لقد شعر العراق بحرارة التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران هذا الصيف مع تقدم البيت الأبيض في حملته “الضغوط القصوى” ضد إيران، من الواضح أيضًا أن حروب الكيان الصهيوني وإيران بالوكالة في المنطقة امتدت إلى العراق أيضًا، في الشهر الماضي، شنت طائرات الكيان أولى هجماتها على أهداف في العراق منذ عملية أوبرا في 7 يونيو/حزيران 1981.

في 19 يوليو/تموز، ضربت طائرات الكيان الصهيوني هدفًا في محافظة صلاح الدين، قبل ثلاثة أيام من الهجوم الآخر على معسكر أشرف، الواقع على مقربة من إيران، وحسب شبكة العين الإعلامية الإماراتية، فإن الهجوم على معسكر أشرف أسفر عن مقتل 40 من أعضاء فيلق الحرس الثوري الإيراني وميليشيات شيعية عراقية مدعومة من إيران.

وفي 12 أغسطس/ آب، وقع انفجار في مستودع الأسلحة التابع لوحدات الحشد الشعبي (PMU)  في العاصمة العراقية، ويُزعم أن طائرة صهيونية نفذته وأسفر عن مقتل شخص وإصابة 29 آخرين. وتبعتها هجمات صهيونية أخرى في يومي 19 و25 أغسطس/آب، وقد أكد المسؤولون الأمريكيون، قبل عدة أيام، أن الكيان الصهيوني كان بالفعل وراء هجوم 19 يوليو/تموز في محافظة صلاح الدين، المشتبه بها أصلا.

إن مثل هذه الإجراءات تبرز كيف يسعى الكيان الصهيوني إلى توسيع مسرح المواجهة مع إيران ليشمل العراق أيضا، وببساطة، فإن الصهاينة يقومون برد فعل يتضمن زيادة الهجمات مقابل تمدد الميليشيات التي ترعاها إيران في العراق وفي أماكن أخرى من الشرق الأوسط والتي توفر لطهران نفوذا أكبر تجاه الكيان الصهيوني، وهنا تطرح الأسئلة المهمة عن الدور الأمريكي في هذه الهجمات الصهيونية ضد قوات الحشد الشعبي في العراق.

من الصعب التخيل أن إدارة ترمب لم تعط الضوء الأخضر للكيان الصهيوني لتنفيذ هذه الهجمات، كما أوضح كريم العلوي، عضو البرلمان العراقي، الذي قال “إن الولايات المتحدة تسيطر على المجال الجوي العراقي”، وبالتالي “لا توجد طائرات، بما في ذلك الطائرات العراقية أو طائرات الهليكوبتر، يمكنها التحليق في المنطقة دون علم أو إذن من الولايات المتحدة”.

منذ سبعة أشهر فقط، أوردت تقارير أن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أثار موضوع الصواريخ الإيرانية الموجودة بين يدي قوات الحشد الشعبي في العراق أثناء لقائه برئيس الوزراء عادل عبد المهدي، قائلاً إن واشنطن لن تعارض أي عمليات عسكرية صهيونية لهذه المنشآت في المستقبل.

ومن غير الواضح ما إذا كان الصهاينة قد استخدموا المجال الجوي السوري أو التركي أو السعودي للوصول إلى أهدافهم في العراق، بغض النظر، فإنه يمكن القول إن القيادة السعودية، التي تلتقي مع الكيان الصهيوني في تصور مشترك نحو طهران باعتبارها تهديد لمصالحهما، ترحب بمثل هذا العمل في العراق.

ونظرًا لأن المسؤولين السعوديين والصهاينة يرون أن الميليشيات الشيعة التي ترعاها إيران في العراق وسوريا ولبنان تشكل تهديدًا كبيرًا، فمن المحتمل أن تدفع الضربات الصهيونية في العراق الطرفين نحو تقارب أكبر.

أهداف أخرى للكيان الصهيوني

زادت تل أبيب بشكل كبير من شدة ونطاق حملتها العسكرية لإضعاف الميليشيات المدعومة من طهران في المنطقة، وشنت هجمات ليس في العراق فقط، ولكن أيضًا في سوريا وفلسطين، بالإضافة إلى إرسال طائرتين بدون طيار إلى لبنان.

لقد شن الكيان الصهيوني، في فوضى سوريا، العديد من الضربات ضد أهداف مرتبطة بإيران منذ اندلاع الحرب الأهلية في عام 2011، ومع ذلك، فمن خلال مهاجمة أهداف في العراق، تُظهر تل أبيب تصميمها على توسيع مسرح حربها بالوكالة مع إيران.

على الرغم من صعوبة التنبؤ بالتداعيات الطويلة الأجل لهذه الانفجارات في العراق، فمن المحتمل أن يكون تأثيرها مزعزعًا للاستقرار، بالنظر إلى أمن العراق الهش، إن أحد الشواغل الرئيسة للمسؤولين في بغداد هو أنه في الأيام والأسابيع والأشهر المقبلة، يمكن أن يكون العراق، بالإضافة إلى مجاله الجوي، موقعًا للعنف المكثف حيث تتحدى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وإيران تصرفات بعضهم البعض، وسيواجه العراق صعوبة في الحفاظ على الحياد بين واشنطن وطهران.

في 19 آب / أغسطس قال رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، “لا تتمتع إيران بالحصانة في أي مكان… سنتخذ ما يلزم ضدهم ونقوم بذلك حاليًا، وحيثما كان ذلك ضروريًا”، وبعد ثلاثة أيام، ذهب نتنياهو، في تصريحاته إلى أبعد من ذلك، مشيرًا إلى أن بلاده قد تكون متورطة في هجمات العراق، معلنا، “نحن نعمل في العديد من المناطق ضد دولة تريد القضاء علينا”.

من خلال القيام بمثل هذه التحركات الجريئة، يواجه الكيان الصهيوني مخاطر كبيرة، فإذا استمرت هذه الهجمات في العراق ضد المجموعات غير الحكومية التي ترعاها طهران بالقرب من الحدود الإيرانية، فمن المحتمل أن ترد إيران. ربما يضع الإيرانيون قدرات الدفاع الجوي في أيدي الميليشيات الشيعية العراقية لتمكينها من التصدي للهجمات في المستقبل، ومن الممكن أيضًا أن تنفذ طهران ضربات محدودة رداً على ذلك في وقت ومكان تختاره القيادة الإيرانية، وربما تستهدف المواقع الصهيونية في مرتفعات الجولان المحتلة في سوريا.

إن الضربات الصهيونية، التي تشكل انتهاكًا صارخًا لسيادة العراق، قد تتسبب في تكاليف كبيرة للمصالح الأمريكية في العراق، ولو أخذنا بنظر الاعتبار فتوى رجل الدين الشيعي كاظم الحائري التي أصدرها كرد فعل على الهجمات الصهيونية، والتي تضمنت تحريم استمرار الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وحقيقة أن الكثيرين في العراق ودول عربية أخرى يرون أن الولايات المتحدة مسؤولة عن الهجمات الصهيونية ضد الحشد الشعبي، فإن حوالي 5000 جندي أمريكي ما زالوا في العراق يمكن أن يجدوا أنفسهم في مرمى حرب متصاعدة بين ايران والكيان الصهيوني ميدانها العراق.

كذلك سيكون للقصف الصهيوني على العراق تداعيات كبيرة على العلاقة بين واشنطن وبغداد أيضًا، خاصة وأن الحكومة العراقية تحاول وضع الميليشيات الشيعية المدججة بالسلاح تحت سيطرتها، فإذا فشلت الإدارة الأمريكية في منع الكيان الصهيوني من تحويل العراق إلى ساحة معركة في حروب تل أبيب بالوكالة مع طهران، فإن الاستقرار الهش للعراق سوف يزداد تقويضًا. وفي ظل هذه الظروف، يمكن لإيران أن تستفيد بسرعة من هذه الشروط لتقريب بغداد من طهران في وقت يستمر فيه نفوذ الولايات المتحدة في العراق والمنطقة ككل بالتراجع.

 

كونسرتيوم نيوز/ جورجيو كافييرو

ترجمة وتحرير: مركز راسام