يحاول رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي” اخضاع ميليشيا الحشد الشعبي لسيطرة الحكومة المركزية، لكن من المحتمل أنه يدرك بأن ذلك لن ينجح. 

كتب جون هانا في مجلة فورن بولسي قائلا: أصدر رئيس وزراء العراق “عادل عبد المهدي” في 1 يوليو/ تموز الماضي قرارًا يوجه فيه الميليشيات المعروفة باسم الحشد الشعبي (PMF) بسلسلة من الخطوات لإخضاع نفسها للدولة، ووفقًا للقرار، فإنه سيتم التعامل مع تلك الجماعات التي لم تمتثل للمرسوم بحلول 31 يوليو/ تموز، على أنها خارجة عن القانون.

ويرى الكاتب أن هناك احتمالات كبيرة بأن الموعد النهائي سيأتي ويذهب من دون أي تقليص حقيقي في قوة ميليشيا الحشد، على الأقل تلك القوات الشيعية المتحالفة مع إيران وفيلق الحرس الثوري (IRGC) وقاسم سليماني قائد فيلق القدس، وقد يتظاهر وكلاء إيران في العراق بالامتثال لهذا المرسوم.

كما قد تتظاهر حكومة بغداد بتطبيق القرار، لكن يجب ألا يخضع المسؤولون الأمريكيون لهذه الأوهام، فبدلاً من تعزيز سيطرة الحكومة على ميليشيا الحشد، من المرجح أن يكون للقرار تأثير عكسي، مما يرسخ قبضة إيران على دولة العراق.

يقول الكاتب “آمل أن أكون مخطئًا، إن نجاح العراق أمر شخصي جدا بالنسبة لي، ليس فقط لأنني كنت مسؤولًا كبيرًا في إدارة جورج دبليو بوش وأيدت بشدة قرار إزاحة “صدام حسين” من السلطة، ولكن أيضا لأني أعرف عبد المهدي جيداً، أنا أعتبره صديقًا ومؤيدًا قويًا للعلاقة الأمريكية العراقية، خلال فترة وجودي في الحكومة، أمضينا ساعات طويلة في الحديث عن التطورات في العراق، وقد أثبتت تقييماته عمومًا أنها أكثر صوابًا من الخطأ، أريد بشدة أن أصدق أن الأمر سيكون كذلك الآن فيما يتعلق بجهوده لكبح جماح ميليشيا الحشد الشعبي PMF، لكني أخشى ألا يكون الأمر كذلك.

ويرى الكاتب أن “عبد المهدي” ضعيف وأن وكلاء إيران أقوياء للغاية، فلا يحظى رئيس الوزراء بدعم أي حزب سياسي، ولا يسيطر على أي كتلة في البرلمان، حيث حصل على موقعه من خلال تسوية تفاوضية كان لإيران ووكلائها دور كبير فيها، وعلى الرغم من كونه تكنوقراطياً بارعاً، إلا أنه ليس قائدًا سياسيًا قادرًا على تعبئة الروح الوطنية الكامنة دفاعًا عن استقلال البلاد، وهو ما يحتاجه العراق فعلا إذا هناك أي فرصة على المدى القريب لمقاومة سلطة قاسم سليماني.

لقد أصدر سلف عبد المهدي، حيدر العبادي، مرسومه الخاص في مارس 2018 والذي سعى إلى ترويض الميليشيات، وإخضاعها للقواعد واللوائح التي تحكم الجيش الحكومي ووضعها تحت سلطة رئيس الوزراء المباشرة، والنتيجة؟ تحدت الجماعات المدعومة من إيران أمر العبادي بوقاحة بينما زعمت الالتزام به، وحافظت على ولائها الأساسي للحرس الثوري الإيراني وحلب الدولة للحصول على كميات متزايدة من الموارد العسكرية والمالية، لقد أصبح العراق الآن يدفع أكثر من ملياري دولار سنويًا إلى ميليشيا الحشد الشعبي كرواتب ونفقات أخرى.

وحرصًا من عبد المهدي على أن يبدو مستجيبًا للمصالح الأمريكية، والأهم من ذلك، تجنب أن يصبح العراق ساحة المعركة الرئيسية في حرب كارثية بين الولايات المتحدة وإيران؛ أصدر عبد المهدي أمره في 1 يوليو/ تموز يطلب ميليشيا الحشد PMF الخضوع لسلطة قيادة رئيس الوزراء، ويدعو المرسوم الميليشيات إلى إغلاق مقارها، والتخلي عن أسمائها لصالح التسميات العسكرية، والتخلي عن جميع الأنشطة الاقتصادية.

ولكن إذا كان العبادي، قد تم تجاهله بسهولة، فمن الصعب تصديق أن عبد المهدي سوف يتمتع بنجاح أكبر في الوقت الذي أصبح فيه وكلاء إيران أكثر قوة وترسخًا.

الموعد النهائي

بمجرد انقضاء مهلة 31 تموز/ يوليو من دون التزام حقيقي من جانب وكلاء إيران، وهو بالتأكيد ما سيحصل، سيكون للعراق الحق في طرد قادة الميليشيات الموالية لإيران، وحجب الأموال عن الميليشيات، والاستيلاء على مواقعها وإغلاق نقاط التفتيش غير المشروعة.

ويضيف الكاتب قائلا: “لكن التوقعات يجب أن تكون منخفضة، فبعد رحلة إلى إيران الأسبوع الماضي، شعر عبد المهدي بالحاجة إلى طمأنة قادة ميليشيا الحشد PMF بأن الهدف من المرسوم ليس تقويضهم، وأعلن قائلا، لا يوجد توجه لإضعاف أو تجاهل ميليشيا الحشد الشعبي، “لا يمكن لأي شخص يؤمن بأمن العراق واستقراره أن يتطلع إلى القيام بذلك”، وفي محاولة شفافة للتراجع عن الموعد النهائي لتطبيق القرار في 31 يوليو/ تموز، وأقر عبد المهدي بأن عملية دمج الميليشيات واجهت العديد من العقبات، حيث قال، “إن تنفيذ المرسوم سيستغرق وقتا طويلا، لن يكون الأمر سهلاً كذلك”.

في أواخر مارس/ أذار من عام 2008، شن واحد من أسلاف عبد المهدي، نوري المالكي، هجومًا على ميليشيا مقتدى الصدر، التي كانت في ذلك الوقت متحالفة بشكل وثيق مع إيران وهيمنت على المشهد الأمني ​​في مدينة غنية بالنفط –البصرة- وغيرها من مناطق جنوب العراق وبغداد، وقد فشل المالكي في تنسيق الهجوم مع الولايات المتحدة، وكاد أن ينتهى الأمر بكارثة بالنسبة له وللجيش الحكومي، ولكن، فقط بمساعدة هائلة من أكثر من 150.000 جندي أمريكي في العراق، تمكنوا من قلب المعادلة وهزيمة قوات الصدر في النهاية.

وهذا ما يجعل مرسوم عبد المهدي شكليا أكثر من كونه عمليا، وقد يأخذ وكلاء إيران رموز إضافية تشير للدولة مثل التسميات، والزي الرسمي، والبنايات، لكنهم سيحافظون بشدة على كونهم أطراف فاعلة عسكرية وسياسية واقتصادية مستقلة خارج سيطرة الدولة، وسوف يقبلون بكل سرور الغطاء السياسي والقانوني لكونهم جزءًا لا يتجزأ من الدولة، وما يرافقها من زيادة في الوصول إلى مقدرات الدولة، مع رفض أي مساءلة حقيقية أمام حكومة بغداد.

حقيقة مزعجة

يواجه المسؤولون الأمريكيون حقيقة غير سارة، حيث تعد الولايات المتحدة حكومة العراق شريكًا مهمًا للأمن، و تجهز جيشها بمليارات الدولارات من الدعم والمعدات المتقدمة، لكن هذا الشريك نفسه قد رحب بمجموعة من الميليشيات المدعومة من إيران، وضمنها مجموعات مصنفة إرهابية وأغلبها ملطخة  أيديها بالدماء الأمريكية، في القوات الحكومية في العراق كجيش موازٍ إلى حد كبير، وتقوم حكومة بغداد الآن بتمويل هذه المجموعات بسخاء من خلال الميزانية الوطنية.

وأضاف الكاتب، هذه ليست سياسة أمريكية مستدامة تجاه العراق، ومن غير المرجح أن يواصل الكونغرس، أقل بكثير من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الانغماس إلى أجل غير مسمى في حكومة بغداد تتسامح في أحسن الأحوال على التوسع المنتظم للإمبريالية الإيرانية، كحد أدنى، سوف يزداد الضغط لفرض عقوبات على مجموعة أكبر بكثير من الكيانات في العراق التي يُعتقد أنها تدعم الحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك تلك التي أصبحت الآن جزءًا رسميًا من القوات الحكومية في العراق والحكومة والبرلمان، الدعم الأمريكي للجيش الحكومي يمكن أن ينتهي بسرعة، إن انسحاب عدة آلاف من القوات الأمريكية التي من المحتمل أن تكون ضعيفة، في مثل هذه البيئة المعادية، ربما إلى كردستان العراق لن يكون بعيدًا عن التصور.

إذا كان القرار الأمريكي، في البدء باستهداف النفوذ الإيراني في العراق بشكل أكثر عدوانية، سيخدم المصالح الأمريكية بشكل أفضل، فهو بالتأكيد خيار مفتوح للنقاش، لكن إذا استمرت حكومة بغداد في إثبات عجزها التام أو عدم رغبتها في الوقوف دفاعًا عن سيادتها، فمن المحتمل أن تتحول وجهة السياسة الأمريكية في نهاية المطاف، لقد ولت الأيام التي كانت فيها الولايات المتحدة مستعدة لإنقاذ العراق من نفسه، للأفضل أو الأسوأ، الأمر متروك للعراقيين الآن.

فورن بولسي/ جون هانا