كتب “ريناد منصور” في مجلة فورن بولسي عن آخر قرار حكومي بشأن الحشد الشعبي فقال: أصدر رئيس الوزراء العراقي “عادل عبد المهدي” في الأول من يوليو/ تموز، مرسومًا رسميًا مفاده أنه في نهاية هذا الشهر، سيتم دمج قوات الحشد الشعبي بالكامل في القوات المسلحة الرسمية.
بالنسبة لمعظم المراقبين، كان ذلك بمثابة مفاجأة، تم تأسيس قوات الحشد الشعبي (PMF) من قبل رئيس الوزراء “نوري المالكي” عام 2014 رداً على انهيار الجيش العراقي والصعود السريع لما يسمى بالدولة الإسلامية، وخلّص معظم المحللين إلى أن هذه الجماعات شبه العسكرية والميليشيات الشيعية البالغ عددها 50 أو نحو ذلك كانت قوية للغاية بحيث لا يمكن دمجها مع مؤسسات الدولة الأخرى وأنها ستستمر في الظهور كجهات فاعلة عسكرية واقتصادية وسياسية مستقلة.
هل وجد عبد المهدي حلاً لما اعتبر مشكلة مستحيلة؟ لقد أكد على أن المجموعات ستتخلى عن أسمائها الفردية والانتماءات السياسية الأخرى، وبدلاً من ذلك ستأخذ أرقام الألوية والكتائب، وسوف يغلقون أيضا مكاتبهم الاقتصادية ويلتزمون باتباع قيادة رئيس الوزراء كقائد عام، وقد احتفل الكثيرون في العراق وفي جميع أنحاء المنطقة بالأخبار.
وأشار الكاتب إلى أنه من بين المؤيدين هم قادة الجماعات شبه العسكرية أنفسهم، فقد أكد قيس الخزعلي، الذي يتزعم ميليشيا عصائب أهل الحق؛ على دعمه لقرار رئيس الوزراء.
وبالمثل، أصدر رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر بيانًا بالدعم وأعلن حل كتائب سرايا السلام التابعة له، كما أيّد أعضاء حركة النجباء قرار عبد المهدي.
قد يتوقع المرء انتقادات شديدة من هؤلاء الزعماء، بالنظر إلى أن المصالح الاقتصادية والسياسية لمجموعاتهم تبدو مهددة بشكل مباشر بقرار رئيس الوزراء، لكن يبدو أنهم يفهمون شيئًا لم يفهمه معظم المراقبين، فعلى الرغم من أن السياسة الجديدة تنص على دمج ميليشيا الحشد الشعبي مع الدولة العراقية، إلا أنها لا تتطلب التبعية للدولة، وإذا كان هناك أي خطر فهو أن الدولة هي التي ستخضع نفسها للجماعات شبه العسكرية، وليس العكس.
بالنسبة لقادة الحشد، يقدم هذا المرسوم فرصة لتعزيز السلطة من داخل الدولة، يقول الكاتب: “في اجتماعاتي مع كبار قادة الحشد على مر السنين، أصروا دائمًا على أن أحد أهم أهدافهم هو الحصول على اعتراف رسمي من الدولة العراقية، من ناحية، كانت هناك حوافز مالية مرتبطة باكتساب سيطرتهم الرسمية على الوزارات والهيئات الحكومية، لكن الجماعات شبه العسكرية رأت أيضاً أن الانضمام إلى الدولة هو السبيل الواعد نحو الشرعية العامة”.
وأضاف الكاتب، يدرك قادة الحشد الشعبي أن العديد من العراقيين قد سحبوا دعمهم للميليشيات، ومنهم الشيعة العراقيين، لقد كان العراقيون الشيعة ينظرون إلى قوات الحشد الشعبي كقوة شبه مقدسة أثناء القتال ضد تنظيم الدولة “داعش”، لكن بمجرد انتهاء الحرب، بدأوا ينتقدون هذه القوات، على سبيل المثال، في البصرة، موطن ما يقدر بثلث مقاتلي الحشد، كانت هناك احتجاجات واسعة النطاق ضدهم لعملهم كدولة موازية، كما ألقى ناشطون محليون باللوم على ميليشيا الحشد في قتل 20 متظاهراً أو نحو ذلك في 8 و 9 سبتمبر 2018.
حدد أبو مهدي المهندس، قائد قوات الحشد، هدف تحويل منظمته من زمن الحرب إلى وقت السلم من خلال تطوير سلسلة قيادة أوضح (وأكثر رسمية) ودعم شعبي دائم، كانت خطوته الأولى توحيد هذه الميليشيات وتركيز عملية صنع القرار فيها، خلال الحرب، كانت قوات الحشد الشعبي موجودة كمنظمة شاملة للعديد من الجماعات شبه العسكرية التي تقاتل جميعها ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، لكن بعد أن فقد التنظيم سيطرته الإقليمية، بدأت هذه الجماعات في قتال بعضها البعض من أجل السلطة والشرعية والموارد، لذلك بدأ المهندس حملة لتطهير الأعداء الداخليين، والتي أشار إليها على أنها مجموعات “وهمية”.
لإكمال هذا التحول ، كان هدف المهندس النهائي هو تأمين اتصال أوثق بالدولة، ويعد قرار عادل عبد المهدي هذا الأسبوع خطوة نحو هذا الهدف وتجاه تعزيز التسلسل الهرمي الداخلي للحشد، فهو يدرك أنه لا تزال هناك مجموعات لا تطيع أمره، على سبيل المثال، لم يتم إصدار أمر بهجوم صاروخي بالقرب من السفارة الأمريكية في شهر مايو/ أيار من القيادة المركزية لقوات الحشد، التي تسارع بعضهم لمعرفة كيف حدث الهجوم، وهكذا من خلال السيطرة على موارد الدولة، وكيفية توزيعها داخل مجموعته، أصبح لدى المهندس الآن نفوذ لتحقيق سيطرة أكبر على ميليشيا الحشد الشعبي.
ويرى الكاتب، أن السبب الوحيد الأهم وراء دعم القيادة العليا لميليشيا الحشد في هذه المرحلة للمرسوم الجديد لرئيس الوزراء هو رئيس الوزراء نفسه، فعلى عكس رئيس الوزراء السابق “حيدر العبادي”، الذي عمل في بعض الأحيان ضد الحشد يدين “عادل عبد المهدي” بسلطته للجماعات شبه العسكرية التي دعمت ترشيحه.
فليس لديه حزب سياسي يدعمه، ومنذ انتخابه، سعت القيادة السياسية لميليشيا الحشد، الممثلة عبر الكتلة الانتخابية “الفتح”، إلى اكتساب النفوذ في مكتب رئيس الوزراء، بما في ذلك توظيف الحلفاء داخل المكتب.
لقد أعطى تعيين “محمد الهاشمي” مديرا لمكتب رئيس الوزراء الجديد، والمعروف باسم أبو جهاد، لمهدي المهندس والحشد الشعبي حليفًا قويًا في مكتب رئيس الوزراء، يقول محللون أمنيون إن أبو جهاد هو الذي كان وراء هذا القرار، وقال كاتب المقال إنه “في الواقع، قبل أسابيع من إعلانه رسميًا، شرح أبو جهاد الفكرة لي في اجتماع بمكتبه في بغداد، حيث ذكرها كرد فعل على الانتقادات بشأن ضرورة إصلاح القطاع الأمني”.
تقدم تجربة ميليشيا بدر، التي تعد أكبر ميليشيا تابعة لقوات الحشد الشعبي تضم نحو 30000 مقاتل، قصة مفيدة، لقد وافقت منظمة بدر على حل نفسها والاندماج في وزارة الداخلية عام 2004، و مع ذلك حافظت بدر على بقاء عناصرها منفصلين عن القوات المسلحة الرسمية، وضمنت أيضًا بقاء هؤلاء العناصر الذين التحقوا بوزارة الداخلية موالين لها، وبالتالي تمكنت هذه المجموعة من السيطرة على جميع جوانب الوزارة، من الوزير إلى الشرطة الفيدرالية، وهكذا يمكن أن يكون مرسوم مهدي بمثابة خطوة لقيام قوات الحشد بمواصلة الاندماج مع الدولة ولكن في نفس الوقت تحافظ على استقلاليتها وولاء مقاتليها وأعضائها لقيادتها الاصلية.
بالنسبة لقيادة ميليشيا الحشد العليا، فإن الهدف الرئيس هو أن تصبح جزءًا من الدولة كخطوة لتعزيز السلطة والسيطرة على الدولة، سيتم دمجهم بشروطهم الخاصة حتى لا يفقدوا الحكم الذاتي، وهكذا، بدلاً من كبح جماح الجماعات شبه العسكرية، يمكن أن يكون قرار عبد المهدي خطوة أخرى في عملية تمكينهم.

ريناد منصور / فورن بولسي