تهدد الغارات الجوية التي استهدفت الشهر الماضي الجماعات شبه العسكرية المدعومة من إيران في العراق بإعادة البلاد إلى الصراع بعد فترة وجيزة من القتال ضد تنظيم الدولة (داعش)، وألقى تحالف الجماعات شبه العسكرية، الذي يدعى “الحشد الشعبي”، باللوم على الأمريكيين والصهاينة في الهجمات التي استهدفت مستودعات الأسلحة التابعة لهم، وهدد أبو مهدي المهندس، القائد الفعلي للحشد الشعبي، بالانتقام بالتنسيق مع الحكومة العراقية. ومع ذلك، لم تؤيد الحكومة العراقية رده وذكرت أنه لم يتحدث نيابة عنها.

وفقًا للبحث الذي تم كجزء من تقرير (Chatham House) الذي تم إصداره حديثًا، فإن استقرار الدولة في مرحلة ما بعد تنظيم الدولة كان يستند إلى تفاهم بين قوات الحشد الشعبي (PMF) والحكومة، أو بين القيادة الفعلية للحشد والقيادة الرسمية، وهنا توضيح ما يمكن أن يعنيه الصراع بينهما بالنسبة للبلد.

مباشرة بعد رد المهندس، أصدر مجلس الأمن القومي العراقي والقائد الرسمي لهيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، خطاباً يفيد بأن ابو مهدي المهندس لا يتحدث باسم قوات الحشد الشعبي أو القوات المسلحة، لقد فوجئ الكثيرون بهذا الخلاف النادر بين المهندس وفالح الفياض، الذين لطالما كانوا في نفس الجبهة.

بناءً على حالتي العراق واليمن، تبين أنه عندما يتعاون قادة الميليشيات مع البيروقراطية الرسمية، فمن الأرجح أن تتحرك الدولة نحو النظام، ولكن عندما يفقد قادة الميليشيات ثقتهم في البيروقراطية الرسمية ويزدادون قوة وشرعية، تتحرك الدولة نحو الفوضى.

لا تهيمن الدولة العراقية على الشرعية أو القدرات أو السلطة، وعلى هذا فهي تتعاون مع الحشد الشعبي لضمان الاستقرار. وكان هذا واضحًا خلال القتال ضد تنظيم الدولة، خاصة في السنوات الأولى، عندما تدخلت قوات الحشد لصالح قوات الأمن العراقية المنهارة.

ومع ذلك، فإن قائد الحشد أبو مهدي المهندس وقوات الحشد الشعبي بحاجة أيضا إلى الصبغة الرسمية، فمن ناحية تشكل مدفوعات الدولة مصدرا هاما لإيرادات دخل الحشد الشعبي. علاوة على ذلك، فإن دور الحشد الشعبي سيكون شرعيا بدعم الدولة. وقد سعت هيئة الحشد الشعبي إلى الحصول على اعتراف رسمي وتعمل تحت توجيه مكتب رئيس الوزراء منذ عام 2016. ويعتمد أبو مهدي المهندس -الذي صنفته الولايات المتحدة إرهابيًا عالميًا- على الدولة العراقية لحمايته وحماية منظمته من التدخل الدولي.

على الرغم من أن الجانبين قاتلوا عدوًا مشتركًا، إلا أن واشنطن بدأت منذ ذلك الحين في فرض عقوبات على العديد من قادة الحشد الشعبي، وخاصة أولئك الذين يتقاسمون علاقات قوية مع قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني. حيث تشعر الولايات المتحدة بالقلق من أن مخابئ الأسلحة والقدرات العسكرية لبعض مجموعات الحشد الشعبي PMF الموالية لإيران قد تهددها هي أو حلفائها في المنطقة في وقت لاحق.

إن حملة الضغط القصوى ضد إيران وحلفائها الإقليميين، بما في ذلك الحشد الشعبي، هي خطوة كبيرة في ضغط واشنطن على العراق. لقد فقدت القيادة الأمريكية الثقة في قدرة القيادة العراقية الرسمية على كبح جماح الجماعات شبه العسكرية والسيطرة عليها. بعد الحرب الأهلية السابقة (2006-2007)، لعبت الحكومة الأمريكية والجنرال ديفيد بترايوس دورًا مهمًا في العمل مع المالكي للقتال ضد جيش المهدي، الذي أصبح في ذلك الوقت قوة شبه عسكرية قوية. في تلك المرحلة، كان لدى الأميركيين نفوذ كبير على بيروقراطية الدولة الرسمية في العراق. هذه المرة أيضا، بعد حرب داخلية، أصبح الحشد الشعبي قوة شبه عسكرية قوية، لكن الأميركيين فقدوا نفوذهم وثقتهم في قدرة رئيس الوزراء على محاربة هذه المجموعات شبه العسكرية. على هذا النحو، فقد قرروا اتخاذ زمام الأمور بأنفسهم عن طريق زيادة الضغط.

تتحدى حملة الضغط الأقصى التي تنفذها الولايات المتحدة والغارات الجوية الأخيرة الوضع الراهن الرسمي الذي يحكم العلاقة بين الحشد الشعبي والدولة. حتى الآن، ترك أبو مهدي المهندس الشؤون الخارجية الرسمية لمؤسسات الدولة، والتي من شأنها أن تحميه من الأعداء الدوليين، إلا أنه بعد أن شعر بأن القيادة الرسمية لم تكن قادرة على الوفاء باتفاقها بعد زيادة الضغط الأمريكية، قرر المهندس مخاطبة الغرب مباشرة والتحدث نيابة عن مؤسسات الدولة الرسمية في رسالته.

بعد انتهاء الحرب ضد تنظيم الدولة، يواجه المهندس تحديات داخلية في سعيه لتوحيد قوات الحشد الشعبي PMF. حيث رفضت عدة مجموعات التخلي عن السلطة، مما أدى إلى تناحر داخلي، كذلك فان العديد من المواطنين العراقيين الذين دعموا ذات مرة قوات الحشد الشعبي، قد دعوا إلى حلها. في عام 2018، على سبيل المثال، تظاهر سكان البصرة – ما يقارب ثلث مقاتلي الحشد الشعبي من هذه المدينة – ضد مجموعات الحشد الشعبي الرئيسية. ورداً على ذلك تستخدم قيادة الحشد الشعبي الخصومة ضد الولايات المتحدة أو جهات اقليمية لإظهار تهديد خارجي لمحاولة الحفاظ على شعبيتها في جميع أنحاء العراق.

أن سياسة الضغوط القصوى تكشف عن تغيير في الديناميكية بين قادة الميليشيات والقادة العسكريين الرسميين في العراق، حتى الآن كانت قيادة الحشد الفعلية راضية عن دورها الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي على أرض الواقع، تاركة السياسة الرسمية للقيادة الرسمية. لكن الأخير قد لا يستطيع حماية قوات الحشد الشعبي من العدوان الغربي، وإذا كان الأمر كذلك، فقد يعيد المهندس وزملاؤه النظر في تفاهمهم مع قيادة الدولة الرسمية.

واشنطن بوست/ ريناد منصور

ترجمة وتحرير: مركز راسام