لقد عارض حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين مثل فرنسا وألمانيا؛ الغزو الأمريكي للعراق عام  2003 بشدة، ، فبينما اتفقوا مع الحكومة الأمريكية حول سوء نظام صدام حسين لكنهم عارضوا بقوة استخدام القوة العسكرية لحل المشكلة.

لقد أدى غزو العراق إلى أزمة في العلاقات عبر الأطلسي، لأن فرنسا وألمانيا عارضتا بشدة استخدام القوة لمنع العراق من الحصول على أسلحة الدمار الشامل. وبدلاً من ذلك، طالبوا باللجوء إلى الدبلوماسية، وطالبوا بأدلة تثبت تطوير العراق لأسلحة الدمار الشامل كما شككوا في ادعاء الولايات المتحدة بتنصيب حكومة ديمقراطية تؤدي إلى ازدهار الديمقراطية في المنطقة، نتيجةً لذلك، تراجع الدعم الأوروبي للقيادة الأمريكية على المسرح العالمي حسب استطلاعات الرأي. وفي حين أن الغزو خلق انقسامات بين الدول الأوروبية في ذلك الوقت، إلا أنه بعد مرور ستة عشر عامًا، اعتبر الأوروبيون بالإجماع أن الغزو كان خطأ ومثالًا للتضليل والأحادية الأمريكية.

لقد كانت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإيران تتهيأ للوضع الحالي حتى ما قبل إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، لكن خرق إيران الأخير للحد الأقصى لمستوى تخصيب اليورانيوم المنصوص عليه في خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) واستيلائها على ناقلات النفط البريطانية، جنباً إلى جنب مع نشر القوات الأمريكية في المملكة العربية السعودية لأول مرة منذ حرب العراق، قد زاد من المخاطر والتوترات عبر الأطلسي أكثر من أي وقت مضى.

عندما كان ترمب مرشحًا رئاسيًا انتقد مرارًا وتكرارًا اتفاق JCPOA النووي الموقّع في عهد إدارة أوباما لمنع إيران من تطوير سلاح نووي، مرددًا المزاعم بأن الاتفاقية كانت محدودة جدًا وليست صارمة بدرجة كافية.

بالنسبة للأوروبيين، كان الاتفاق ناجحًا بسبب أهدافه المحددة ولكسب المزيد من الوقت لمفاوضات مستقبلية، وإن إعلان ترمب في 8 مايو/ أيار 2018، بأن الولايات المتحدة ستترك رسميا الاتفاق النووي JCPOA وستعيد فرض عقوبات اقتصادية واسعة من جانب واحد تعرضت لانتقادات شديدة من قبل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والصين وروسيا. وأعلنت هذه الدول عزمها على الالتزام بالصفقة، تميزت السنة التي تلت إعلان ترمب بالضغط الأمريكي المتصاعد على إيران، وقابلته محاولات أوروبية يائسة بشكل متزايد لإنقاذ الصفقة.

بعد انسحاب الولايات المتحدة مباشرة، سعى وزير المالية الفرنسي برونو لو ماير إلى إيجاد سبل للالتفاف حول العقوبات الأمريكية، وذلك بان يلجأ الاتحاد الأوروبي إلى قانون أوروبي خاص لحماية الشركات الأوروبية من العقوبات الثانوية الأمريكية. في أغسطس/اب 2018، دعا وزير الخارجية الألماني هايكو ماس أوروبا إلى العمل كقوة موازنة للولايات المتحدة ودعا إلى إنشاء آلية دفع أوروبية أقرب إلى نظام الاتصالات المالية العالمية بين البنوك (SWIFT).

في سبتمبر/ايلول عام 2018، أعلنت الممثلة العليا الأوروبية للشؤون الخارجية فيديريكا موغريني عن إنشاء “أداة للأغراض الخاصة” (SPV) للسماح للشركات الأوروبية بتجاوز العقوبات الأمريكية ومواصلة التجارة مع إيران، أملاً في الحفاظ على الصفقة، وتم تشكيل SPV لاحقًا رسميًا كأداة لدعم التبادلات التجارية (INSTEX) وأصبحت مؤهلة التشغيل بالكامل مؤخرًا  للمضي قدماً، وقدمت المفوضية الأوروبية خطوات في ديسمبر/كانون اول 2018 لزيادة دور اليورو في المدفوعات العالمية، إلا أنها لاحظت ان تجارة الشركات الأوروبية تتم باستخدام الدولار الأمريكي، وهذا يربطها بالنظام المالي الأمريكي وبالتالي تعريضها للعقوبات الأمريكية.

تم إجراء مقارنات بين الأزمة الحالية مع إيران وحرب العراق، لكن الخطر الذي يشكله هذا النزاع على التحالف عبر الأطلسي قد يكون أكبر، من المسلم به أن الشركات الأوروبية قد امتثلت للعقوبات الأمريكية على الرغم من الاتحاد الاوربي قد عارض الحظر، كما ألغت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل دعوة “ماس” للحصول على سويفت أوروبية، وما زال “INSTEX” (نظام التعامل المادي الذي اقترحته اوربا للالتفاف على العقوبات المفروضة على ايران) رمزيًا إلى حد كبير مع عدم وجود شركات تستخدمه، وتوقعات قليلة من الجانب الأمريكي بأن تستخدمها الشركات في تجارة السلع التي تخضع للعقوبات.

حتى إذا تم تجنب الحرب أو انهيار النظام الإيراني، فإن العقوبات الأمريكية الموجهة إلى إيران أثرت بشكل كبير على المصالح التجارية والأمنية الأوروبية، ولحماية الاثنين، هددت أوروبا باتخاذ تدابير من شأنها، إذا نفذت بالكامل، أن يؤدي الى بدء عملية فك التكامل الاقتصادي العالمي التي استمرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومثل هذه الخطوات ستضرب قلب القوة الاقتصادية للولايات المتحدة عن طريق تحويل المعاملات التجارية والمالية بعيدا عن الولايات المتحدة وقد يؤدي هذا إلى رد فعل قوي من الولايات المتحدة.

ولكن على عكس العراق، يمكن أن يكون الانقسام حول إيران نقطة تحول لأكثر من مجرد علاقة عبر الأطلسي، وإن إنشاء بنية مالية بديلة مهددة من قبل الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يؤدي فقط إلى بلقنة مالية على أسس سياسية، حيث إن البلدان التي لا تتفق مع سياسات الولايات المتحدة يمكن أن تتفادى العقوبات الأمريكية بسهولة أكبر، ولكن ذلك يؤدي أيضًا إلى صعوبات أكبر في تنسيق مواجهة الأزمات المالية العالمية المستقبلية. إن الانقسام الحالي عبر المحيط الأطلسي على إيران يمكن أن يستهل حقبة جديدة وغير مستقرة في السياسة العالمية.

ناشيونل انترست / سام ديني

ترجمة وتحرير: مركز راسام