في ظل ضغوط هائلة من الولايات المتحدة، أعلن رئيس الوزراء العراقي “عادل عبد المهدي”، في 1 يوليو / تموز، أن الميليشيات التي تدعمها إيران ستخضع من الآن لسيطرة الحكومة العراقية. إلا أنه من غير المحتمل أن يكون قادرًا على تنفيذ مرسومه.

يتحول العراق بسرعة، من دون إرادته، إلى ساحة معركة في الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، ويبدو أن بعض الميليشيات الطائفية هناك، والمعروفة باسم قوات الحشد الشعبي، تقوم بمزايدات لصالح إيران.

في 19 مايو/ أيار، سقط صاروخ بالقرب من السفارة الأمريكية في بغداد. وألقت الولايات المتحدة باللوم على إيران ووكلائها في العراق، بما في ذلك قوات الحشد الشعبي، في هذا الهجوم.

وفي نفس الشهر، زُعم أن الميليشيات استهدفت منشآت النفط السعودية من الأراضي العراقية، وعلى الأرجح أن إيران دفعتها للقيام بذلك رداً على العقوبات الأمريكية على صناعتها النفطية، إلا أن هناك شكوك حول الادعاء بأن ميليشيا الحشد متورطة في العملية، ومع ذلك، تفيد التقارير أن المملكة العربية السعودية تنشر أنظمة مراقبة جوية على الحدود مع العراق، وفقًا لمصادر إعلامية باللغة العربية، إلا أن هذا لم يتم تأكيده من المسؤولين السعوديين.

وفي يونيو/ حزيران، أوردت تقارير وسائل الإعلام العراقية أن الميليشيات اقتحمت السفارة البحرينية في المنطقة الخضراء شديدة التحصين في بغداد للاحتجاج على مؤتمر رعته الحكومة البحرينية الشهر الماضي للترويج لخطة سلام إسرائيلية فلسطينية ابتكرها البيت الأبيض، وأن أمر اقتحام السفارة قد صدر من قبل قائد الحرس الثوري الإيراني الشهير قاسم سليماني.

حتى لو كانت بعض الادعاءات ضد الميليشيات العراقية المدعومة من إيران صحيحة، فإن بعض المراقبين في الولايات المتحدة والعراق يعتقدون أن طهران تستخدم وكلاءها في العراق للرد على العقوبات الأمريكية التي وضعت الاقتصاد الإيراني في أزمة حادة، قللت من قدرة إيران على تمويل عملائها، وعززت الاحتجاجات الداخلية.

وبغض النظر عن العبارات الشفوية، فهناك القليل مما يمكن للحكومة العراقية فعله للرد على تصرفات الميليشيات المدعومة إيرانيًا. وقال هشام الهاشمي، الخبير الأمني ​​المعروف في العراق، “إن القانون العراقي يشترط أصلا أن تكون الميليشيات تحت سيطرة الحكومة العراقية، لكنه يشك في تنفيذ أي من هذه التعليمات. وإذا ماتم ذلك، فإن التمرد المسلح أو الاقتتال الداخلي بين الشخصيات السياسية الشيعية سيقوض هذه السيطرة بسرعة”.

من جانبه، يواجه “عادل عبد مهدي” تشككا عاما واسع النطاق. فالرأي العام العراقي منقسم بين غاضبين من الهيمنة السياسية والعسكرية لإيران على البلاد، وبين معارضين لدول الخليج ذات الغالبية السنية، وواشنطن ليست بعيدة عن ذلك أيضا، حيث يعتقد الكثير من العراقيين أن واشنطن ساهمت في التنافس السني – الشيعي الإقليمي عن طريق التخلي عن البلد الذي غزته عام 2003 وترك العراق ليدافع عن نفسه في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران من جهة وبين إيران والقوى الخليجية من جهة أخرى.

ووفقًا لأمر عبد المهدي، فإنه بحلول 31 يوليو/ تموز، يتعين على جماعات الميليشيات إغلاق مقراتها المحلية ومكاتبها الاقتصادية وأي نقاط تفتيش تسيطر عليها، وهو مرسوم يذهب إلى نطاق أوسع من محاولة سابقة من رئيس الوزراء السابق “حيدر العبادي”، الذي حاول أيضًا كبح نفوذ الميليشيات من خلال جعلهم جزءًا من قوات الأمن العراقية لكنه سمح لهم بالاحتفاظ بمقراتهم.

إن المشكلة التي تواجه “عبد المهدي” الآن هي أن القوة العسكرية والسياسية للميليشيات قد نمت مع مرور الوقت، ووفقا لصحيفة واشنطن بوست، فهناك ما لا يقل عن 23 ميليشيا فاعلة، ومنذ أن ساعدوا الحكومة العراقية على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، تمتعوا بحرية نسبية في المناطق الشيعية، الآن، بعد أن أعادت الدولة الإسلامية تنظيم نفسها في المراكز الحضرية في العراق، وفقًا لتقارير وسائل الإعلام الصادرة باللغة العربية ومصادر أمنية في بغداد، فإن الميليشيات تعتقد أنه لا يزال يتعين عليها القيام بدور جديد وبالتالي ليس من المرجح أن ترغب في التخلي عن نفوذها.

ما الذي يقلق عبد المهدي؟ جاء مرسومه في أعقاب زيارة مفاجئة في أيار/ مايو إلى العراق قام بها مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، الذي هدد بأنه إذا لم تقم الحكومة العراقية بالسيطرة على الجماعات، فإن الولايات المتحدة سترد بقوة، وفي الوقت نفسه، يتعرض عبد المهدي لضغوط للحد من البطالة المرتفعة في العراق والفساد الحكومي أو تقديم استقالته، وقد منحه الزعيم الشيعي مقتدى الصدر سنة واحدة من تعيينه رئيساً للوزراء لتنفيذ هذه التعهدات أو مواجهة احتجاجات حاشدة، والمهلة انتهت تقريبا.

لقد أعلن الصدر أنه يؤيد تمامًا قرار عبد مهدي، لكن هناك من يرى، إن الدافع وراء موقف الصدر – كما هو الحال دائمًا-، هو لتوسيع قاعدته الشعبية داخل العراق من أجل أن يكون بمثابة ثقل موازن للحكومة الحالية، ومع ذلك، فإن دعمه العلني لهذه الخطوة هو دعم لعبد المهدي.

من المؤكد، بغض النظر عما يقوله عبد المهدي والصدر، فمن غير المرجح أن تلتزم الميليشيات بتنفيذ القرار، إذا أرادت الولايات المتحدة المساعدة في تحرير العراق من قبضة إيران، فإن التصريحات وحدها ليست كافية، يجب على واشنطن الاستمرار في تدريب وتجهيز القوات المسلحة العراقية، كما يجب أن تعمل على مساعدة العراق على أن يصبح أكثر تحرراً من اعتماده الاقتصادي على إيران من خلال توفير موارد الطاقة البديلة، وأخيراً، ينبغي على واشنطن إرسال رسالة إلى الشعب العراقي مفادها أن أي قتال ضد إيران سيكون في مصلحة العراق كما هو في مصلحة الولايات المتحدة، فهكذا  قتال يمكن أن يعزز السيادة العراقية أيضًا.

فورن بولسي /جنيف ابدو