بعد مقتل عدد من أعضاء الميليشيات شبه العسكرية المدعومة من إيران في غارات بطائرات بدون طيار بالقرب من الحدود مع سوريا، وهي الأحدث في سلسلة من الهجمات التي ألقي باللوم فيها على طائرات الكيان الصهيوني، وتعهدت الحكومة العراقية هذا الأسبوع بالذهاب إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للدفاع عن سيادتها.

 

صراع أخر في الأفق

ظاهريا، يبدو أن هذا هو بالضبط المسار الذي يجب أن يتخذه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بالنظر إلى المخاطر التي تواجه المنطقة ككل، ومع ذلك، وبناءً على تاريخ العراق الحديث البالغ 87 عامًا، فإن القوى الكبرى في الأمم المتحدة سوف تقوم بالقليل أو لا تفعل شيئًا لمنع اندلاع صراع آخر في البلاد.

سيكون من الخطأ عدم التهدئة الفورية للوضع الحالي المحفوف بالمخاطر في العراق، وعلاج الدمار الذي خلفته الحرب مع تنظيم الدولة، واخضاع الميليشيات لسيطرة الدولة، حيث بدأت الحكومة الآن فقط في عهد عبد المهدي بتحقيق بعض الاستقرار السياسي، كما أن إدارة ترمب تفعل القليل للحد من هجمات الكيان الصهيوني الأخيرة.

الآن، العراق في نقطة تحول، أي في خطر الانهيار إلى الفوضى والصراع، ومثل هذه النتيجة ستكون فظيعة بالنسبة للمنطقة ككل، ومن المؤكد أن هناك مصلحة ذاتية كافية للقوى العالمية الكبرى للعمل على وقف المزيد من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، أولاً وقبل كل شيء في تلك القائمة سيكون هناك عمل على منع النظام في طهران من استخدام الحرب لصالحه، كما فعل بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في عام 2003، والتحذيرات حول كيفية استفادة إيران من فراغ السلطة في العراق لم يتم التعامل معها بشكل فعال بما فيه الكفاية وأن الوضع الحالي، القابل للانفجار، هو نتيجة مباشرة لسوء سياسة ما بعد الحرب.

وما مدى فعالية سياسة “الضغط الأقصى” التي تتبعها واشنطن بشأن إيران إذا سمحت لها الاضطرابات في جارها العراق بتقويض العقوبات ضدها وضد وكلائها؟

ومن المؤكد أن الوجود العسكري الأمريكي في العراق سيصبح أهدافًا طبيعية في حالة اندلاع الصراع.

 

تآكل فكرة العراق

كانت حرب عام 2003، على سبيل المثال، نتيجة طبيعية بسبب التقليل من شأن التهديد الحقيقي الذي كان يمثله صدام حسين حتى دخوله للكويت وهو ما جعلها مسألة ملحة، لقد اعتقد الغرب، قبل ذلك، أن مصلحته الذاتية كانت ستتحقق أفضل عن طريق دعم صدام حسين، بغض النظر عن التكلفة التي تكبدها الأشخاص الذين تعرضوا للقمع الشديد من قبل نظامه حتى أن الاثار العقلية والبدنية التي يحملونها لم تلتئم بالكامل، وإن وجود عراق قوي يمكن أن يكون حصنًا فعالًا ضد جهود إيران لزعزعة استقرار المنطقة، لكن الاعتقاد بأن ذلك يمكن أن يكون بواسطة ذلك النظام، كان ضربا من الخيال؛ حاول كل من صدام حسين والقوى العالمية الحفاظ عليه.

إذا فشل العراق عدة مرات كدولة، فما الدور الذي يمكن أن يقدمه لتحقيق استقرار أوسع؟

تتفهم دول مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية الحاجة إلى عراق سليم وقد عملت على زيادة التعاون في مجالات مثل الأمن.

كما ناضلت الأجيال المتعاقبة داخل العراق من أجل تأسيس هوية وطنية متماسكة يمكنها أن تحل محل الأيديولوجيات مثل القومية العربية وسط الانقسامات الطائفية التي أصبحت أكثر وضوحا مع مرور الوقت، وكانت هناك فترات من الأمل، حيث بذل العراقيون المهرة والمتعلمون قصارى جهدهم للمساعدة في بناء دولة حديثة قابلة للحياة، بما في ذلك التقدم الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وفي النهاية، قوضت جهود هؤلاء الرجال والنساء العظماء بسبب ظروف خارجة عن إرادتهم.

إن تآكل فكرة العراق بدأ بشكل جدي منذ منتصف السبعينيات، حيث كانت الثقة في الحكومة قد انهارت بالفعل بعد سلسلة من الإخفاقات والانقلابات المتعاقبة بسبب الانتداب البريطاني حيث أصبح العراق بيدقًا في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي…

لقد دعم الغرب والسوفيت صدام حسين في أوقات مختلفة، حيث كان يُنظر إلى حربه ضد إيران في الثمانينات على أنها وسيلة مفيدة لإبقاء النظام الخطير في طهران ضعيفًا، وبدلاً من ذلك، ربما يكون ذلك في الواقع قد ساعد المتطرفين في إيران على تعزيز سيطرتهم، وتشجيع الحماس القومي والديني لمحاربة عدو أجنبي.

نادراً ما كانت سياسة القوى الخارجية عقلانية، وإذا عدنا إلى الوراء قرن من الزمان، فإن فكرة الوجود الفرنسي في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى سيخدم مصالح حليفها القوة الاستعمارية بريطانيا، انتهى به المطاف إلى خلق وضع قائم بالفعل (سايكس بيكو) أدى فقط إلى مزيد من الصراع، كما تم حرمان العرب من فرصة حقيقية لحكم أنفسهم بعد انتهاء حكم العثمانيين.

هناك بالطبع خطر الإفراط في تبسيط الأحداث، ومع ذلك، ليس هناك من ينكر أن الكثيرين سيقولون هناك أزمة قادمة في الطريق، على سبيل المثال. قبل غزو الكويت، كان الناس هناك يشعرون أن العراقيين على وشك التحرك ضدهم، لقد ألمح صدام حسين إلى واشنطن حول نيته بالتحرك ضد الكويت ولم يتلق أي اشارة معارضة.

وفي عام 2019، لدينا رؤية واضحة للمخاطر الحقيقية التي تحدثها الفوضى في العراق وتأثيرها القاسي على السكان، وهناك فرصة حقيقية للقوى العالمية للمساعدة في منع حدوثها ولكن الوقت قد ينفذ مرة أخرى.

 

ذا ناشيونال / مصطفى الراوي

ترجمة وتحرير: مركز راسام