بينما يخرج العراق من الدمار الذي خلفته الحرب الأمريكية المستمرة منذ سنوات هناك وما تلاه من وصول تنظيم الدولة (داعش)، تتنافس عدة دول للمساعدة في تشكيل مستقبل العراق بما يناسب مصالحها الخاصة، ومن خلال أخذ ذلك في الاعتبار، فإن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف سيقوم بزيارة العراق وكردستان العراق في أوائل أكتوبر/ تشرين اول القادم.

ترى روسيا أن لعب دور حاسم في إعادة إعمار العراق من شأنه أن يكمل أهداف موسكو على المدى الطويل في الشرق الأوسط.

أولاً: يقدم العراق فرصة لروسيا لتوطيد نفوذها في الشرق الأوسط لسنوات قادمة، مما يمكّنها من الاستمرار في التركيز على الشؤون الإقليمية. لقد أقامت روسيا علاقات فاترة مع دول إقليمية متعددة، حيث وضعت نفسها كمشرف في المنطقة، في سوريا على سبيل المثال، استخدمت موسكو هذه المرونة والتأثير للحفاظ على العلاقات مع كل من الكيان الصهيوني وإيران حتى عندما يهاجم الاثنان بعضهما البعض.

 ثانياً: إن حصولها على موطئ قدم في العراق سوف يضعها في موقف أفضل لمواجهة الجهود التوسعية التي يقوم بها الخصمان الإقليميان لها إيران وتركيا. وهو ما يتطلب تحركا سريعا. لذلك، على الرغم من إمكانياتها المحدودة إلى حد ما، فإن موسكو تحاول تأمين موقع في إعادة إعمار العراق.

المنافسون

تواجه روسيا منافسة قوية ومتنامية في العراق، خاصة في قطاع الطاقة في البلاد، فإنتاج النفط يجلب إيرادات مهمة للحكومة، إلا أن المشكلات المتعلقة بتوليد الكهرباء قد أعاقت التنمية الاقتصادية. ويدرك العراق أن إعادة بناء اقتصاده يتطلب مبالغ هائلة من الاستثمار والتمويل، لذا قام العراق بمغازلة عدد من المستثمرين المحتملين، حيث قدمت عدة جهات من جميع أنحاء العالم خدماتهم للمساعدة في بناء هذا القطاع، وقد وافقت تركيا مؤخرًا على بدء تجارة الكهرباء مع العراق بمجرد تلقي البنية التحتية للأخير “تحديثات ضرورية”، وقد تستغرق هذه التحديثات سنوات حتى تكتمل، لكن هذه الخطوة تؤكد اهتمام أنقرة بمستقبل العراق بعد توقف العمليات العسكرية. كذلك ان شركة سيمنس الألمانية باشرت في المرحلة الأولى من خطة تتكون من ثلاثة مراحل لإضافة 11 جيجاوات إلى الشبكات الكهربائية في العراق، وقد تم بالفعل إضافة 700 ميجاوات، وفي الوقت نفسه تعد إيران مورد رئيسي للنفط لتوليد الكهرباء العراقية، وهو ما عجل بالضغط الأمريكي على بغداد لإيجاد مصادر بديلة في الوقت الذي ملت فيه واشنطن من منح الإعفاءات المتكررة للعراق ليتمكن من استيراد النفط الإيراني.

ترغب روسيا في التأثير في أسواق النفط أيضا، وتدرك موسكو أنها لا تستطيع أبداً التحكم بشكل كامل في أسواق النفط، لكن كلما زاد إنتاج وخطوط الأنابيب التي يمكنها السيطرة أو التأثير عليها، كلما زاد نفوذها عند التفاوض على إنتاج النفط وسياساته مع الدول الأخرى. ولتحقيق هذه الغاية، تتابع روسيا أيضًا مشاريع نفطية في العراق وكردستان العراق.

ولدى موسكو أيضًا ضرورة استراتيجية أكبر، فإذا وجدت روسيا نفسها خارج الشرق الأوسط نتيجة لتوسع نفوذ إيران أو تركيا، فيمكن وقتها لأي من تلك الدول أن تحول تركيزها إلى القوقاز، والقوقاز هي منطقة عازلة حاسمة بالنسبة لروسيا، لذلك فإن أي بروز لنفوذ تركي أو إيراني هناك، ستعتبره روسيا تهديد مباشر لأمنها، لذلك فان بقاء روسيا في الشرق الأوسط سيسمح لها بالتأثير في مجالات نفوذ منافسيها وكذلك تحويل موارد هؤلاء المنافسين واهتمامهم بعيدًا عن القوقاز.

الدور الروسي

لدى روسيا خيارات محدودة إلى حد ما فيما يتعلق بكيفية تأثيرها في إعادة إعمار العراق. لقد أثمرت الجهود الدبلوماسية التي بذلتها موسكو ببعض التأثير السياسي في العراق، لكنها لا تستطيع الاعتماد على الدبلوماسية وحدها، كما أن العمليات العسكرية ليست خيارًا متاحا؛ خاصة وان الاقتصاد العراقي ليس مستقراً والاضطرابات الاجتماعية في تصاعد، وبالتالي فإن أي دور عسكري هناك لن يكون مكلفاً فحسب، بل سيؤدي أيضًا إلى ردود فعل اجتماعية خطيرة، بالإضافة إلى ذلك، فإن الدور الروسي في سوريا والمناخ الداخلي الحالي يمنع طرح الجانب العسكري كخيار، لذلك ستركز موسكو على مجال خبرتها: الطاقة، حيث تتوافق احتياجات العراق وإمكانياته في مجال الطاقة بشكل جيد مع الخبرة الروسية واهتمامها بزيادة النفوذ على إنتاج النفط وتدفقاته.

لقد بدأت خطط روسيا بشأن العراق في التبلور، حيث وضعت الأسس في أوائل العام الماضي؛ ومنذ ذلك الحين، تطورت تبادلاتها مع العراق من مجرد كلام إلى توقيع اتفاقيات جوهرية، فقد وقعت وزارة النفط العراقية مؤخرًا عقدًا مدته 34 عامًا مع شركة Soyuzneftegaz الروسية لاستكشاف وتطوير حقل للنفط والغاز في محافظة الأنبار. وتتراوح التقديرات الأولية لاحتياطيات النفط بين ملياري و 4 مليارات برميل نفط، و يمثل الغاز 60 إلى 70 في المائة من الاحتياطيات. كذلك فان شركات الطاقة الروسية Lukoil و Gazprom Neft لديها أيضا عمليات في العراق. وقد أعلنت موسكو، هذا الاسبوع، عن حل مشاكل تتعلق بالتنقيب عن النفط وعقود الإنتاج بين شركة Rosneft وكردستان العراق، كما كشفت “روساتوم” هذا الشهر أن روسيا والعراق استأنفا المناقشات حول الاستخدام السلمي للطاقة النووية، أما خارج نطاق الطاقة، فقد أبدى العراق أيضًا رغبته في شراء نظام الدفاع الجوي S-300 من روسيا.

إن مساعي روسيا في الشرق الأوسط تتجذر في نهاية المطاف في دعم اثنين من احتياجات البلاد الرئيسية، وهي منع إيران وتركيا من تحدي النفوذ الروسي بشكل خطير في منطقة القوقاز والحصول على نفوذ أكبر على إنتاج النفط وتدفقاته. إن توقيت التحركات الروسية الأخيرة وزيادة فرصها في التأثير بشكل فعال، يرتبط بزيادة الضغط الاقتصادي والسياسي والعسكري على إيران. إن التنافس على موضع في إعادة إعمار العراق سيستمر لسنوات قادمة، واندفاع موسكو الحالي نحو العراق هو علامة على أنها تريد ايضا قطعة من الكعكة.

 

جيوبوليتيك فيوتشر / أليسون فيديركا

ترجمة وتحرير: مركز راسام