سلم وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، المسؤولين العراقيين عندما التقاهم الأسبوع الماضي في بغداد، رسالة مختصرة وواضحة، بعد تصاعد التوترات بين أمريكا وإيران، مفادها: “إن لم تقفوا بجانب الولايات المتحدة، فقفوا جانبًا”.
تؤكد الرسالة التي نقلها إلى أسوشيتد برس مسؤولان في الحكومة العراقية، على حساسية موقف العراق كون حكومته متحالفة مع كلا الجانبين وهما في مواجهة متصاعدة.
ومع زيادة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، هناك مخاوف من أن بغداد يمكن أن تقع مرة أخرى وسط الصراع، تماماً، في الوقت الذي تحاول فيه إعادة توازنها، وتستضيف البلاد أكثر من 5000 جندي أمريكي، وهي موطن لميليشيات قوية تدعمها إيران، ويطالب بعض تلك المليشيات بمغادرة القوات الأمريكية.
يقول المحلل السياسي العراقي واثق الهاشمي “السؤال المهم هو كيف سيتعامل الزعماء العراقيون مع مصالحهم الوطنية في بلد ينتشر فيه الولاء للقوى الخارجية على حساب أمتهم”، “إذا لم تستطع الدولة وضع هذه (الميليشيات المدعومة من إيران) تحت السيطرة، فسيصبح العراق ساحة لنزاع مسلح أمريكي إيراني”.
وعلى الرغم من تصاعد حدة الخطاب من قبل الجانبين، إلا أن الرئيس دونالد ترمب أعلن أنه لا يريد حربًا مع إيران وهو منفتح للحوار، ومع ذلك فإن التوتر ما زال شديدًا في منطقة لم تعرف الاستقرار منذ فترة طويلة.
أن يكون العراق مسرحًا للحروب بالوكالة ليس بالأمر الجديد، فالعراق ذو الغالبية الشيعية يقع على الخط الفاصل بين إيران الشيعية والعالم العربي الذي تقطنه أغلبية سنية وتقوده المملكة العربية السعودية، والعراق منذ فترة طويلة هو ساحة صراع للمنافسة السعودية الإيرانية حول النفوذ الإقليمي.
خلال الوجود العسكري الأمريكي الذي بدأ بغزو العراق عام 2003 واستمر ثماني سنوات، خاضت القوات الأمريكية وميليشيات تدعمها إيران معارك ضارية في جميع أنحاء البلاد، وقُتل وجُرح العشرات من القوات الأمريكية على أيدي قوات الميليشيات المسلحة بأسلحة إيرانية متطورة.
لقد انسحبت القوات الأمريكية من العراق عام 2011 لكنها عادت عام 2014 بدعوة من العراق للمساعدة في قتال تنظيم الدولة الإسلامية بعد أن فرض سيطرته على مناطق شاسعة شمال وغرب البلاد، بما في ذلك الموصل ثاني أكبر مدن العراق، حيث قدم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة دعمًا جويًا حاسمًا وأعادت القوات العراقية تجميع صفوفها وطردت داعش في حملة مكلفة لمدة ثلاث سنوات، علمًا بأن الميليشيات المدعومة من إيران قاتلت إلى جانب القوات العراقية المدعومة من الولايات المتحدة ضد داعش، واكتسبت نفوذاً وقوة.
حاليًا، وفي ظل الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، أصبح العراق مرة أخرى عرضة للانخراط في لعبة القوة، وبالتالي فإن أي هجوم يستهدف المصالح الأمريكية في العراق سيكون ضارًا بجهود البلاد التي بذلتها مؤخرًا لاستعادة وضعها في العالم العربي.
وفي وقت سابق من هذا العام، أثار ترمب غضب بغداد عندما قال إنه يريد إبقاء القوات الأمريكية في العراق حتى تتمكن من “مراقبة إيران”، وهي إشارة إلى تغيير مهمة القوات الأمريكية هناك.
وفي 8 مايو/أيار، قام بومبيو برحلة خاطفة، لم يعلن عنها مسبقًا، إلى العاصمة العراقية بعد الإلغاء المفاجئ لزيارة كان من المقرر أن يقوم بها إلى ألمانيا، حيث حصلت الولايات المتحدة على معلومات استخبارية أفادت بوجود تهديد إيراني وشيك للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.
وقال مسؤولان عراقيان، شريطة عدم الكشف عن هويتهما لسرية المعلومات، إن بومبيو نقل معلومات مخابراتية تلقتها الولايات المتحدة حول تهديد لقواتها في العراق إلا أنه لم يحدد طبيعة التهديد، وأضافا المسؤولان، أن بومبيو أبلغ العراقيين أن أمريكا لا تتوقع منهم أن يقفوا إلى جانبها في أي مواجهة مع إيران، لكن في نفس الوقت يجب عليهم ألا يقفوا ضدها، أي ضرورة وقوفهم على الحياد.
وبعد بضعة أيام، من استمرار التوترات الأمريكية الإيرانية، أمرت وزارة الخارجية جميع موظفيها في العراق غير الأساسيين وغير الطارئين بمغادرة البلاد.
وصرح مسؤولون في الإدارة الأمريكية أن بومبيو أبلغ العراقيين بأن الولايات المتحدة لها “حق أصيل في الدفاع عن النفس” وأنها ستستخدمه في حالة مهاجمة أفراد أو منشآت أو مصالح أمريكية من قبل إيران أو وكلائها في العراق أو في أي مكان آخر.
وأضاف المسؤولون الأمريكان الثلاثة، الذين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم، لعدم تخويلهم بالمناقشة العلنية للاجتماعات الخاصة في بغداد، أن بومبيو لا يفكر في أي ضربات وقائية ضد إيران أو استخدام الأراضي العراقية لشن عمليات عسكرية ضدها، وأن رسالة بومبيو كانت أن الولايات المتحدة تريد تجنب الصراع لكنها سترد أو تدافع عن نفسها إذا لزم الأمر.
كذلك صرح وزير الخارجية الأمريكي للصحفيين، على متن الطائرة، أن اجتماعاته مع الرئيس العراقي ورئيس الوزراء تهدف إلى إظهار الدعم الأمريكي لـ(سيادة العراق واستقلاله) وتحريره من النفوذ الايراني، والتأكيد على التزام العراقيين بحماية الأمريكيين في بلادهم.
كما صرح جنرال في وزارة الدفاع العراقية، شريطة عدم الكشف عن اسمه لأنه “غير مخول بالتحدث لوسائل الإعلام”، إن القوات العراقية قلقة من احتمالية استهداف فصائل موالية لإيران للقوات الأمريكية في العراق، وأضاف أن أي هجوم على القوات الأمريكية قد يأتي كرد انتقامي إذا نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية ضد إيران.
تأتي هذه التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة بعد عام من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي لطهران مع القوى العالمية، كذلك بعد أن أمر البيت الأبيض بإرسال حاملة طائرات وقاذفات قنابل إلى المنطقة بسبب تهديد ضد المصالح الأمريكية لم يعلن عن طبيعته.
وقال مسؤولون عراقيون يوم السبت إن موظفي شركة إكسون موبيل بدؤوا في إخلاء حقل نفط في محافظة البصرة بجنوب العراق، بينما أمرت دولة البحرين جميع مواطنيها في العراق وإيران بمغادرة البلاد على الفور.
كما أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة يوم الأحد أن أربع ناقلات نفط قبالة ساحلها الشرقي تعرضت للتخريب، وأعلن المتمردون الحوثيون اليمنيون المتحالفون مع إيران، يوم الثلاثاء، أنهم أطلقوا سبع طائرات بدون طيار لاستهداف المملكة العربية السعودية التي أعلنت لاحقًا أن طائرات بدون طيار استهدفت محطات ضخ على طول خط أنابيب شرق-غرب الحيوي بالمملكة وسببت أضرار طفيفة.
في شوارع بغداد، تجاهل البعض التوترات المتصاعدة بين الطرفين، بينما كان آخرون قلقين من أن بلادهم يمكن أن تدخل في حرب مرة أخرى.
قال عقيل الربيعي، مواليد 1981، إنه يشعر بالقلق من أن بلاده، التي كانت في حالة حرب منذ عام قبل ولادته، ستكون ساحة لتصفية حسابات الولايات المتحدة وإيران.
وأضاف الربيعي، وهو يقف داخل متجر مستحضرات تجميل في حي الكرادة ببغداد “لقد سئم العراقيون من الحروب”، “لا نريد أن يصبح العراق ساحة لحرب إيرانية أمريكية”.

المصدر: صحيفة (واشنطن تايمز)