إن مسألة كيفية قراءة معلومات المخابرات الأمريكية بشأن التهديدات الإيرانية – وكيفية الرد عليها – هي في قلب النقاش حول التصعيد العسكري.
ذكر الكاتب مايك جيجليو ، انه عندما كانت باربرا ليف دبلوماسية أمريكية رفيعة المستوى في البصرة، جنوب العراق، كانت القنابل التي مصدرها إيران تسقط في أغلب الأحيان على المجمع السكني المقيمة فيه وتضايق مرافقيها. وقد أخبرته السيدة ليف قائلة ، “كان من الممكن أن ألقى حتفي في أي لحظة جراء قذيفة هاون أو عبوة ناسفة”.
وبين الكاتب، أن باربار ليف كانت في البصرة خلال عامي 2010 و 2011 ، عندما قاتلت القوات الأمريكية ضد الميليشيات التي تدعمها إيران. وقد أشرفت السيدة باربارا على إنشاء القنصلية الأمريكية في المدينة – التي أخلتها إدارة دونالد ترمب هذا الخريف، بعد الإشارة إلى تهديدات من نفس الميليشيات التي تدعمها إيران، قبل أن تقوم بإخلاء القنصلية في أربيل والسفارة في بغداد الشهر الماضي. ويشار إلى أن السيدة ليف تقاعدت مؤخراً بعد ثلاث سنوات كسفير في الإمارات العربية المتحدة، وهو منصب آخر تضمن إدارة نفس النوع من التهديدات الإيرانية التي تسلط عليها إدارة ترمب الضوء الآن. حيث تلقي الإدارة باللوم على إيران في هجمات مايو/ايار ضد أربع ناقلات نفط إماراتية. وقد أعلن مستشار الأمن القومي جون بولتون إنه سيقدم أدلة على ذلك قريباً إلى الأمم المتحدة.
وأوضح الكاتب، أنه يمكن لأي شخص راقب، خلال الشهر الماضي، الاستعدادات بشأن تصعيد عسكري محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، أن يلاحظ بسهولة حقيقة مهمة: وهي أن الأسلحة النووية لم تكن هي القضية. فلقد حوّل المسؤولون الأمريكيون مثل بولتون ووزير الخارجية مايك بومبو المواجهة بدلاً من ذلك نحو أنواع أخرى من النشاط الإيراني كتهديدات من وكلاء إيران ضد القوات الأمريكية، وهجمات مزعومة ضد مصالح الشحن ونقل صواريخ باليستية قصيرة المدى حول الخليج العربي.
في الواقع، نقلت إدارة ترمب الخط الأحمر للتصعيد العسكري من قضية الأسلحة النووية إلى مجموعة واسعة من الأنشطة الإيرانية الأكثر شيوعًا. لقد تفاجأت إيران بهذه التحذيرات الواسعة. فقد حذر بولتون إيران الشهر الماضي من أن “أي هجوم على مصالح الولايات المتحدة أو على مصالح حلفائها سوف يقابل بقوة لا هوادة فيها” وهو من أعلن أنه سيتم إرسال السفن الحربية الأمريكية إلى المنطقة.
ويضيف الكاتب أن باربارا ليف، وهي حاليًا زميل زائر في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، طرحت الأسئلة التالية “ما هي مصالح الولايات المتحدة؟ ومن هم “حلفاؤها” وماهي مصالحهم؟ وأجابت “أن التهديد مترهل وواسع للغاية، لذلك كان على إيران اختبار مداه، والإيرانيون يمكن أن يجربوا حظهم”.
ويرى الكاتب أن هذا هو المكان الذي استقر فيه ضباب الحرب، حول كيفية قراءة والاستجابة للتهديدات طويلة المدى من إيران التي تقع خارج نطاق النشاط النووي. لقد استشهدت إدارة ترمب بتقارير المخابرات الأمريكية لتقول إن مثل هذه التهديدات تتزايد، وتلا ذلك نقاش حول ما تقصده وكالة الاستخبارات الأمريكية بذلك. فلا يمكن أن يتم تشخيص هذا المجال الغامض من البيانات السرية والتهديدات غير المتماثلة من فراغ وإنما يتطلب فهم سياق التنافسات الإقليمية الطويلة والمعقدة.
واليوم، في العراق، شهدت الميليشيات نفسها التي كانت تدعمها إيران والتي قاتلت القوات الأمريكية ذات يوم انبعاثُا جديدًا بفضل الحرب مع الدولة الإسلامية. فهم يتمتعون بسلطة سياسية متنامية ويفوقون بكثير عدد الجنود الأمريكيين المتمركزين في البلاد. لقد كان الطرفان متحالفان ضد داعش، لكن مع تراجع داعش وتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، أصبحا محصوران في علاقة غير مستقرة.
وقال الكاتب، ان سيث مولتون، المرشح الديمقراطي للرئاسة والنائب عن ولاية ماساتشوستس والذي سبق وخدم 4 دورات كضابط في مشاة البحرية في الحرب ولا يزال يحتفظ بالعداء لوكلاء إيران الذين حاربهم في ذلك الوقت والذي تلقى مثل أعضاء آخرين في الكونجرس إحاطة سرية بتقارير المخابرات الأخيرة، قد أخبره أن إدارة ترمب قامت بتضخيمها، أي “لعب تهديد قديم”، على حد تعبيره، على أمل جعل الموقف يبدو أكثر خطورة. حيث قال سيث، “لا يمكننا التقليل من شأن التهديد الإيراني. إنه حقيقي و مهم. إنهم يريدون قتل الأمريكيين، ولا شك في ذلك”، وأضاف سيث ” لكن السؤال هو، كيف يمكننا الرد بشكل فعال؟ والمبالغة في التهديد أو تصعيد التوتر ليست فكرة حكيمة”.
وفي حين يذكّر منتقدي سياسة ترمب تجاه إيران بشبح حرب العراق، التي شهدت قيام إدارة جورج دبليو بوش بالتلاعب بمعلومات المخابرات حول أسلحة الدمار الشامل لتبرير الغزو، قال مولتون إن هذا تشبيه خاطئ. لقد كان ترمب واضحًا بأنه لا يريد عملية عسكرية مكلفة في الشرق الأوسط. وأضاف مولتون إن الخطر الأكبر يتمثل في التورط في الحرب عبر تصعيد غير مخطط له، كما كان الحال في فيتنام، حيث أدت المواجهة البحرية في خليج تونكين إلى اندفاع الولايات المتحدة إلى عمق النزاع. وهو قلق بشأن “وقوع حادثة تقود إلى مواجهة وهناك ستقول الإدارة: “لا عودة الآن”.
ويرى محللون إن التحركات الأمريكية الأخيرة بتحريك السفن الحربية ونقل بطارية صواريخ باتريوت إلى المنطقة، والإعلان عن خطط لإرسال عدد صغير نسبياً من القوات الإضافية كقوة حماية، لم تكن استفزازية. إلا أن ترافق هذه التحركات، مع الخطاب العدواني والإنذارات النهائية من بولتون وغيره، هي التي أثارت المخاوف.
وتجدر الإشارة إلى تحرك ترمب لتهدئة المخاوف في الآونة الأخيرة، وأصر بأنه لا يريد حربًا أو حتى تغيير النظام. ومع ذلك، فإن منتقديه يشعرون بالقلق من أن التصعيد العسكري أمر ممكن، لن يصل إلى مستوى الغزو، ولكن غارات محدودة – خاصة إذا كان الهجوم الذي قامت به إيران أو أحد وكلاءها يسمح للمسؤولين الأمريكيين من الصقور بتأطير التحرك باعتباره دفاعًا عن النفس. وعندما سئل ترمب يوم الأربعاء عما إذا كان يفكر في القيام بعمل عسكري ضد إيران، أجاب: “هناك دائمًا فرصة”.

المصدر: ذا أتلانتيك / مايك جيجليو