في مواجهة التهديد الوجودي لتنظيم الدولة، والذي كان يتوسع بسرعة في ذلك الوقت في عام 2014، أنشأ رئيس الوزراء السابق نوري المالكي ميليشيات الحشد الشعبي رسمياً بحجة المساعدة في الدفاع عن العراق، كما دعا آية الله السيستاني -رجل دين شيعي بارز- المتطوعين للقتال في تلك الميليشيات، وانضمت الميليشيات المدعومة من إيران والتي تعمل في العراق إلى القتال أيضًا.

إن ميليشيات الحشد الشعبي عبارة عن مجموعة من قرابة 50 ميليشيا شبه عسكرية ذات أعداد مختلفة ولها مصالح سياسية مختلفة، وهي جزء من قوات الأمن في العراق رسميًا وحصلت على 2.16 مليار دولار من ميزانية الدفاع في عام 2019، ومع ذلك فهي مستقلة عن أي سيطرة أو رقابة من قبل وزارة الدفاع العراقية لأن القوات تقدم تقاريرها مباشرة إلى مكتب رئيس الوزراء.

في الواقع، فإن الحشد لا يتلقى أوامر من الحكومة العراقية ولجانه لها مجموعة متنوعة من الأهداف السياسية والتنسيقات، وفي حين أن رئيس الوزراء يتولى قيادة قوات الحشد من الناحية القانونية، فإن العديد من الألوية تتلقى أوامراها من أحزاب معينة أو مسؤولين حكوميين، وأبرزهم هادي العامري وزير النقل السابق -وهو قائد منظمة بدر- وهي ميليشيا كبيرة تدعمها إيران لها صلات بحرس الحرس الثوري، مستقبل هذه الميليشيات غير واضح، والحكومة العراقية بحاجة للسيطرة عليها أو المجازفة بفقدان السلطة لصالح قادة الميليشيات الذين يعملون كوكلاء إيرانيين وأمراء حرب إقليميين مع جيوش شخصية.

جهود لدمج الحشد الشعبي في الجيش

في الأول من تموز (يوليو) 2019، أصدر رئيس الوزراء عادل عبد المهدي قرارًا بضرورة دمج ميليشيات الحشد في الجيش بحلول 31 يوليو/تموز 2019.

يحافظ هذا المرسوم على مؤسسة الحشد الشعبي، لكنه يدمج قياداتهم بالهيكل الامني للدولة. وبالتنسيق مع مرسوم سابق صدر قبل أسبوعين، يعد هذا جزءًا من جهد أكبر لتقييد استقلالية المليشيات عن طريق حظر حركة القوات وتخزين الأسلحة دون علم وزارة الدفاع وإذنها، وسوف تقاوم بعض الفصائل وتحاول الحفاظ على الاستقلال عن الحكومة العراقية أو الحفاظ على ولائها لإيران، مما يزيد من تعقيد الأمر.

إن ولاء بعض الفصائل لجماعات سياسية محددة، يمكن أن يعرض الدولة العراقية الهشة للخطر وقد تغرق البلاد في الحرب، من المهم فهم دوافع كل من الميليشيات بحيث يمكن دمجها في الجيش بشكل صحيح أو حلها لصالح استعادة هيبة الدولة العراقية.

 

فصائل الحشد الشعبي

  • كما ذكر سابقا، فإن العديد من الميليشيات لها صلة بإيران، ويشمل ذلك أكبر الميليشيات، وهي منظمة بدر، التي تشكل رسميًا 11 لواء وتسيطر على العديد من الفرق الأخرى التي تحاول الظهور بشكل مستقل، ومنظمة بدر هي الجناح العسكري لتحالف فتح الذي يشغل 48 مقعدًا في البرلمان العراقي، كما ان العديد من أعضاء بدر هم جزء من جهاز أمن الدولة الرسمي، وخاصة وزارة الداخلية والشرطة الاتحادية، ويشار إلى أن فروع بدر وميليشيات أخرى تقوم، ولا تزال، بإساءة معاملة المدنيين العرب السنة، وخاصة في المناطق التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة سابقا.

 

  • كتائب سرايا السلام، التي تشكل ما لا يقل عن ثلاثة ألوية، هي ثاني أكبر فصيل في الحشد الشعبي، يشكل المقاتلون إلى حد كبير لألوية سرايا السلام، لكنهم يعارضون إيران ويتبعون الرجل الشيعي المؤثر، مقتدى الصدر، والاخير هو قائد جيش المهدي، وشكل أكبر تحالف في البرلمان “تحالف سائرون “، وهو تحالف برلماني متعدد الأعراق وغير طائفي (وإن كان معظمه من الشيعة) ويتكون من أحزاب شيعية معادية لإيران والحزب الشيوعي وعدد قليل من الأحزاب الصغيرة الأخرى، وبصفتها، كتائب سرايا السلام، القوة العسكرية لتحالف سائرون، فهي ضد التدخل الاجنبي في العراق، خاصة لإيران وأمريكا.

 

  • تتكون المليشيات المتبقية التي تعمل في العراق من عدد قليل من المجموعات المتنوعة: الميليشيات السنية التي كانت تقاتل تنظيم الدولة والميليشيا المسيحية الكلدانية وميليشيا الشبك والميليشيا التركمانية، كل هذه الميليشيات تعمل في الغالب في مجتمعاتها لحفظ الامن، وكل هذه المجموعات لها صلات بإيران ومنظمة بدر.

 

لقد تم تصميم قرار رئيس الوزراء للسيطرة على الميليشيات وخاصة تلك المدعومة ايرانيا والتي تشكل جزءًا كبيرًا من قوات الحشد، إن ألوية الحشد تتمتع بالحكم الذاتي إلى حد كبير واستخدمت حريتها في العمل لإنشاء عصابات إجرامية محلية، وسرقة المدنيين، والمشاركة في عمليات ابتزاز تشبه المافيا، وقد ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن بعض الميليشيات الشيعية قد أساءت إلى المجتمعات السنية التي كانت سابقًا ضمن منطقة سيطرة تنظيم الدولة.

 

لقد كانت كتائب سرايا السلام الأكثر تقبلاً لأمر عبد المهدي وأعلنت على الفور أنها تُعرف الآن بأرقامها المحددة: 313 و 314 و 315. وأعلن المتحدث باسم السرايا صفاء التميمي أن الكتائب ستضع نفسها تحت سيطرة رئيس الوزراء مباشرة بدلاً من مقتدى الصدر، رغم أنه من المحتمل سيحافظ على نفوذ كبير على هذه الميليشيات. يتماشى الاندماج الرسمي في الجيش العراقي مع هدف الصدر المتمثل في تعزيز المؤسسات العراقية، خاصة ضد النفوذ الإيراني.

 

أما باقي الميليشيات الأخرى فهي أقل استعدادًا للاندماج مع المؤسسة العسكرية، في 30 يوليو/تموز، قبل يوم واحد من الموعد النهائي، أعلن فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد، أن الحشد الشعبي سيحتاج إلى شهرين إضافيين قبل التخلي عن قيادته المتمتعة بالحكم الذاتي، لقد اكتسبت العديد من هذه الميليشيات نفوذا سياسيا من خلال ارتباطها بالأحزاب السياسية في البرلمان، وأنشأ آخرون مصادر بديلة للدخل لن يكونوا على استعداد للتخلي عنها، بما في ذلك السرقة والابتزاز وتجارة الخردة المعدنية، وبالمثل، فإن الجماعات المدعومة من إيران غير راغبة في إخضاع نفسها لأي رقابة أو قيود من قبل الحكومة العراقية.

لقد بدأ عادل عبد المهدي بكبح وحدات الحشد غير المتعاونة من خلال تحجيم مصادر تمويلها مثل اعتقال حمزة الشمري، رجل الأعمال الثري والمتهم بالفساد والذي يملك علاقات مع العديد من قادة الحشد، ومن المرجح أن يواصل مهدي ممارسة الضغط على العناصر الإجرامية المرتبطة بالميليشيات التي لا ترغب بالاندماج بالمؤسسة العسكرية.

 

خيارات العراق

لدى النظام العراقي خياران لكيفية التعامل مع الميليشيات التي تعمل داخل حدوده الآن، لأن التواطؤ معها لم يعد استراتيجية فعالة: الاحتواء أو القمع.

أولا: يجب دمج كل الميليشيات الراغبة في الجيش العراقي على غرار كتائب سرايا السلام، أما أولئك الذين لا يتعاونون ويميلون إلى أن يكونوا ميليشيات تشبه العصابات الإجرامية وتتجاوب مع إيران مثل كتائب حزب الله، الذي رفض المرسوم علانية، فيجب احتواءها وحرمانها اقتصاديًا وإغلاق مكاتبها مثل ميليشيات الخردة المعدنية في نينوى.

ولأن هذه الميليشيات تمولها وتدربها إيران بشكل جيد مقارنة بالجيش العراقي الذي يعد أضعف نسبياً، فلا ينبغي قمعها بعنف لان ذلك قد يؤدي إلى التصعيد والحرب مع إيران، ويجب أن تقوم القوات العراقية الرسمية بعملية الاحتواء.

 

 

معهد ابحاث السياسة الخارجية / فيليب عطا الله

 

ترجمة وتحرير: مركز راسام