن لا يمثلون سوى 10 إلى 20 في المائة من مقاولي وزارة الدفاع في أفغانستان والعراق، حيث يوفر الباقي المهام الأساسية للبعثة، مثل الهندسة والاتصالات والنقل وغيرها كثير، وتتم هذه الأدوار في مناطق النزاع وتضع هؤلاء المتعاقدين في مستوى خطر مماثل للجنود.

تؤكد الصحيفة على أنه من المستحيل أن نقول أي شيء مباشرةً عن إجمالي عدد المقاولين الأمريكيين والبريطانيين الذين خدموا في العراق، فقد بحثنا عن عينة تتوفر لها سجلات -أي أولئك الذين لقوا حتفهم والذين سجلت وفاتهم في نعي، إنهم موتى حرب الشركات، وإنها ليست عينة تمثيلية، نظرًا لأن بعض المهن وبعض الشخصيات من المحتمل أن يتعرضوا لخطر الموت أثناء القتال أكثر من غيرهم، ولكن في بيئة بدون أي معلومات موثوقة، يقدمون لنا لمحة عن القوى العاملة في هذه الصناعة.

الدراسة التي نشرتها الصحيفة، جمعت بيانات مفتوحة المصدر من iCasualties، وهو موقع يجمع البيانات الأساسية عن خسائر الجنود والمقاولين باستخدام هذه البيانات، جمعت الدراسة لمعلومات الديموغرافية من النعي والمقالات الإخبارية، حول  238 مقاولًا لقوا حتفهم في العراق بين عامي 2006 و 2016.

وتوصلت الدراسة من خلال البيانات إلى أن المقاولين في العينة هم في الغالب رجال بيض في الأربعينات من العمر يختارون التعاقد كمهنة ثانية، ومعظمهم من قدامى المحاربين ذوي الخبرة العسكرية الكبيرة.

التركيبة السكانية المقاول: 

تشير دراسة للمقاولين العسكريين الذين لقوا حتفهم أثناء العمل في العراق إلى أن من المرجح أن يكون المقاولون من كبار السن من الذكور البيض، مقارنة بعض الخدمة الإلزامية “النظامية” في الولايات المتحدة: 

الجنس

المقاولون

متوسط الخدمة الفعلية للولايات المتحدة

ذكر

98.7%

83.2%

أنثى

1.3%

16.85

العرق

المقاولون

متوسط الخدمة الفعلية للولايات المتحدة

أبيض

86.4%

70.7%

عرق آخر

9.5%

12.3%

أسود

4.1%

17.0%

العائلة

المقاولون

متوسط الخدمة الفعلية للولايات المتحدة

أعزب

65.8%

41.2%

متزوج

62.6%

54.3%

التعليم

المقاولون

متوسط الخدمة الفعلية للولايات المتحدة

مدرسة عليا

55.2%

76.5%

جامعي

29.5%

21.1%

أمي

1.9%

0.2%

ومن بين هؤلاء المتعاقدين الذين تم نشرهم سابقًا كأعضاء في الخدمة، عدد منهم ضباط سابقين ونحو نصفهم من قدامى المحاربين في القوات الخاصة وهم أكثر احتمالًا للحصول على شهادة جامعية من نظرائهم في الخدمة الفعلية، ولكن أقل احتمالًا من زملائهم قدامى المحاربين.

إنهم يأتون من مدن ومناطق في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة ذات معدلات بطالة أعلى وفرص عمل أقل، وليس المناطق التي تتمتع بأقوى التقاليد للخدمة العسكرية.

كيف مات المقاولون؟

من خلال عينة من قتلى حرب الشركات، كانت معظم عمليات انتشارهم قصيرة، ما بين أسبوع إلى شهر، تعامل عدد من المتعاقدين معها كعمل مؤقت، حيث قاموا بجولات قليلة.

لقد عمل معظم أفراد العينة في مجال الأمن، وهو عمل خطير للغاية، في الواقع، كان من المحتمل أن يتم قتل هؤلاء المتعاقدين من قبل العدو مقارنة بأفراد الخدمة الأمريكية النظامية الذين عملوا معهم.

توظيف المقاولين الخاصين:

تكشف دراسة عن المتعاقدين العسكريين الذين لقوا حتفهم أثناء العمل في العراق عن بعض التفاصيل عن خلفية عملهم.

الخبرة العسكرية:

  1. أي تجربة عسكرية 82.5٪
  2. مهنة مدنية/الخدمة المدنية 21.9٪
  3. الخدمات اللوجستية/صيانة 16.4٪
  4. متقاعد 14.7٪
  5. تجربة أخرى 6.7٪
  6. إداري 5.5٪

سنوات كمقاول:

  1. أقل من عام 53.9٪
  2. أكثر من سنة 28.5٪
  3. 2-4 سنوات 13.9٪
  4. 5 سنوات أو أكثر 3.9٪

نوع العقد:

  1. أمن: 61.9٪
  2. الخدمات اللوجستية/صيانة: 29.0٪
  3. إداري: 9.1%

تؤكد الصحيفة على أن الدراسة أكدت وفاة جميع افراد العينة، بالطبع، حيث واجه المقاولون خطر الموت في أماكن مختلفة عن الجنود النظاميون؛ فمات كثير منهم في بغداد أو على الطرق، أكثر من الذين ماتوا في قاعدة. 

تؤكد الصحيفة على أن هذه النتيجة هي منطقية خاصة وأن هؤلاء المرتزقة، هذا يفتقرون في كثير من الأحيان مظلة واقية “دعم” وحماية من الوحدات الأخرى في حال واجهات تهديدات مفاجأة وغير متوقعة، وإن حدث سيكون الدعم أقل تنظيمًا وفعالية.

كما أن المرتزقة هؤلاء يكلفون، بشكل روتيني بأنواع مختلفة من المهام: أعمال قتالية أقل، ومزيد من الخدمات اللوجستية أو الصيانة أو أعمال الحماية، وهذه الأنواع من المهام -على سبيل المثال- قيادة شاحنات الإمداد من وإلى القاعدة، وهذه العمليات والمهام بالعادة، هي أقل حماية ولديها إجراءات روتينية يمكن للمتمردين اكتشافها.

وتؤكد الدراسة على أنه ولاتخاذ قرارات مستنيرة بشأن ما إذا كانت خصخصة الالتزامات العسكرية المستقبلية وكيفية ذلك، يحتاج الجمهور على الأقل إلى فهم عام للأشخاص المكلفين بحماية القوة الأمريكية في الخارج.

وتشير الصحيفة إلى أنه لا يجب الاستهانة بموت هؤلاء فمن شبه المؤكد أن يشمل موتى حرب الشركات في الصراعات المستقبلية الأميركيين الذين خدموا بلادهم في السابق بالزي العسكري. حيث لا ينبغي اعتبار حياتهم مستهلكة أكثر من كونهم جنودًا أو بحارة أو طيارين أو مشاة البحرية.

وهنا تتابع مساهمتنا في النقاش الدائر حول المقاولين مهمة، لكنها متواضعة، تمثل عيّنتنا أقل من ربع إجمالي عدد المتعاقدين العسكريين، لا يزال الجمهور لا يعرف شيئًا تقريبًا عن المقاولين العسكريين أو المنظمات التي ينتمون إليها.

إن تنوع المقاولين في الخبرة والتدريب والقدرات واسع وغير مفهوم، معظم المقاولين ليسوا غربيين، بل مواطنين من دول ثالثة، مجندين من العراق وأفغانستان. فكثيرون آخرون من قدامى المحاربين من بلدان أخرى، مثل بيرو وكولومبيا وفيجي وأوغندا، ويتمتع البعض بخبرة مؤسسية أقل، حيث تقوم الصناعة على تجنيد أطفال عمليين كجنود سابقين من “سيراليون” -وهي دولة في غرب قارة أفريقيا، على ساحل المحيط الأطلسي- ومقاتلي حرب العصابات السابقين من القوات المسلحة الثورية الكولومبية.

وتشدد الصحيفة على أن هناك بعض الأسئلة الكبيرة جدًا تفتقر إلى أي إجابة على الإطلاق. هل المقاولون أفضل أو أسوأ من أعضاء الخدمة في تحقيق الغايات السياسية لبلد ما في الخارج؟ هل تستخدمها الولايات المتحدة بفعالية، وتستفيد إلى أقصى حد مما تقدمه وتخفف من تلك المناطق التي تحتوى على قصور؟ ما هي العواقب غير المقصودة للاعتماد على المقاولين فيما يتعلق بحقوق الإنسان والمضاعفات القانونية وسوء الإدارة والمساءلة؟

لا تملك الشركات العسكرية والأمنية الخاصة حافزًا حقيقيًا لمشاركة هذه البيانات، ولكن المصلحة العامة واضحة: الجمهور يحتاج إليها.

المصدر. 

موقع “ذا كونفرسيشن”