إن حملة العراق العسكرية الناجحة ضد تنظيم الدولة (داعش) التي أعلنت نفسها ذاتيا بين عامي 2014 و 2017 كانت فعالة جزئيا من خلال تعبئة الناس، ضمن ما يعرف باسم الحشد الشعبي أو قوات الحشد الشعبي، ويتكون هذا الكيان من جماعات مسلحة شيعية إلى حد كبير ويضم أيضا جماعات سنية ومسيحية ويزيدية مسلحة. ومع تراجع قوة تنظيم الدولة (داعش)، سعت هذه المجموعات أيضا إلى أن تصبح أكثر نفوذا في المجال السياسي والاقتصادي، متحدية سلطة الحكومة العراقية، لا سيما تلك الجماعات المرتبطة بإيران.

تحول هذا الهيكل “الجديد” إلى شبكة أخرى من القوى التي تؤثر على الدولة العراقية من الداخل وتدير شؤونها الخاصة بشكل منفصل.

استخدمت مجموعات “الحشد” المرتبطة بإيران المكاسب على الأرض في القتال ضد تنظيم الدولة (داعش) لتوسيع مصالحها التجارية، التي تولد موارد تساعد في الحفاظ على القوة التنظيمية التي تدعم نفوذها السياسي، كما شكلت هذه المجموعات أيضا، تحديا للولايات المتحدة في مواجهتها لإيران، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في أنها تجازف بجعل الحكم العراقي أكثر تنافسا ونفعيا وهشا، ومع ذلك فيجب أن يوضع نطاق وطبيعة الموقف في منظوره الصحيح.

أولا: لم تعد أكبر مجموعات الحشد المرتبطة بإيران – فيلق بدر وعصائب أهل الحق- مؤيدة لإيران بقوة كما كانت في السابق، لقد اختاروا درجة من “الترويض” من خلال تبادل بعض من استقلاليتهم والولاء لإيران والطائفية، مقابل مستوى نفوذهم السياسي الحالي.

ثانيا: إن جوهر الحشد المرتبط بإيران ليس مهيمنا كما يبدو، حيث لا يزال متنوعا في تكوينه ويواجه منافسين شيعيين أقوياء مثل مقتدى الصدر وعمار الحكيم، فضلا عن سمعة سيئة في النجف. لقد عجز ائتلاف الفتح الذي يعد ممثلا للحشد الشعبي، والذي حصل على 48 مقعدا برلمانيا في انتخابات 2018، عن فرض مرشحيه المفضلين خلال عملية تشكيل الحكومة المطولة، (سبتمبر/ أيلول 2018 إلى يونيو/ حزيران 2019)، وقد توجت الجهود المبذولة لإقامة غطاء سياسي للحشد بترشيح (فاشل) لفالح الفياض وزيرا للداخلية.

ثالثا: ربما الأهم من ذلك، يشير تحليلنا الأخير إلى أن قاعدة القوة لفيلق بدر، وعصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله لم تنمو كثيرا خلال الفترة 2017-2018، على الرغم من أن تكوين قاعدة القوة خضع لتغيير كبير، هذا على الرغم من قتالهم الناجح ضد تنظيم الدولة (داعش) والتنويع الاقتصادي والمكاسب السياسية.

في المقابل، استفاد المقاتلون المرتبطون بإيران من مزيد من التدريب والتمويل الاضافي والأسلحة من الحرس الثوري منذ البداية، وقد أنتج هذا قدرات أفضل في القتال الحربي وضعت الجماعات المرتبطة بإيران في المقدمة ضد تنظيم الدولة (داعش)، كما مكنت نجاحات هذه الجماعات في ساحة المعركة من زيادة شرعيتها الشعبية.

علاوة على ذلك، خلقت السيطرة على الارض فرصا لجني الأرباح (مثل نقاط التفتيش) التي من شأنها تسهيل التنوع الاقتصادي، والأهم من ذلك أنها سمحت لمجموعات “الحشد” المرتبطة بإيران بالسيطرة على “هيئة الحشد الشعبي” المنشأة حديثا -وهي هيئة إدارية تابعة للدولة- لإدارة “الحشد” ودفعه وتدريبه وتجهيزه، وقد تم استغلال صلاحياتها الإدارية لصالح الجماعات المرتبطة بإيران.

في الوقت نفسه، وسعت الجماعات المرتبطة بإيران من تواجدها الاقتصادي، الذي يتكون من مجموعة من الأنشطة العامة والخاصة المشروعة وغير المشروعة، وتقدم السيطرة على نقاط التفتيش الحدودية بالقرب من دهوك والصفرا (وكلاهما بين العراق والمنطقة الكردية)، وشلامجة وجذابة (العراق – إيران)، والقائم (العراق – سوريا) أمثلة جيدة، حيث تشير التقديرات إلى أن التعريفات والضرائب التي يفرضها فيلق بدر على البضائع عند معبر الصفرا الحدودي وحدها تحقق ما بين 12 إلى 15 مليون دولار شهريا.

بعد نهاية الحرب ضد ضد تنظيم الدولة (داعش) حولت جماعات الحشد المرتبطة بإيران تدريجيا الحشد من مجموعة متنوعة ومجزأة من الجماعات المسلحة “المدنية” إلى منظمة أكثر اتساقا ومركزية من خلال مزيج من الإكراه والترغيب، فقد جعلوا الحياة صعبة على مجموعات الحشد الأخرى من خلال سيطرتهم على هيئة قوات الحشد الشعبي ومواصلة القيام بذلك.

على سبيل المثال، لم يسمح لقوات الحشد السنية في نينوى، إلا بالتسجيل في كتائب تضم من 100 إلى 300 مقاتل، مما حال دون ظهور قوة سنية قوية ومتماسكة، وكذلك الحال بالنسبة لسرايا السلام وشعبة عباس القتالية كانتا محرومتين بانتظام من حيث الوظائف والرواتب المخصصة لقواتهما.

بدأت مجموعات الحشد المرتبطة بإيران مؤخرا حملة لتطهير العناصر الوهمية، بالإضافة إلى العناصر غير الموالية والفاسدة، مما أدى إلى القبض على بعض قيادات الحشد أمثال أوس الخفاجي (قائد حشد قاتل أيضا في سوريا)، وشملت التدابير الإدارية المركزية الأخرى إنشاء نظام لدفع رواتب البطاقات الذكية يربط مقاتلي الحشد بالهيئة مباشرة، وإعادة نشر مكاتب ومخيمات الحشد من المدن إلى المناطق الريفية، وإنشاء معسكرات تدريب منتظمة.

ومع ذلك، فإن هذا التحول لم يكن كافيا لضمان قبول شعبي كافي لسيطرة هذه المجموعات المتزايدة على الحشد وزيادة المصداقية السياسية، لذلك أسقطت الجماعات التابعة لإيران الكثير من خطابها الطائفي، وصعدت من الخطاب الوطني، وأبدت التزاما علنيا دقيقا بالأوامر الرسمية. واستعيض عن رواية “المقاومة” الطائفية الحصرية بعبارة أكثر شمولا وهي “أنا الحشد”، كونه يعبر عن الالتزام بخدمة البلد بروح التعبئة الشعبية.

ماذا الآن؟

إن الحشد الأصلي لم يعد موجودا، فالحشد الـ”جديد” تهيمن عليه جماعات مرتبطة بإيران تهدف إلى توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في جميع أنحاء المجتمع العراقي. في المقابل، صرح كبار قادة فيلق بدر أن “قوة الحشد لا نقاش فيها وسوف تستخدم بالطريقة الصحيحة للحكم”، إن هذا الموقف يخلق مخاطر على التطور الوطني للعراق فالنفوذ الحزبي القوي عبر المجالات الاستراتيجية يسهل إساءة استخدام السلطة.

تتمثل الإستراتيجية الأكثر حكمة في تمكين الدولة العراقية من تحسين جودة حكمها وتوفير الخدمات وجذب مجموعات الحشد الرئيسية إلى الحكم كشركاء صغار، ويتطلب القيام بذلك القدرة على تنظيم هذه المجموعات بفعالية، من خلال إعادة تنظيم السيطرة على هيئة الحشد الشعبي، وإضفاء الطابع المهني على الشرطة والجيش وتعزيزهما على المستوى المحلي، واللجوء إلى اتفاقيات “مستوى الخدمة” التي تتفق فيها الحكومة المحلية وجماعات الحشد على أهداف الأداء الاجتماعي – الاقتصادي، وهو ما يساعد في تحقيق توازن أفضل بين الشمولية والإشراف، وبهذه الطريقة، يمكن تجنب التطور نحو وضع كـ” حزب الله اللبناني”، والذي من خلاله يعمل الفيتو السياسي للحزب على خنق التنمية الوطنية ويفرض قدرات مستقلة تحد بشكل كبير من وصول الدولة.

في نهاية المطاف، لا توجد طرق مختصرة لمعالجة مخاطر الشبكات مثل الحشد المرتبط بإيران، إنه يتطلب العمل الشاق لمعالجة الفساد، وتنويع الاقتصاد، وزيادة المساءلة.

 

ور اون ذا روك / نانسي عزالدين و اروين فان فين

ترجمة وتحرير: مركز راسام