تحمل التوترات المتصاعدة مع طهران وجوه تشابه مع الفترة التي سبقت الحرب عام 2003، وأهمها: وجود جون بولتون وتقول إدارة ترمب إنها لا تريد حرب مع إيران إلا أن عديدًا من أفعالها تشير إلى خلاف ذلك.
منذ عام 2015، وهو العام الذي شهد انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الاتفاق النووي الإيراني، صعدت إدارته بشكل دراماتيكي التوترات مع ايران من خلال إعادة فرض العقوبات، وخنق جميع صادرات النفط الإيرانية، وتصنيف الحرس الثوري الإسلامي بأنه جماعة إرهابية، ومؤخرًا، إرسال حاملة طائرات إلى الشرق الأوسط، وفي المقابل ردت إيران على ذلك، حيث أعلنت يوم الأربعاء الماضي أنها ستبدأ انسحابًا جزئيًا من الاتفاق النووي، وهي خطوة يخشى منها منتقدو ترمب بأنه قد يستخدمها لتبرير هجوم على إيران.

إن سياق الأحداث الحالية تشير إلى احتمالية وقوع، سياسة ترمب تجاه إيران، بين يدي مستشار الأمن القومي جون بولتون، أحد صقور الكونغرس الذي دعا مراراً وتكراراً إلى تغيير النظام في طهران وكان شخصية رئيسة دفعت للحرب مع العراق منذ ما يقرب عقدين من الزمان.
حيث يلاحظ بعض المراقبين أوجه التشابه مع الفترة التي سبقت غزو العراق في عام 2003، وليس أقلها وجود بولتون نفسه -وهذه المرة في دور أقوى بكثير من الدور الذي لعبه في ذلك الوقت-، ويشعر المراقبون بالقلق من موقف بولتون، الذي كان بمنصب وكيل وزارة الخارجية في أواخر عام 2002 وأوائل عام 2003، وكان مدافعًا عنيفًا عن الحرب واتهم بالتلاعب بمعلومات المخابرات لتبرير الغزو، وقد صرح عام 2015 إنه لم يندم على دوره في الحرب ضد العراق، في الوقت الذي أصبح فيه يُنظر الى حرب العراق على نطاق واسع بأنها كارثة إستراتيجية.

لقد أعلن بولتون شخصيًا، وليس الرئيس أو وزير الدفاع بالنيابة باتريك شاناهان، هذا الأسبوع وباسم إدارة البيت الابيض أن “يو إس إس” أبراهام لنكولن، وهي سفينة حاملة طائرات هجومية، ومجموعة مؤلفة من أربعة قاذفات بي 52 ذات قدرة نووية، وقد تم إرسالها إلى الشرق الأوسط، حيث قال “الهدف من ذلك هو إرسال رسالة واضحة لا لبس فيها إلى النظام الإيراني مفادها أن أي هجوم على مصالح الولايات المتحدة أو على مصالح حلفائنا سوف يقابل بقوة لا هوادة فيها”، وحسب مصادر فإن إدارة ترمب كانت تحلل معلومات عن تهديدات إيرانية قد استلمتها من الحكومة الإسرائيلية بإشراف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي لديه سجل حافل بمحاولة إثارة الأعمال العسكرية ضد إيران.
لقد تفاجأ بعض مسؤولي الأمن القومي في واشنطن من إعلان بولتون بنفسه عن نشر قوات في الخليج، حيث قال جريج ثيلمان، وهو مسؤول سابق كبير في الاستخبارات في وزارة الخارجية كان يعمل تحت قيادة بولتون واختلف معه قبل الغزو الأمريكي للعراق، “لم أسمع أبدًا بحدوث ذلك سابقًا، إنه أمر غير مسبوق، مستشار للأمن القومي يعلن بيانًا بسلطته الخاصة، هذا لم يحدث حتى في حرب العراق.”
وقد كتب اثنان من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين يوم الأحد الماضي، توم أودال وديك دوربين، في مقالة افتتاحية في صحيفة واشنطن بوست، قالا فيها “بعد مضي ستة عشر عامًا على الغزو الأمريكي للعراق، نتحرك مجددًا نحو صراع آخر غير ضروري في الشرق الأوسط استنادًا إلى منطق خاطئ ومضلل”.
ويرى منتقدو ترمب أن الحالة مع إيران هي أكثر خطورة ومجازفة؛ لأن إيران أكبر بكثير عسكريًا مما كان عليه العراق في حينه، وأن الاتفاق النووي الإيراني ربما كان يحافظ على السلام بشكل أفضل من العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على صدام حسين منذ عقدين.
وقال تيلمان: “يبدو لي أن ما تقوم به الولايات المتحدة وكأنه جهد واضح لدفع الإيرانيين إلى البدء بهجوم”، “وهناك أوجه تشابه واسعة مع العراق، فعندما كان العراق تحت الضغط، كان يسمح لمفتشي الأمم المتحدة بالدخول إلى صواريخه وتفكيكها، ولم يحدث هذا الإجراء فرقاً على الإطلاق، وأظن أن هذا بالضبط ما سيحدث الآن، لقد كانت إيران تتصرف بحذر إلى حد ما بما يتوافق مع الاتفاق النووي، وفي المقابل فإن الولايات المتحدة لم تفعل ذلك”.
أحد الاختلافات بين حالة العراق عام 2003 وإيران اليوم هو أنه في الوقت الحالي على الأقل لا توجد خطة أمريكية لغزو إيران.
ومع ذلك، يرى النقاد مثل تيلمان أن هناك محاولة للاستفزاز مماثلة لما قامت بها إدارة جورج دبليو بوش ضد صدام، واستخدام الذرائع لفتح الطريق أمام الهجمات الأمريكية.
وقال لورين ديجونج شولمان، المسؤول السابق في البنتاغون، وحاليًا يعمل في مركز الأمن الأمريكي الجديد: “أتساءل ما إذا كان هذا يشبه حرب العراق لأن بولتون يريد حربًا مع إيران وهو يبحث عن فرصة”، وأضاف: “تستجيب وزارة الدفاع لأولويات واهتمامات بولتون بسرعة وبدون كثير من المداولات، ويريد بولتون أن يصور للرأي العام بأنه هو من يوجه السياسة الأمريكية تجاه إيران”.
لم يخف مستشار الأمن القومي رغبته المستمرة في تغيير النظام في طهران، حيث كتب في مقالة افتتاحية عام 2015 أن “الحل الحقيقي لبرنامج الأسلحة النووية لآيات الله هو التخلص من آيات الله”.
ومؤخرًا وبالتحديد في الذكرى الأربعين للثورة الإسلامية في فبراير/ شباط، أعلن في شريط فيديو، أصدره البيت الأبيض، موجهًا إلى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي: “لا أعتقد أنه سيكون لديك عديد من الاحتفالات السنوية الأخرى للاستمتاع بها”.
كما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال في يناير الماضي، أن بولتون مستشار مجلس الأمن القومي قد طلب من البنتاغون تزويد البيت الأبيض بخيارات عسكرية لضرب إيران بعد أن أطلق مسلحون قذائف الهاون على بغداد.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك بعض الأدلة على أنه منذ اللحظة الأولى لتعيين بولتون، وضح أن المواجهة مع إيران هي ضمن أجندته الرئيسة، كما أن ترمب، الذي تردد في توظيف بولتون في بداية إدارته حسب بعض التقارير، قد أطاح بمستشار الأمن القومي السابق هـ. مكماستر وعين بولتون قبل أسابيع فقط من انسحابه من الاتفاق النووي مع ايران، كما تم إقالة وزير الخارجية آنذاك ريكس تيلرسون في وقت لاحق لإفساح المجال أمام أحد الصقور المتشددين مايك بومبيو.
وقيل إن مكماستر و تيلرسون كانا يؤيدان إيجاد طريقة للحفاظ على المعاهدة النووية الإيرانية.
كذلك يبدو أن قائد القيادة المركزية الجديدة، الجنرال كينيث ماكنزي، متفق مع بولتون بشأن الخطر الذي تشكله إيران على الولايات المتحدة وحلفائها، حيث أمضى ما يقارب نصف خطابه الذي استغرق 30 دقيقة في واشنطن يوم الأربعاء الماضي في التحذير من نشاط طهران الخبيث وطموحها في جميع أنحاء العالم.
وقال ماكينزي: “إن التهديد الطويل الأجل والأكثر أهمية للاستقرار في منطقة عمليات القيادة المركزية هو إيران”، مضيفًا أن طهران مسؤولة عن مقتل أكثر من 600 من أفراد القوات الأمريكية في العراق، وفي الوقت الذي رأى فيه مجموعة من النقاد أن الحركة الأخيرة للقوات الأمريكية في المنطقة تعد عرضًا رمزيًا للقوة، أصدر ماكنزي تهديدًا ضمنيًا بأن الولايات المتحدة لن تتردد في استخدام القوة الشديدة.
وقال ماكينزي: “في الوقت الذي لا نسعى فيه إلى الحرب، يجب على إيران ألا تخلط بين نهجنا المتأني وبين عدم الاستعداد للقيام بما هو مطلوب”، “نحن نملك قوة من ذوي الخبرة وجاهزية للمعركة مع أفضل المعدات والتدريب في العالم”، وعلى الرغم من أن شاناهان أخبر النواب أن البنتاغون قد تلقى “معلومات استخبارية موثوقة للغاية” يوم الجمعة حول تهديد وشيك من إيران، فإن الإدارة لم تقدم تفاصيل محددة، مما أثار أسئلة بدت مألوفة وتكررت منذ ما يقارب العقدين، في ذلك الوقت، اتهم عدد من خبراء الاستخبارات في وزارة الخارجية بولتون بالتلاعب بمعلومات المخابرات بشأن العراق لتبرير وجهات نظره المتشددة وتهديد أولئك الذين اختلفوا معه.
لقد دفع أداء بولتون في الفترة التي سبقت حرب العراق، إلى جانب حالات أخرى من السلوك العدواني، السناتور الديمقراطي آنذاك جو بايدن الى اتهام بولتون، في جلسة أولية لتولي الأخير صفة سفير للأمم المتحدة في أيار/ مايو 2005، بعدم الأمانة.
حيث قال بايدن: “أولاً، سعى السيد بولتون مراراً إلى إقالة محللي الاستخبارات الذين اختلفوا معه”، وأضاف لاحقًا أن تصويته المبدئي المؤيد لقرار حرب العراق قد تأثر زوراً بإساءة استخدام إدارة بوش لمعلومات وكالة الاستخبارات الأمريكية”.
“ثانياً، حاول السيد بولتون مرارًا وتكرارًا، في الخطب والشهادات، تطويع معلومات وكالة الاستخبارات بما يتناسب مع آرائه، ثم عاد مرارًا وتكرارًا إلى الاستخبارات للحصول على الحقائق التي يريدها”.

المصدر : فورن بولسي