لقد كان من الواضح في السياسة العراقية منذ الغزو الأمريكي عام 2003 ، أنه كلما زادت حدة الخصومة بين الولايات المتحدة وإيران، أصبحت الحكومة العراقية أضعف. فالمنافسة بين الداعمين الخارجيين الرئيسين للعراق تستقطب سياستها وتشل العمليات اليومية. 

الآن ومع تصاعد التوترات بين طهران وواشنطن، يمكن للعراق أن يكون مرة أخرى ساحة معركة سياسية ومادية، وهذا سيخل بالتوازن الداخلي الهش ويزيد من حدة الاضطرابات الإقليمية.

وفي الوقت الذي توجد فيه احتمالية أن تواصل الولايات المتحدة وإيران هذا التصعيد المتبادل، فإن القيادة العراقية ليست مضطرة أن تقبل بأن تكون ضمن الاضرار الجانبية. وإنما يجب عليها أن تقلل من اعتمادها الثنائي على واشنطن وطهران.

وتجدر الإشارة إلى أن واشنطن قد دعمت نظام صدام حسين، في الثمانينات، في حربه التي استمرت ثماني سنوات مع إيران.

ولحماية مصالحها، عززت طهران علاقاتها مع القيادة في بغداد بعد عام 2003، حيث كان بعض أعضائها لاجئين في إيران كمعارضين لنظام صدام حسين، ودعمت الميليشيات العراقية المتحالفة معها. وبالتالي اكتسبت نفوذاً كبيراً في العراق المحتل في الوقت نفسه من قبل الولايات المتحدة.

وذكر كاتبًا المقالة أن مسؤول أمني إيراني رفيع المستوى قد أخبرهما في العام الماضي أن العراق هو المسرح المحتمل لأي رد فعل غير متماثل. وقال “يمكننا إضافة مزيد من الوقود إلى الحرب المشتعلة في اليمن، لكن ذلك لن يؤثر بشكل مباشر على الولايات المتحدة”. “العراق هو المكان الذي نتمتع فيه بالخبرة، والقدرة على التنصل من المسؤولية بشكل معقول، والقدرة اللازمة على ضرب الولايات المتحدة بشكل مؤثر”.

بعد زيارة ترمب غير المعلنة في ديسمبر للقوات الأمريكية بقاعدة عين الأسد الجوية غرب العراق، قام وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، بزيارة استغرقت 5 أيام إلى عدة مدن عراقية. وتبعه الرئيس حسن روحاني بزيارة مماثلة في مارس/آذار. إن تصريح ترمب في فبراير/شباط الماضي بأنه يريد الإبقاء على القوات الأمريكية في العراق لمراقبة إيران باعتبارها مشكلة حقيقية صعد من حدة التوترات مع إيران، وقد أجاب الرئيس العراقي برهم صالح: “لا تثقل كاهل العراق بقضاياك الخاصة.. نحن نعيش هنا.”

اليوم، تنافس الولايات المتحدة وإيران دفع طهران نحو تعزيز علاقاتها مع تحالف الفتح (مجموعة نواب في البرلمان كانوا قادة للحشد الشعبي) لمنع الاتفاق على تولي الحقائب الوزارية الرئيسة الدفاع والداخلية.

في مارس / آذار، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية “حركة النجباء”، وهي ميليشيا شيعية عراقية، متهمة بتلقي الدعم المالي والعسكري من فيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني (IRGC) ، في القائمة السوداء. وفي أبريل/نيسان، صنفت إدارة ترمب الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية أجنبية.

ويرى كاتبًا المقالة أن هذه القرارات يمكن أن تأتي بنتائج عكسية. ويمكن أن تدفع المجموعات شبه العسكرية المدعومة من إيران (والتي تعمل حاليًا تحت مظلة الحشد الشعبي وجزءًا قانونيًا من قوات الأمن العراقية، فضلاً عن المسؤولية الإسمية من قبل رئيس الوزراء) إلى خارج نطاق سيطرة عبد المهدي وتعزيز قدرتها لتتفوق على القوات الحكومية الأخرى من الجيش والشرطة وبالتالي ستتنافس مع دولة مركزية ضعيفة. علاوة على ذلك، شارك عديد من القادة شبه العسكريين في انتخابات مايو 2018، وفازوا بمقاعد في البرلمان. وإدراجهم في القائمة السوداء سيشجعهم على استخدام سلطتهم السياسية لتحدي الوجود الأمريكي في العراق.

وأشار الكاتبان إلى أن إدارة ترمب لا تسعى فقط إلى امتثال العراق للعقوبات، وإنما لحشد دعم العراق النشط في الحملة ضد إيران وتستخدم التهديد بإنهاء القروض وحجب أموال تثبيت الاستقرار لتحقيق هذه الغاية.

وعلى الرغم من أن العقوبات الأمريكية الثانوية قد تؤذي العراق، إلا أن فكرة أن التعاون الاقتصادي بين العراق وإيران سينتهي نتيجة لذلك هو من الخيال. فعلى مدى السنوات الـ 16 الماضية، تعمد الإيرانيون دمج الاقتصاد العراقي باقتصاد بلدهم، وهم ليسوا مستعدين للتخلي عن استثماراتهم.

فقد أشارت الأرقام الأولية لشهر مارس/آذار 2018 – فبراير/شباط 2019 إلى أن صادرات إيران إلى العراق بلغت 12 مليار دولار – بزيادة 45% مقارنة بالعام السابق – وأعلن البلدان إنهما يهدفان إلى زيادة التجارة الثنائية إلى 20 مليار دولار في السنوات القليلة المقبلة.

وفي مواجهة العقوبات الأمريكية على إيران، فإن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يتمتعون بدرجة عالية من الإجماع على سياسة العراق. وذلك واضح من خلال إرسال وفود رفيعة المستوى من الاتحاد الأوروبي إلى العراق وهو إشارة إلى تصميم أوروبا على الاستمرار في معاملة العراق كشريك متميز. وهو مسعى نحو تخفيف الأثر المدمر للتنافس الأمريكي الإيراني. وفي تعبير عن صحة توجه السياسة العراقية، تواصلت الحكومة العراقية مؤخرًا مع الكويت والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

إن استقرار العراق الحالي، مع انخفاض حاد في العنف على مدى العامين الماضيين، حقيقي لكنه هش. لقد حاول القادة العراقيون، في مراحل مختلفة، تنويع السياسة الخارجية للعراق، لكن الصراع الداخلي على السلطة داخل الأحزاب السياسية وفيما بينها دفعهم دائمًا إلى الانقسام الثنائي بين الولايات المتحدة وإيران، مما جعل البلاد عرضة للتحولات الخارجية. ويبدو أن حكومة عبد المهدي، أكثر من سابقاتها، في وضع يمكنها من تحقيق هذه المهمة لأن البقاء السياسي لقادتها يعتمد على قدرتهم على تحقيق التوافق بين القوى المتصارعة بعيدًا عن دوائرهم الانتخابية. ومن مصلحة واشنطن وطهران وبقية المنطقة على المدى البعيد نجاح هذه المهمة.

المصدر:فورن بولسي/ماريا فانتابية، علي فايز