نشر مهند حبيب، في أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي  -وهو مواطن عراقي بالغ من العمر 22 عامًا من مدينة الصدر ببغداد – على الفيس بوك بعض المنشورات التي تتضمن بعض الطلبات، إلا أنه لم يكن يتخيل أن مطالبه بحياة أفضل وحقوقًا أساسية ستواجه بالرصاص.

لقد خرج الشباب الغاضب من بغداد إلى الشوارع وهم غير مرتبطين أو تابعين لأي حزب سياسي أو مع نشطاء معروفين، إن المحتجين، الذين ولد غالبيتهم في أواخر التسعينيات أو أوائل العقد الأول من القرن العشرين، يأسوا من أي تغيير محتمل في العراق.

أدى القمع الذي قامت به قوات الأمن ضد المتظاهرين إلى مقتل أكثر من 100 شخص وجرح الآلاف، وقد أدان الرئيس العراقي برهم صالح القمع في خطاب بثه التلفزيون في 7 أكتوبر/ تشرين الأول، مدعيا أن أوامر إطلاق النار على المتظاهرين لم تصدر عن الدولة أو أجهزتها. وقد وجهت وزارة الداخلية بإجراء تحقيق في عمليات القتل، ومع ذلك، أثار بيان صالح أسئلة حول من يدير الدولة العراقية فعليًا، وعلى الرغم من إدانته والادانات الدولية، فإن الحملة مستمرة على الأرض.

 

دعوة لوطن

ما زال الفساد المستشري والبطالة والمؤسسات الفاشلة وضعف الخدمات العامة في العراق هي التي دفعت إلى الاحتجاجات منذ عام 2011، بما في ذلك احتجاجات البصرة في عام 2018. لقد أعطت، استعادة الأراضي العراقية من قبضة تنظيم الدولة (داعش)، الكثير من العراقيين أملاً في أن تكون الحكومة قد تعلمت الدروس من الإخفاقات المتكررة التي أدت إلى صعود التنظيم، وأن أولئك الموجودين في السلطة سيتخذون خطوات صادقة للإصلاح، لكن هذا الأمل كان يتضاءل يوما بعد يوم.

وجاءت الاحتجاجات الأخيرة في أعقاب مظاهرات متعددة أصغر حجما من قبل مجموعات مختلفة، بما في ذلك حملة شهادة الدكتوراه والأطباء والمهندسين في سبتمبر/ أيلول 2019.

لقد أدت الإجراءات الحكومية الأخيرة إلى غضب واسع النطاق وخاصة بين الفقراء، حيث باشرت الدولة بحملة لتدمير الممتلكات غير المرخصة وأكشاك السوق في جميع أنحاء العراق، تاركة الكثير من المشردين والعاطلين عن العمل.

وأعقب ذلك إقالة الفريق الركن، عبد الوهاب السعدي، من منصبه كقائد لجهاز مكافحة الإرهاب، واحالته إلى منصب أدنى في وزارة الدفاع، وإن تهميش شخصية ذات شعبية واسعة بسبب دورها في الحملة العسكرية ضد تنظيم الدولة (داعش) أغضب الكثير من العراقيين ايضا.

يريد الجيل الجديد وطنًا، حيث رفعت عدة شعارات في الاحتجاجات مثل “نحن نريد وطنًا محترمًا”، و “سأذهب إلى الشارع لأحصل على حقي”، وصاح متظاهر آخر “القضية لا تتعلق بالماء أو الكهرباء، بل تتعلق بالوطن”.

رددت وسائل الإعلام الإيرانية رواية مماثلة لتقويض شرعية الاحتجاجات، متهمة القوى الأجنبية بالوقوف وراءها

حملة عنيفة

لقد فاجأت الحملة الصارمة للاحتجاجات، العراقيين وصدمتهم، ولقد حول القمع، الاحتجاجات على الفساد والبطالة إلى انتفاضة ضد الوضع الراهن وما يراه المتظاهرون تدخلاً أجنبيًا، لا سيما من إيران.

تم استخدام الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية والقناصة لقمع المتظاهرين، وكما قال أحد المتظاهرين: “لقد فعلوا لنا أشياء لم يفعلوها حتى مع تنظيم الدولة (داعش)، ضربونا وأهانونا. استخدموا الرصاص الحي والقنابل اليدوية. ماذا فعلنا ؟.. كل ما نطلبه هو حقوقنا وحقوق جميع الناس “، لقد استخدمت كلمات المتظاهر بمثابة افتتاحية لأغنية راب جديدة بعنوان “ذيول إيران” تم إصدارها على أثر حملة قام بها مغترب عراقي تضامناً مع المتظاهرين.

وشملت الإجراءات الحكومية تعتيم الإنترنت في جميع أنحاء العراق باستثناء إقليم كردستان، وحظر التجول في بغداد والمحافظات الأخرى في الجنوب، وسد الطرق المؤدية إلى ساحة التحرير في بغداد حيث تجمع المتظاهرون، كما تم إجراء مقارنات مع تنظيم الدولة (داعش)، الذي قطع الاتصال بالإنترنت في الموصل عندما كانت القوات العراقية تتقدم لاستعادة المدينة في عام 2016. كما تعرضت مكاتب الوكالات الإعلامية التي تغطي الاحتجاجات للهجوم وظهرت تقارير عن تعرض المتظاهرين والناشطين والصحفيين للتهديد والاعتقال.

لقد حاولت السلطات في العراق السيطرة على تداول مقاطع الفيديو التي تُظهر مقتل المدنيين في وضح النهار، من خلال فصل العراقيين عن العالم الخارج، وروجت السلطات أيضًا رواية الأحزاب والمسؤولين السياسيين المدعومين من إيران: بأن “المندسين”، إشارة ضمنية إلى البعثيين أو الجهات الفاعلة المدعومة خارجيا، كانوا هم وراء أعمال الشغب. كما رددت وسائل الإعلام الإيرانية رواية مماثلة لتقويض شرعية الاحتجاجات، متهمة القوى الأجنبية بالوقوف وراءها، في إشارة غير مباشرة إلى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والسعودية.

وعلى الرغم من تعتيم الإنترنت، فقد تم تبادل لقطات لإطلاق النار الحي على المتظاهرين وسيارات الإسعاف التي تحمل الجرحى، على وسائل التواصل الاجتماعي حيث لجأ بعض المتظاهرين العراقيين إلى أساليب مبتكرة بمساعدة المغتربين العراقيين للكشف عن حجم العنف.

تسببت المشاهد المحزنة في ضجة كبيرة بين المغتربين العراقيين الذين احتجوا في عدة بلدان حول العالم تضامناً مع المتظاهرين، لكن بالنسبة للأشخاص داخل العراق، ما زال الكثيرون لا يعرفون حجم الفظائع التي ارتكبت، لأنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي.

يحتاج العالم على الأقل إلى إدراك أن الأسباب الجذرية لمشاكل العراق تكمن في نظام ما بعد عام 2003 نفسه

ديمقراطية زائفة

لقد فشلت الحكومات المتعاقبة، منذ سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، في وضع حد لمظالم العراقيين. وتم تقديم وعود فارغة مرارًا وتكرارًا، وتم اتخاذ تدابير سطحية فقط. لقد ساعد النظام الانتخابي على إنتاج وإدامة شكل هجين من الكليبتوقراطية والسلطوية والكياكيتوقراطية، حكومة يديرها أسوأ الناس، أو معظمهم عديمي الضمير، وقد حافظت الجماعات المسلحة والقبائل والقوى الأجنبية ورجال الدين على هذا النظام.

ربما تم قمع الاحتجاجات الأخيرة لكنها كشفت أن الديمقراطية في العراق ليست سوى واجهة، أ حكومة ديمقراطية تقتل شعبها، وتمحي آمالهم وأحلامهم؟ ويمكن أن تدعي أنها لا تزال حكومة شرعية؟ في تقييم محايد للقمع المميت للأبرياء في العراق، يحتاج العالم على الأقل إلى إدراك أن الأسباب الجذرية لمشاكل العراق تكمن في نظام ما بعد عام 2003 نفسه.

 

ذا كونفرزيشن / بلسم مصطفى

ترجمة وتحرير: راسام