في 20 مارس 2003، غزت الولايات المتحدة العراق، وبعد حملة دعاية استمرت لأشهر لم يسبق لها مثيل في البلاد، أيد غالبية الأمريكيين الدخول في الحرب، لقد أخبرتهم إدارة بوش مرارًا وتكرارًا بأنها كانت عملية حفظ ذاتي، وأنه إذا لم نغزو العراق، فإن صدام حسين، الذي ربما كان له علاقة بأحداث 11 سبتمبر 2001، سيهاجمنا بترسانته المخيفة من أسلحة الدمار الشامل.

لقد قال نائب الرئيس آنذاك ريتشارد ب. تشيني: “ببساطة، ليس هناك شك في أن صدام حسين لديه أسلحة دمار شامل، ومما لا شك فيه أنه يجمعها لاستخدامها ضد أصدقائنا وحلفائنا وضدنا”.

لقد تبين ﻻحقًا أنها أسوأ كارثة في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية، حيث قُتل أكثر من 4500 أمريكي، وجرح ما يقارب 32000، وصرفت تريليونات من الدولارات، وألقيت المنطقة في حالة من الفوضى وكان ظهور الدولة الإسلامية مجرد نتيجة واحدة من العواقب المحتملة، بالإضافة إلى مئات الآلاف من العراقيين الذين ماتوا، فما الذي تعلمناه؟

لقد تعلم الديمقراطيون بمن فيهم شخصيات مثل هيلاري كلينتون وجون كيري أشياء كثيرة، منها أن محاولة دعم مغامرة عسكرية سوف لن تجعلك تبدو قويًا، وأن أسوأ مخاوفهم حول ما يمكن أن تحققه هذه المغامرة سيكون ماثلًا أمامهم.

بالنسبة للجمهوريين، فالقصة مختلفة، فلقد تعلم الرئيس ترمب وحده من بين أعضاء حزبه، بضرورة عدم تكرار مثل هذا الشيء مرة أخرى .

ربما غابت حرب العراق عن ذاكرة كثير من الناس حتى الآن، لكن في الانتخابات الرئاسية لعام 2016،  كان الحزب الجمهوري يعاني من هذه المشكلة، وتحديداً ما إذا كانت الحرب خطأ أم صوابًا.

 وعلى الرغم من أن هذا كان واضحًا لكل شخص عاقل في البلاد، فقد كان من الصعب على من يسعون إلى قيادة الحزب أن يعترفوا بهذا الخطأ، وإن الاعتراف بالحقيقة كانت تعني انتقادًا للرئيس الجمهوري القادم. 

لقد كان الأمر صعبًا على جب بوش، شقيق الرئيس، ومثله تراجع معظم المرشحين عن قول شيء مثل: “إذا عرفنا ما نعرفه الآن لما كنا قد غزينا العراق”، ملقين باللوم فقط على معلومات المخابرات الخاطئة دون استجواب من طرح الأفكار والغطرسة الحمقاء التي قادت الوﻻيات المتحدة بالفعل نحو الحرب.

لقد كان الاستثناء الوحيد هو ترمب، نعم، كالمعتاد، أخبر ترمب الجميع سلسلة من الأكاذيب السخيفة حول معارضته القوية عام 2003 لقرار الحرب، حتى أنه زعم أن معارضته كانت قوية إلى درجة أن إدارة بوش أرسلت وفدًا إلى نيويورك للضغط عليه لتخفيف حدة اعتراضه. (وفي الواقع، إنه لم يقل أي شيئًا تقريبًا علنًا عن الحرب ولم يعارضها)، ولكن بحلول عام 2015، كان ترمب يقول ما لم يقله أي جمهوري آخر، حيث قال بنقاش في ديسمبر من ذلك العام ما يلي:

“لقد ارتكبنا أضرارًا هائلة ليس في الشرق الأوسط فقط وإنما ارتكبنا ضررًا كبيرًا ضد البشرية. الأشخاص الذين قُتلوا، والأشخاص الذين شردوا لأجل ماذا؟ لا يبدو أننا حققنا النصر. إنها فوضى. فاستقرار الشرق الأوسط  مزعزع تمامًا، أتمنى لو أننا أنفقنا تلك ال 4 تريليون دولار أو 5 تريليون دولار, هنا في الولايات المتحدة على المدارس والمستشفيات والطرق والمطارات”.

لقد ترشح ترمب للرئاسة قائلًا إنه لا يريد أن يتورط في مزيد من الحروب مثل حرب العراق، لكن هذا لم يكن بسبب قلقه على المعاناة الإنسانية أو بسبب تهديد المصالح الأمريكية، لأنه لا يهتم أصلًا بالمعاناة الإنسانية ولم يكن لديه مطلقًا تصور مهمًا لما يمكن أن تكون عليه المصالح الأمريكية. كانت وجهة نظره تتخلص في أنه ﻻ يحبذ غزو مكان ما لنشر الديمقراطية، كما أنه لا يحبذ العمل العسكري لوقف الإبادة الجماعية.

ومع ذلك، فعندما يتحدث ترمب عن الدور العسكري للولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم، فإنه عادة ما يقول إن الدول الأخرى يجب أن تدفع لنا أكثر للحفاظ على هيمنتنا، سواء كان الناتو أو كوريا الجنوبية أو أي شخص آخر، وإذا لم يتمكن ترمب من تحقيق مكسب فوري قصير الأجل، فلن يهتم بالموضوع.

وبالرغم من ذلك، فهذا ليس أسوأ ما في السياسة الخارجية الأمريكية، فلقد سبق وأوضح لنا الرئيس جورج دبليو بوش ما هو الأسوأ: فلديه اعتقاد ساذج بأن أي مشكلة تقريبًا يمكن حلها باستخدام ذخيرة كافية، فهو يرى أنه لا داعي للقلق بشأن السياسة الداخلية للبلد الذي أنت بصدد غزوه وإذا أظهرت الإرادة الكافية، فستنجح في النهاية.

هذا لا يعني أن ترمب لم يرتكب كثيرًا من الأخطاء في السياسة الخارجية،  فلقد أثر سلبًا على صورة الولايات المتحدة في العالم، وهدم تحالفات رئيسة وانسحب من الجهود التعاونية الدولية المهمة. لكنه، حتى الآن، على أي حال، لم يقم بغزو أي دولة، ولا شك في أن ذلك يثير استياء بعض مستشاريه.

وأخيرًا ليس هناك دليل على أن أي شخص في الحزب الجمهوري قد تعلم كثيرًا من كارثة العراق. ومن المحتمل أن يكون الرئيس الجمهوري المقبل حريصًا أكثر من الحالي على شن غزو أو أكثر. وﻻ يمكن أن نسمعهم يتحدثون عن الدروس المستفادة من العراق، لأنهم لم يستخلصوها.

المصدر: واشنطن بوست

https://www.washingtonpost.com/opinions/2019/03/20/sixteen-years-ago-we-invaded-iraq-what-did-we-learn/?noredirect=on&utm_term=.e6f16a516b4e