قال مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة الأمريكية “بيتو أورورك”، “إذا كنا نقصدها حقًا، وإذا كنا نعنيها حقًا، فسوف نضمن أن هذا البلد لن يبدأ حربًا أخرى قبل استنفاد الوسائل الدبلوماسية والسلمية كلها، وفيما يخص تلك الحروب التي نطلبها من إخواننا وأفراد القوات المسلحة، للقتال نيابة عنا، لقد أمضينا 17 عامًا وما زلنا في أفغانستان و27 عامًا وما زلنا في العراق، لننهي هذه الحروب ونعيد أفراد الجيش الأمريكي إلى عائلاتهم و لمجتمعهم وبلدهم”.
يشار إلى أن المرشح الرئاسي وعضو الكونغرس السابق بيتو أورورك سبق وقال في مدينة “إل باسو” التابعة لولاية تكساس في 30 مارس 2019: “هل نريد حقًا خوض الحروب إلى الأبد؟ سبعة وعشرون عامًا في العراق، و18 عامًا، تقريبًا، في أفغانستان بدون تعريف أو إستراتيجية أو نهاية في الأفق، لقد أنفقنا تريليونات الدولارات على القتال ولإعادة بناء البلدان التي غزوناها”.
كما قال أورورك في مدينة “أميس، أيوا”، في 3 أبريل: “يمكننا أن ننظر إلى تضحية الآخرين في هذا البلد، فهناك رجال ونساء منتشرون الآن في حروب ومناطق صراع مستمرة منذ 17 و27 عامًا في أفغانستان والعراق”.
لقد اشتكى الرئيس ترمب في الأشهر الأخيرة من “حروب لا نهاية لها” وأن الجنود “يقاتلون في أفغانستان منذ 19 عامًا”، لقد بدأ غزو أفغانستان في 7 أكتوبر 2001، لذا فإن حساب ترمب غير دقيق.
إلا أن أورورك، الذي يشجب أيضًا خوض الحروب إلى ما لا نهاية أثناء قيامه بالحملات الانتخابية للرئاسة لعام 2020، أصبح أقرب إلى الحقيقة حول الحرب الأفغانية، قائلاً إما “17 عامًا أو “18 عامًا تقريبًا”، (حيث إنها 17 ونصف عام) لكن حساب أورورك فيما يخص حرب العراق تركتنا في حالة من الذهول، حيث إنه كرر في أكثر من مناسبة قوله 27 عامًا في العراق، وهو ما يعيدنا إلى عام 1992.
وبالإضافة إلى أن هذا التاريخ ليس منطقيًا، فإن تعليقاته في سياق الحديث عن “أفراد الجيش الذين يقاتلون نيابة عنا” لا معنى لها أيضًا.

الحقيقة
هناك ثلاث أو أربع نقاط، يمكن من خلالها وصف الولايات المتحدة بأنها قاتلت في العراق خلال العقود الثلاثة الماضية، ولكنها لم تكن في حالة حرب مستمرة.
حرب الخليج (1990-1991)
تألفت حرب الخليج من قسمين: عملية درع الصحراء، وتراكم القوات في المملكة العربية السعودية ردًا على غزو العراق واحتلاله للكويت، وعملية عاصفة الصحراء، وهي المرحلة القتالية التي طرد فيها التحالف العراقيين من الكويت، وبالتالي يمكن الإشارة إلى أن بداية الصراع هو من الغزو العراقي للكويت في 2 آب 1990، أو تاريخ بدء العمليات القتالية في 17 كانون الثاني 1991، وقد انتهى الغزو في 28 شباط 1991، أي بعد 100 ساعة فقط من القتال على الأرض.
اعتمد الكونغرس قرارًا يجيز الحرب في 12 كانون الثاني 1991، كما أيدت الأمم المتحدة الحرب، وذلك بتمرير قرار أمهل العراق حتى 15 كانون الثاني للانسحاب من الكويت، وسمح للدول باستخدام “جميع الوسائل اللازمة” لإجبار العراق على الخروج من الكويت.
مناطق حظر الطيران وهجمات صواريخ كروز (1991-2003)
بعد حرب الخليج، فرضت الولايات المتحدة وشركاؤها مناطق حظر طيران على الأجزاء الشمالية والجنوبية من العراق.
وفي أوقات مختلفة خلال هذه الفترة، أطلقت الولايات المتحدة صواريخ كروز ضد المنشآت العراقية، وذلك لإجبار العراقيين على الامتثال لقرارات الأمم المتحدة.
وكان أبرز ما حدث في هذه الفترة هي “عملية ثعلب الصحراء”، وهي حملة قصف، أمر بها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، استمرت أربعة أيام في كانون الأول 1998، لكن لم تدخل أي قوات للعراق في هذه الفترة.
غزو ​​العراق (2003-2011)
غزت الولايات المتحدة وحلفاؤها العراق واحتلته عام 2003، أي قبل 16 عامًا، لذلك ربما يكون أورورك قد بدأ روايته بشكل صحيح من هنا، حيث أصدر الكونجرس في أكتوبر 2002 قرارًا يسمح بالهجوم على العراق لإجباره على التخلي عن أسلحة الدمار الشامل -الأسلحة التي تبين لاحقًا أنها غير موجودة-، لذلك، تم شن هذه الحرب لأسباب مختلفة عن حرب الخليج.
كانت حرب العراق قد خفت حدتها بشكل أساسي بحلول عام 2009، لكن بعض القوات الأمريكية بقيت هناك، ففي عام 2011، أعلن الرئيس باراك أوباما إنهاء المهمة الأمريكية، وتم سحب القوات المقاتلة في ديسمبر 2011.
التدخل في العراق (2014- حتى هذا اليوم)
بعد ظهور تنظيم داعش الإرهابي، أمر أوباما القوات الأمريكية بالعودة إلى العراق لمساعدة الأمة في صد التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا، وهي مهمة استمرت في عهد الرئيس ترمب.
لذا، فإذا أضفنا هذه المدة، فإن القوات الأمريكية تعمل منذ 12 عامًا تقريبًا على الأرض في العراق، على الرغم من أن أعداد القوات كانت صغيرة نسبيًا في بعض الفترات.
وقد أوضح كريس إيفانز، المتحدث باسم أورورك، “بأن حرب العراق لم تستمر 27عامًا؛ إنما المقصود أن الولايات المتحدة تشهد حربًا في العراق منذ 27 عامًا”، وأشار إلى أن أورورك عاد إلى عام 1991 – ليقول هناك 28 عامًا وذلك حسب نظرته للوقت- لأن” بيتو أورورك” كان طالبًا في المدرسة الثانوية عندما شاهد الرئيس “جورج دبليو بوش” يعلن القيام بعمل عسكري في العراق”.
وأضاف إيفانز، أن تصريحات أورورك مستوحاة من الجنرال ستيفن ويلسون، نائب رئيس أركان القوات الجوية، الذي حضر أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب في 3 تشرين أول 2017، وقال حينها: “إن 26 عامًا من القتال المستمر قد أدت إلى تحديد قدرتنا على الاستعداد ضد التهديدات المستقبلية المحتملة، سيناريوهات بأقل خطأ ممكن وأكبر خطر على الأمن القومي الأمريكي، هذه المعركة التي لا تتوقف، تقترن بميزانية غير مستقرة وخطوط رئيسة أقل من المخطط لها، حيث إن القوة الجوية للولايات المتحدة، تشهد الآن أقل وأقدم المعدات استخدامًا والأقل استعدادًا في تاريخها”.
لقد تبين أن الجنرال ستيفن ويلسون قال نفس الشيء تقريبًا في جلسة أخرى في 1 فبراير/شباط 2017، كجزء من دعوات منتظمة للحصول على تمويل إضافي لتحديث القوات الجوية عندما غطى قانون مراقبة الميزانية الإنفاق الدفاعي، ولم يكن النقاش في سياق العراق، إنما كان يتعلق فقط بالقوات الجوية.
لقد احتار الخبراء الذين سألناهم عن المقصود بإشارة أورورك إلى 27 عامًا من الحرب في العراق.
لقد قال، منسق البيت الأبيض لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومنطقة الخليج من 2013 إلى 2015، فيليب جوردون: “ليس من المنطقي حقًا التحدث عن الحرب في العراق منذ 27 عامًا حتى الآن، فقد كانت حرب الخليج عام 1991 حدثًا مميزًا له بداية ونهاية، وكان هناك تفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لطرد قوات الأمن العراقية من الكويت، وقد انتهت الحرب عندما تم إنجاز هذه المهمة”.
وأضاف: “في ديسمبر/ كانون أول 1998، قصفت إدارة كلينتون العراق لمدة أربعة أيام في عملية (ثعلب الصحراء)، وكان الهدف من تلك العملية هو كبح برامج صدام الصاروخية والنووية، ويبدو أن هناك من يحاول أن يوسعها جدالًا في القول إنها كانت جزءًا من نفس حرب طرد العراق من الكويت عام 1991.
وفي عام 2003، خاضت الولايات المتحدة الحرب ضد العراق مرة أخرى، ولكن بتصريح جديد من الكونغرس ومنفصل عن حرب عام 1991، وبمهمة مختلفة، وقد كان AUMF (تفويض استخدام القوة العسكرية) لعام 2002 يتعلق بالتعامل مع برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة، ومن الواضح أنه لم يتكلم عن طرد قوات العراق من الكويت”.
وقال الخبراء أيضًا إنه من المؤكد أن إدارة جورج دبليو بوش استخدمت بدائل دبلوماسية قبل التوجه إلى الحرب، مما أعطى صدام حسين خيارًا للانسحاب من الكويت، وهذا هو أحد أسباب الدعم الدولي القوي للغاية، إلا أن إدارة جورج دبليو بوش لم تتحرَّ البدائل كافة “سلمية ودبلوماسية وغير عنيفة” عام 2003، ويعزى ذلك جزئيًا إلى أن البيت الأبيض كان يعتزم الإطاحة بصدام حسين.
وقال فيليب د.زيليكو، الذي عمل في إدارتي بوش كواحد من كبار صانعي السياسات: “هناك حقيقة مفادها أن الجهود الدبلوماسية للأمم المتحدة قد توقفت في وقت مبكر جدًا عام 2003، ولهذا السبب فشلت في محاولة إصدار قرار ثانٍ من مجلس الأمن الدولي”.
وعلى الرغم من الارتباك حول حساب أورورك لمدة الحرب في العراق، يرى الخبراء أن نقده يستحق النظر.
قال جون.ب.ألترمان، نائب الرئيس الأول لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية “إن حكومة الولايات المتحدة استخدمت عددًا من الأدوات الدبلوماسية والعسكرية في خدمة أهداف مختلفة وإستراتيجيات مختلفة في العراق على الأقل منذ عام 1980، من بيع الأسلحة إلى حظر الأسلحة والمشاركة والعزل ونشر وسحب القوات والمدربين، لقد جربنا كل شيء في مرحلة ما، فلم ينجح أي منها، على افتراض أن “عدم النجاح ” يعني أنه لم يعد علينا الاهتمام بالعراق بعد الآن.
“إن النقطة التي أوافق فيها كون نقده صحيحًا هو أننا تبنينا عملاً عسكريًا سريعًا وحاسمًا دون التفكير كيف نريد أن تكون الأشياء وما هي التكلفة للوصول إلى هناك، وهذا يضعنا في مستنقع التكاليف المستقبلية – العسكرية والاقتصادية – التي لم نأخذها في الاعتبار”.
وقال زيليكو: “بالطبع، فهو يقدم حجة سياسية حول حرب لا نهاية لها، أما ثقافيًا، يشعر الناس بذلك، ومن الناحية السياسية، إنها حجة قوية ولكن الظروف والأسس الموضوعية تختلف كثيرًا، إلا إذا كان يريد حقًا أن يقول إن الولايات المتحدة كان عليها أن تبتعد عن كل هذه المخاوف”.
وقال جوردون: “أعتقد أن النقطة الأساسية في رأي أورورك هي صحيحة، حيث ينبغي لنا أن ندرس التكاليف والتعقيدات طويلة الأجل لهذه الحروب، والتي يبدو أنها دائمًا تكون ذات عواقب ونتائج غير مقصودة، واستنفاد جميع الخيارات الدبلوماسية قبل إطلاق الحروب”. “لكن فيما يتعلق بوجهة النظر الضيقة، فإنني أرى أننا لم نكن في حالة حرب مع العراق منذ 27 عامًا”.

المصدر: مقال “جلين كيسلر” (واشنطن بوست)