كتب الدكتور مايكل ب. نونان، وهو مدير برنامج الأمن القومي بمعهد أبحاث السياسة الخارجية ومحارب قديم شارك في غزو العراق، قائلاً..
أثناء تأديتي للخدمة العسكرية في العراق، همس لي أحد ضباط الصف، كان معي في نفس المجموعة، قائلًا “افضّل أن أحاكم من 12 بدلًا من أن يحملوني 6” (عبارة تستخدم في شوراع أمريكا وتعني الأفضل أن أقتل شخص ما، وأحصل على فرصة للتملص أثناء المحاكمة، بدلًا من أن يقتلني هو ويحملني ستة أشخاص إلى المقبرة)، علمًا أن ضابط الصف هذا قد تم طرده من المجموعة لاحقًا؛ بسبب إهماله في مراعاة استخدام سلاحه أكثر من مرة، حيث كاد أن يقتلني في إحدى المرات أثناء تركيب مدفع رشاش M240 على سيارتي.
إن المعنى المقصود خلف العبارة أعلاه هو مزعج جدًا. نعم، تحدث أشياء سيئة للغاية في الحرب عندما تكون هناك حاجة لاتخاذ القرارات في جزء صغير من الثانية، لكن هؤلاء الرجال والنساء الذين يخدمون في قوة عسكرية منظمة يعرفون أن هناك قواعد وقوانين يجب اتباعها؛ وإلا فإن هؤلاء المحترفين ليسوا أفضل من الأعداء الذين يواجهونهم والذين لا يشعرون أحيانًا بأي التزام أخلاقي.
ظهرت تقارير تفيد بأن بيت هيغسيث، أحد مشاهير قناة فوكس نيوز، وواحد من قدامى المحاربين في العراق، قد ضغط على الرئيس ترمب لمنح عفو عن جنود متهمين بجرائم حرب في العراق، وتعد هذه سابقة خطيرة بالنسبة لأفراد القوات المسلحة، فهذا الإجراء سوف يبيّن أنهم دائماً على صواب بغض النظر عن الطريقة التي يعاملون بها العدو والمدنيين في ساحة المعركة، كذلك فإنه يمنحهم فرصة للهروب من العقاب بغض النظر عما يفعلون.
لقد سُلط الضوء على هذا الموضوع بعد الأنباء الأخيرة عن إصدار الرئيس ترمب عفوًا عن الملازم أول في الجيش السابق مايكل بيهنا، والذي تم إدانته بإعدام سجين عاري وأعزل في العراق عام 2008، واحتمالية صدور عفو عن كل من، المتهم المتعاقد مع شركة بلاكووتر “نيكولاس أ. سلاتن” وكذلك قائد العمليات البحرية الخاصة المتهم إدوارد غالاغر المتهم بقتل سجين مراهق مصاب، بالإضافة إلى جرائم حرب أخرى. وعضو القوات الخاصة ماثيو جولدستين المتهم بقتل سجين أعزل، إذا ما تم إدانتهم أو أحيلوا إلى المحاكمة. وكذلك أُدين بلاتن، وهو محارب قديم في الجيش، لدوره في قتل 17 عراقيًا وجرح 20 آخرين في بغداد عام 2007.
وتعد هذه الحالة مشكلة حقيقية، لأنها ستوحي لكل من يحمل السلاح بأنه يجوز لهم عدم اتباع القواعد والأنظمة، وأن لديهم ما يبرر قيامهم بأفعال مشابهة لتصرفات أعداؤهم بغض النظر عن مدى سوء التصرفات وبأنهم يستطيعون الهروب من أفعالهم، وبهذا فإنهم سيفتحون الطريق لأجيال المستقبل للقيام بنفس السلوك، كما أنه يعزز شعور التكافؤ الأخلاقي بين الولايات المتحدة والجهات الفاعلة مثل تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية، وبالتالي فإذا فعلنا ما يفعلونه، فكيف لنا أن ندّعي أننا أفضل منهم ؟
وهي مشكلة كبيرة أيضًا من حيث العلاقات مع الأصدقاء والحلفاء، فمثل هذه الحالات قد تجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للولايات المتحدة للتفاوض أو الإبقاء على اتفاقات وضع القوات (SOFAs) حيث تتضمن هذه الاتفاقات ما تسمح وما لا تسمح به الدولة المضيفة فيما يتعلق باستضافة القوات الأمريكية.
لقد تمكنت الولايات المتحدة من الحفاظ على رقابة النيابة العامة على قواتها في الماضي وكان يُنظر إليها على أنها ذات مصداقية فيما يتعلق بمساءلة القوات عن انتهاكها لقوانين الدولة المضيفة ومحاسبة أعضاء الخدمة على مراعاة قوانين النزاع المسلح. وبالتالي إذا أظهرت الولايات المتحدة أنها لن تفعل ذلك، فإن حكومات الدول المضيفة قد تتساءل عن سبب تنازلها لجزء من سيادتها من أجل السماح للقوات الأمريكية ببناء قاعدة عسكرية أو العمل داخل أو انطلاقًا من أراضيها.
إن التركيز في منطق عبارة الافتتاحية ، يعني أن أفراد القوات الأمريكية سيعتقدون أنهم يستطيعون فعل كل ما يحلو لهم بغض النظر عن النتائج. والحقيقة أنه لا يمكن للجنود المحترفين في بلاد الديمقراطية أن يتصرفوا بهذه الطريقة. فالحرب هي في النهاية إطلاق العنان للعنف من أجل تحقيق أهداف سياسية، ولكن هناك حدود لهذا العنف ويجب أن يكون هذا العنف موجهاً ومحاسباً. إن إصدار العفو عن هكذا جرائم هو عدم احترام لأفراد القوات العسكرية الذين يحاولون فعل الشيء الصحيح في ظل ظروف صعبة جدًا.

المصدر: مؤسسة الابحاث السياسية الخارجية / مايكل ب نونان