على الرغم من تأكيدات إدارة ترمب، فمن الواضح بشكل متزايد أن نهج الضغط الأقصى المطبق لإجبار إيران على تخفيف سلوكها في الشرق الأوسط لا يعمل. يُزعم أن إيران شاركت في استفزازات في الخليج واتخذت خطوات ملموسة لتقليص التزاماتها بقيود التخصيب بموجب الاتفاق النووي لعام 2015، وفي الوقت نفسه، لم تحد من برنامجها الصاروخي وضاعفت من اعتمادها على الجهات الفاعلة غير الحكومية في جميع أنحاء المنطقة.

لقد اندلعت التوترات مرة أخرى في الشرق الأوسط أواخر الشهر الماضي بعد أن شنت طائرات الكيان الصهيوني على ما يبدو ضربات على القوات الإيرانية ووكلائها في لبنان وسوريا والعراق. مع انتقال حرب الظل هذه إلى النور، يدعي المسؤولون الصهاينة بأن هذه الهجمات تهدف إلى كبح نفوذ إيران الإقليمي المتزايد من خلال دعمها وتدريبها للجهات الفاعلة غير الحكومية، وهو تهديد متزايد من منظور الصهاينة. يبرز التصعيد الأخير بين الكيان وإيران التحديات الأمنية التي تفرضها إيران على الولايات المتحدة وعلى المصالح والشركاء في المنطقة. والأهم من ذلك، لماذا تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية جديدة ومبتكرة للتعامل بفعالية مع إيران؟

تسعى واشنطن اليوم إلى إجبار إيران على التخلي عن الركائز الثلاث لقدراتها الرادعة: برنامجها النووي وبرنامجها الصاروخي ووكلائها. ولكن من وجهة نظر طهران، فإن ترك كل قدرات الردع سوف يترك النظام بلا حول ولا قوة، إنه يشبه مطالبة كوريا الشمالية بالتخلي عن أسلحتها النووية بضمانات محدودة فقط من الأطراف الأخرى. لن تتنازل أي دولة عما تعتبره وسيلة للبقاء على قيد الحياة من أجل فوائد اقتصادية بحتة في الواقع، لم ترفض طهران التخفيف من أنشطتها الإقليمية فحسب، بل تابعت هذه الأنشطة بقوة أكبر، وهذا يجعل واشنطن تزداد غضبًا.

 

والسؤال هو: ماذا بعد عقود من العقوبات والضغط، هل سيدفع هذا الأمر إيران فعلا لتغيير سلوكها في المنطقة؟

الخطوة الأولى هي أن تفهم واشنطن التفكير الاستراتيجي لطهران، الأمر الذي سيسمح لها بصياغة سياسات تحفز إيران على التقليل من استخدام الوكلاء في المنطقة بدلاً من تفاقمه.

فلدى إيران ثلاثة أهداف إستراتيجية: ردع الضربات العسكرية من قبل الولايات المتحدة وشركائها، وبناء قدراتها كقوة إقليمية، ومتابعة الهدف الأول والثاني مع الحفاظ على عدم الانحياز والاعتماد على الذات. هذه الأهداف تبين سعي إيران نحو البقاء والقوة، وهو ما ستتبعه أي دولة في الموقف الجيوسياسي لإيران.

ولتحقيق هذه الأهداف، لجأت طهران إلى تكتيكات الحرب غير المتكافئة لتعويض قواتها العسكرية التقليدية المحدودة والمتقادمة، ومع ذلك أصبحت هذه الاستراتيجية سيف ذو حدين. تشعر الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون بكل جدية بالتهديد من خلال تكتيكات الحرب الإيرانية غير المتماثلة، والتي بدورها تزيد من التهديد العسكري لإيران، وهذه الديناميات تشكل معضلة أمنية كلاسيكية.

أجلت الصفقة النووية خيار التحوط النووي، الذي بدأ الآن في العودة تدريجياً، حيث بدأت إيران برد فعل تجاه الضغوط الأمريكية وذلك بالتخلي عن الحدود التي قبلتها بموجب الاتفاق. ستبقى الصواريخ عنصرا أساسيا في موقف الردع الإيراني، على الرغم من الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة وبعض الشركاء الأوروبيين لفرض القيود عليها، ومع ذلك لا يمنح أي من هذه البرامج إيران النفوذ الإقليمي الذي تسعى إليه.

توفر الجهات الفاعلة غير الحكومية لإيران فوائد رادعة بالإضافة إلى نفوذها الإقليمي من خلال تهديد المصالح الأمريكية شركائها في المنطقة. إن تكتيكات إيران غير المتماثلة أقل كلفة من الخيارات الأخرى، وهو عامل حاسم بالنسبة للبلاد بالنظر إلى العقوبات الاقتصادية المفروضة على مدى عقود، والأهم من ذلك أن هذه التكتيكات تقدم للقادة الإيرانيين ميزة استراتيجية.

يخدم الوكلاء الإيرانيون ثلاثة أغراض:

 أولاً، تعمل الجهات الفاعلة غير الحكومية كرادع لأن لديها القدرة على إلحاق أذى كبير بالقوات والقواعد والمصالح الامريكية بالإضافة إلى الشركاء، مما يجعل الصراع العسكري المحتمل أكثر تكلفة بالنسبة للولايات المتحدة، مما يميل بحساباتها من حيث التكلفة والفائدة نحو ضبط النفس.

ثانياً، وسعت الجهات الفاعلة غير الحكومية نفوذ إيران الإقليمي من خلال السماح لها بالمشاركة في النزاعات الإقليمية في سوريا ولبنان واليمن كلاعب مهم لا يمكن تجاهله.

ثالثًا، وربما هو الأهم، أنها تسمح لإيران بالمشاركة في مواجهات محدودة خارج حدودها والانخراط في الاستفزازات دون تلقي ضربات مباشرة داخل البلاد. الجهات الفاعلة غير الحكومية تزود إيران بالقدرة على الإنكار والتنصل من المسؤولية. بالنسبة لطهران، فقد كانت هذه التكتيكات فعالة – حتى الآن – أكثر فاعلية بكثير من قدراتها العسكرية التقليدية الأضعف. في الواقع أصبحت الجهات الفاعلة غير الحكومية أقوى سلاح لإيران.

 

استراتيجية بديلة

هناك استراتيجية بديلة عن تهديدات واشنطن وتكتيكات الضغط. إن إطار إقليمي شامل يتضمن أسلحة محددة ويقدم أكثر من الحوافز الاقتصادية من خلال توفير مزايا وحوافز أمنية، هو ما يمكن أن يكون أكثر الأساليب فاعلية. أي بالسماح لإيران بإعادة بناء قدراتها العسكرية التقليدية تدريجياً، وخاصة سلاحها الجوي، الذي كان أحد أكثرها تطوراً في العالم قبل ثورة 1979. لقد كانت إيران حريصة على تحديثه لتكون على قدم المساواة مع منافسيها الإقليميين وقد تسعى للحصول على فرصة للقيام بذلك مقابل قيود على برنامجها الصاروخي، مثل منع إيران من تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات، وكبح استخدام الوكلاء. ونتيجة لذلك، ستعتمد إيران بدرجة أقل على تكتيكات الحرب غير المتماثلة عن طريق زيادة مكانتها الأمنية وقوتها الإقليمية ولكن بطريقة اقل زعزعة لاستقرار المنطقة.

بعد كل شيء، فإن استخدام إيران للجهات الفاعلة غير الحكومية غير مستدام على المدى الطويل. إن الدول التي تزدهر فيها هذه الوكلاء الآن – مثل العراق وسوريا ولبنان – لن تكون دائمًا أرضًا خصبة لوجود إيران المتزايد كما هي اليوم. ان من شأن القدرات العسكرية التقليدية أن تضمن بشكل أفضل القوة والردع التي تسعى إيران إلى تحقيقها – خاصة إذا لم يكن عليها أن تواجه تهديدًا وشيكًا من قوة عظمى لها وجود قوي مع قوات وقواعد في جميع الاراضي المحيطة بإيران.

من وجهة نظر واشنطن، قد يبدو أن تعزيز القدرات العسكرية التقليدية لطهران هو أمر غير منصف يمثل تهديدًا أكبر للاعبين الآخرين في المنطقة، بما في ذلك القوى الخارجية. لكن المفاضلة بين القدرات التقليدية والجهات الفاعلة الإقليمية (الميليشيات) هي تلك التي ينبغي على جيران إيران وخصومها أخذها بعين الاعتبار. أدى دعم إيران للجهات الفاعلة غير الحكومية إلى خلق بعض من أكبر التحديات الأمنية في المنطقة، التي فرضها حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، وعدة ميليشيات في العراق. إن الطبيعة العالية التأثير والتكلفة المنخفضة لوكلاء إيران تجعلهم يهددون بشكل خاص الدول الأخرى ويزعزعون استقرار المنطقة – كما حدث الشهر الماضي.

لقد دربت إيران جهات فاعلة إقليمية على الخبرة القتالية البحرية، وهو مصدر قلق كبير للولايات المتحدة، الأمر الذي يخلق تهديدًا في الخليج أكثر صعوبة، ويقدر الخبراء أن تكلفة الحرب مع إيران بالنسبة للولايات المتحدة ستتجاوز إلى حد كبير تكلفة حربها مع العراق؛ كما يمكن أن تصل التأثيرات المترامية الأطراف فعليًا إلى كل دولة في المنطقة، مما يعني أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران يمكن ان تتصاعد بسرعة إلى تفجير صراع اقليمي.

في الوقت الحالي، تكثف الولايات المتحدة الضغط والتهديدات العسكرية، والصفقة النووية آخذة في الانهيار. رداً على ذلك، فإن إيران منخرطة في السعي إلى الردع وبناء النفوذ، وإن وضع العلاقة بين الطرفين قد تكون غير صحيحة في الوقت الحالي، لكن الأمر يستحق المحاولة.

قد يبدو اتفاق الحد من التسلح المصمم لتحويل سياسة إيران من تكتيكات الحرب غير المتماثلة إلى قدرات عسكرية تقليدية بعيد المنال بالنظر إلى العقبات التي تعترض تطوير مثل هذا الاتفاق وتنفيذه والتحقق منه، وسوف يتطلب التزاما طويل الأجل من جميع الأطراف المعنية. وعلى الرغم من أن مثل هذه الصفقة قد تكون صعبة، فمن الأفضل أن يكون البديل هو الاستمرار في ظل الوضع الراهن أو اندلاع الحرب.

فورين بوليسي / مهسا روحي

ترجمة وتحرير: مركز راسام