وعد الرئيس ترمب مرارًا وتكرارًا خلال حملته الانتخابية ومدة ولايته حتى الآن بإنهاء “الحروب التي لا تنتهي”، وعلى الرغم من هذه الوعود، إلا أن الصدمات التي لا نهاية لها ما زالت، للأسف، هي القاعدة السائدة في الوﻻيات المتحدة الأمريكية.
فقد قُتل مؤخرًا اثنان آخران من الأمريكيين في أفغانستان, في حرب أدركت إدارة ترمب أنها بحاجة إلى إنهائها، لكن يبدو أنها ليست في عجلة من أمرها للقيام بذلك.
في ديسمبر 2018، أعلن ترمب أن جميع القوات الأمريكية سيتم سحبها من سوريا، إلا أنه في وقت لاحق تم إلغاء هذا الإعلان مع إبقاء قوة صغيرة من 400 إلى 1000 جندي إلى أجل غير مسمى، بالإضافة إلى وجود أكثر من 5000 جندي في العراق، لإشباع هوس الإدارة الأمريكية في إيران.
لقد مات الجنود الذين كانوا أطفالاً عندما بدأت حرب أفغانستان، ولقد مضى وقت طويل على ضرورة إعادة جميع قواتنا من أفغانستان وسوريا والعراق إلى بلادهم.
قاتل عمي في فيتنام، وبعد نشر القوات هناك، اتصل بجدتي وقال لها إنها يجب أن تبذل كل ما في وسعها لضمان عدم إرسال أبي، الذي كان أصغر منه بعدة سنوات، للقتال جنوب آسيا.
لقد كانت هناك طريقة سهلة لتجنب التجنيد، وهي التسجيل في الدراسات الجامعية، لكن اﻻنضمام إلى كلية “أبالاشيان أوهايو” في السبعينات، لم يكن خيارًا متاحًا للجميع.
لحسن الحظ، انتهت حرب فيتنام قبل أن يكون والدي مؤهلاً للالتحاق بالخدمة العسكرية، وﻻ أعرف بماذا كان يفكر عمي عندما أجرى تلك المكالمة الهاتفية -لقد توفي منتصف التسعينات، لذلك لم تتح لي الفرصة لإرساله-، لكن من المنطقي افتراض أنه كان يعتقد أن هناك شيئًا خاطئًا بشأن ما تفعله الولايات المتحدة خارج الحدود، وأراد أن يجنب أخاه خطر الموت في حرب لا طائل من ورائها.
سوف نفترض أن الجنود الأمريكيين يموتون دفاعًا عن حقوقنا وحرياتنا، وهم يحموننا من تهديدات حقيقية، ونشكر المحاربين القدامى على خدمتهم في الجيش ونقدس موتاهم كشهداء، على العموم، سوف لن نتعمق أبدًا في سبب قتالهم وموتهم، وبعد كل هذا، فإنه ﻻ توجد أُم تريد أن تعتقد أن طفلها قد ضحى بحياته من أجل لا شيء، لكن هذا ما يحدث بالضبط في سوريا والعراق وأفغانستان .
بخصوص سوريا سيتم نشر مجموعة صغيرة من القوات الأمريكية هناك بهدف رئيس وهو احتواء النفوذ الإيراني، وأيضًا مواصلة مكافحة داعش بعد سقوط الخلافة المزعومة.
هل يمكنك أن تتخيل فوضى الآثار الناتجة عن الحرب الأهلية السورية ومحاولة تحقيق التوازن مع القوة الإقليمية المنافسة بـ 400 جندي فقط؟ إن عبارة “لعب السياسة بأرواح الناس” هي عبارة سيئة وﻻ يجوز استخدامها، لكنها في هذه الحالة، صحيحًا تمامًا.
في كانون الثاني الماضي قتل أربعة جنود أمريكيين في سوريا, فكم جندي من المتبقين ستستخدم حياته لتحقيق أهداف مستحيلة؟
ليس بعيدًا من سوريا، ففي العراق، لا يزال هناك أكثر من 5000 جندي أمريكي موجودين لنفس أسباب بقاء القوات الأمريكية في سوريا، لمساعدة العراقيين على محاربة داعش، ولكن بشكل أساسي لمراقبة إيران، وهي ليست خطوة سياسية حكيمة، لأن داعش هُزِمت إلى حد كبير (على الرغم من أن الإرهاب حقيقة من حقائق الحياة ولا يمكن القضاء عليها بالكامل) ومع ذلك، فإن آلاف الجنود عالقون في واحدة من أخطر الأماكن على الكوكب لأن الرئيس يريد “مراقبة إيران”.
فشلت إدارة ترمب دائمًا في إثبات أن إيران هي أضعف من أن تصبح قوة مؤثرة على حساب جيرانها، وعلى الرغم من خروج الولايات المتحدة من اﻻتفاق النووي المبرم في 2015 مع إيران، فإن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقول إنهم ما زالوا ممتثلين للاتفاق، لذلك ليس من الواضح ما الذي يراقبه الرئيس الأمريكي، وفي هذه الأثناء قتل 17 أمريكيًا في العراق عام 2018، وفقًا لموقع ( اي كاجولتيز) iCasualties.org.
لقد أنجزت الولايات المتحدة في أفغانستان القليل جدًا، على الرغم من التضحيات الكبيرة. حيث استعادت حركة طالبان بثبات سيطرتها على مساحات شاسعة من البلاد، مع وجود حكومة أفغانية ضعيفة وفاسدة، وتعتمد بالكامل على دعم الولايات المتحدة، وقد بلغت وفيات المدنيين مستويات قياسية عام 2018.
يجادل صقور الحرب في الإدارة الأمريكية بأن الوﻻيات المتحدة بحاجة إلى البقاء في أفغانستان لمنع تكرار هجمات 11 سبتمبر، علمًا بأن تلك الهجمات كانت مدعومة بإخفاقات استخباراتية أمريكية متعددة كون تلك الهجمات قد نُظمت في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك مدارس الطيران في الولايات المتحدة، وكما قال خبير الأمن الدولي باتريك بورتر، “لا يوجد خط مستقيم من هلمند إلى مانهاتن”، فمكافحة الإرهاب لا تحتاج إلى احتلال.
يقال إن ترمب قد خطط لخفض كبير في القوات الأمريكية في أفغانستان، ويحاول المبعوثون الأمريكيون تسهيل محادثات السلام بين الحكومة الأفغانية وطالبان، وفي غضون ذلك، فإن القوات الأمريكية تُقحم ويقتل جنودها في صراع كان ينبغي أن ينتهي قبل سنوات.
لا تخطئوا: إن الخسائر الأمريكية في المستقبل في أي من هذه الصراعات لن تحدث نيابة عن سلامة أو حرية الشعب الأمريكي، هل وكلاء إيران في سوريا يهددون حقوقه الدستورية؟ إن القوات الأمريكية ستبقى رهينة سياسة خارجية مسارها يهدف إما إلى تحقيق المستحيل (مثل الهزيمة الكاملة لـ “الإرهاب”) أو لأنها ترى العالم بأنه محمية تابعة للولايات المتحدة الأمريكية.
تخيل أن الولايات المتحدة غادرت العراق أو سوريا غداً، وتخيل أنك كُلفت بتبليغ عائلة آخر جندي أمريكي قتل هناك، ما الذي ستقوله لهم؟

المصدر : صحيفة اﻻنديبندنت
الكاتب : جيرودا ﻻبر