انتصار ترمب.. الهادئ في الشرق الأوسط
بعد القضاء على خلافته قد يواصل تنتظيم الدولة (داعش) مضايقة القوات الغربية ومحاولة إرهاب المدنيين الغربيين، لكن النظام الديني الذي امتد عبر الهلال الخصيب “المنطقة الممتدة من شرق البحر الأبيض المتوسط مرورًا بسهول دجلة والفرات حتى الخليج العربي لم يعد موجودًا”.
وعلى الرغم من أن الرئيس ترمب لم يدمر الدولة الإسلامية بمفرده، إلا أن الهدوء الغريب الذي تلا انتصاره يمثل تغيرًا مثيرًا في سياسة الشرق الأوسط، والذي حققه بالفعل في بضع سنوات قصيرة.
وفي حين أن منتقديه يتهمونه بتهديد المصالح الأمريكية والأمن الأمريكي من خلال أسلوب الحكم المتسرع والمندفع، إلا أن التقدم المطرد في أجندته الواضحة قد أثبت عكس ذلك.
وقد كانت النتيجة في صالح الوﻻيات المتحدة وبشكل فاق توقعات مؤسسة السياسة الخارجية، على عكس ما كان في عهد إدارة أوباما .
إن الاضطرابات التي سبقت تولي ترمب منصبه معروفة للجميع وﻻ داعي لذكر تفاصيلها: الربيع العربي وانهياره والتدخل الكارثي في ليبيا والاستجابة الفاشلة للحرب الأهلية في سوريا وابتعاد تركيا عن مدار الغرب وانتشار القوة العسكرية الإيرانية، بشكل مباشر وغير مباشر عبر وكلائها مثل حزب الله، في عمق الأراضي العربية وخاصة العراق، وأخيرًا صعود الدولة الإسلامية.
منذ أن حل ترمب محل أوباما، انتقلت السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس، وهو ما لم يثر تقريبًا غضبًا في الشارع العربي، كما تم الاعتراف رسميًا من قبل الوﻻيات المتحدة بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، وتباطأت هرولة تركيا واندفاع ايران نحو بوتين، وتم اﻻنتصار في الحرب ضد داعش دون إثارة حرب إقليمية أو عالمية في سوريا وتم مواجهة وإيقاف مخططات إيران الخبيثة، وعلى رأس كل ذلك، فإن حلفاء وشركاء أمريكا من العرب لم يقتربوا فقط من الولايات المتحدة ولكن في تغير جذري اقتربوا من إسرائيل نفسها.
إن أولئك الذين يشككون في قدرة ترمب الشخصية على إحداث ثورة أو تغيير كل ما يلمسه، فإنهم يقودون أنفسهم إلى خيبة الأمل، وليس هناك من ينكر أنه حتى الآن على الأقل، اتخذ ترمب سبلًا كارثية في الشرق الأوسط ولعبها ببراعة، بطريقة يجرؤ القليل على القيام أو حتى التفكير بها.
لقد أصبح، ولأول مرة، التقارب العربي الإسرائيلي والسلام في الأفق، وبات العرب يدركون تمامًا وصحيحًا، اليوم وفي المستقبل المنظور، أن إيران وليست إسرائيل هي مصدر مشاكلهم.
إن التنسيق الذي سينبثق من هذا الإدراك لن يقدم إنجازًا تاريخيًا في الأراضي المقدسة فقط، وإنما سوف يعيد ترتيب رقعة الشطرنج الجيوسياسية بصيغة حاسمة للولايات المتحدة، وسيتم تقليص نفوذ روسيا الطفيلي في المنطقة والحد منه، وسيتم تقييد يد إيران الطليقة واستخدامها كسلاح للتفاوض من جانب موسكو، وسوف تتضاءل مصلحة كوريا الشمالية في التعامل مع حزب الله، الآن، ستصبح الإشكاﻻت المتجددة والمحيطة بوصول أمريكا إلى مصادر الطاقة الكافية شيئًا من الماضي.
وفيما يخص الإرهاب، فإنه مع الدعم العربي ستفقد المجموعات الإرهابية العنيدة منطقها، وكذلك فإن التوجه حتى بين المسلمين المتشددين نسبياً، يمكن أن يبدأ على الأقل في الانقلاب على فكر القاعدة المتطرف.
كما يمكن وضع الأساس للتسوية النهائية في أفغانستان والخروج من تلك المنطقة التي استنزفت موارد الوﻻيات المتحدة واﻻبتعاد عن أمثال الصين، التي استمتعت بمشاهدة أمريكا وهي تربط نفسها بحقول الخشخاش في الوقت الذي تفقد فيه قوتها في المحيط الهادئ.
يجب على محللي السياسة الخارجية المعتدلين أﻻ يندفعوا بعيدًا، وأن يقفوا جنبًا إلى جنب في رؤيتهم لتحول ترمب الإيجابي، فمن الحماقة القول إن السلام العالمي في متناول اليد أو أن أمريكا يمكنها أن تتخلى بأمان عن مجال التنافس العالمي، كما أنه من الحماقة نكران أن العامين الماضيين قد شهدا تغيرًا بدرجة 180 تقريبًا في ثروات أمريكا وكان الشرق الأوسط هو نقطة اﻻرتكاز.
لم يحدث أي من هذا عن طريق الصدفة لأن الرئيس ترمب ليس ساحرًا، لكنه ترأس عملية تحول في الموقف الجيوسياسي الأساسي لأمريكا- تحت ضغط شديد وبموارد قليلة، وبوجود كثير من التراكمات التي كان من الممكن أن تؤدي إلى فشله.

المصدر: مقال “جيمس بولوس” صحيفة نيويورك ديلي نيوز