المتظاهرون في شوارع العراق، غاضبون من الفساد والبطالة والخدمات العامة السيئة، وقوات الأمن تقوم بإطلاق الذخيرة الحية وقتلت المتظاهرين، ورئيس الوزراء العراقي وعد بإجراء تحقيق والأمم المتحدة دعت إلى ضبط النفس.

هذا ليس مشهد من بغداد قبل أسبوعين، ولكن منذ صيف عام 2018 في البصرة، عندما هزت المظاهرات المدينة الساحلية الجنوبية. فبعد مرور عام على تلك المظاهرات، أصبح للعراق حكومة جديدة، ورئيس وزراء جديد – وحتى ممثل خاص جديد للأمم المتحدة – لكن القصة لم تتغير. تعد هذه الجولة الأخيرة من الاحتجاجات، التي دخلت أسبوعها الثاني، واحدة من أكبر الاحتجاجات حتى الآن، ويبدو أنها كانت بلا قيادة ولا تستجيب للضغوط السياسية.

لقد وجد الزعماء السياسيون صعوبة في إيجاد رد مناسب للمتظاهرين، ففي بيان متلفز يوم 4 اكتوبر/تشرين الأول، أصدر رئيس الوزراء بيانا استرضائيا، واصفا المتظاهرين بـ “الاخوة” وعرض الإسكان والقروض المدعومة للشباب، إلا أنه لم يقدم شيئًا فعليا لتهدئة الحالة المزاجية.

ولقد دعا رجل الدين مقتدى الصدر، زعيم أكبر تجمع في البرلمان، رئيس الوزراء إلى الاستقالة، لكن انتخابات وسياسيون جدد ليس هو الحل، إن احتجاجات العام الماضي في البصرة طرحت نفس الفكرة، لكنها لم تسفر عن أي تغيير حقيقي.

بمعنى آخر أن الاحتجاجات هي للهروب من السياسيين، لقد أصبح الفساد مؤسسيًا إلى حد كبير، والسياسة العراقية تعتمد إلى حد كبير على الصفقات الخلفية، بحيث لا يمكن إلا لحزب سياسي يتمتع بتفويض قوي أن يقود التغييرات الضرورية، لكن النظام السياسي في العراق أنشأ بالضبط للوقاية من الحصول على تفويض قوي، وهنا تكمن المشكلة: لا يطالب المتظاهرون بتقديم تنازلات يمكن للسياسيين أو النظام السياسي منحها، لقد أصبح النظام السياسي في العراق هو المشكلة ويريد المحتجون التخلص منه.

إن النظام الذي تم إنشاؤه بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 لتوزيع السلطة بعيدًا عن المركز، كان هدفه إصلاح عيوب نظام صدام حسين المركزي، أدى إلى ترسيخ التركيبة الطائفية للبلاد. لقد خلق نظام الحصص الذي يخصص الوزارات على أسس طائفية وهو ما فتح الباب للسياسيين ليكون ولاءهم الأول للاحزاب السياسية التي تهيمن عليها الطائفة وهي التي تضعهم في السلطة.

في فترة ما بعد الغزو، أشار النقاد إلى أن النظام القائم على العراق والطائفة، كما هو الحال في لبنان، سيخلق إما حكومات ضعيفة أو شلل سياسي دائم، وفي العراق أسفرت عن كليهما، ولكن كان ينظر إلى ذلك على أنه ثمن معقول يُدفع لتصحيح أخطاء عهد صدام، وخاصة الهيمنة المفرطة للسنة على حساب الأغلبية الشيعية والأكراد.

لقد ألقى متحدث باسم الحكومة العراقية باللوم على “الأيدي الخبيثة” في قتل المحتجين، وفي الواقع، لا يختلف هؤلاء المتظاهرين كثيرًا عن الآخرين في جميع أنحاء العالم، حيث يطالب المحتجون بوظائف وأجور لائقة، ربما 20٪ من الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 25 عامًا في العراق عاطلون عن العمل والكثير منهم شبه عاطلون عن العمل، ويعملون في وظائف تقل عن مستواهم التعليمي.

الأمر المختلف هو أن العراق، البلد الذي تحطم بسبب غزو عام 2003 والحرب ضد تنظيم الدولة (داعش)، بدأ من قاعدة أقل استقرارًا، والنظام السياسي مصمم على البقاء مستقراً ضد التهديدات السياسية، حتى على حساب ممارسة السياسة فعلاً. إن الحجم الكبير للاحتجاجات يظهر عدم القدرة على تحمل هذه العقلية، هذه الاحتجاجات هي استمرار لتلك التي بدأت في عام 2015 واستمرت كل عام منذ ذلك الحين، معظمها خلال فصل الصيف عندما وصل الإحباط الشعبي إلى ذروته بسبب عدم توفر الخدمات العامة، مثل المياه النظيفة والكهرباء لأغراض التبريد في حرارة الصيف.

في الواقع، إذا كانت الاحتجاجات سياسية، فقد يكون هناك بعض الاحتمال للتغيير، بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في مايو/ أيار من العام الماضي، استغرق الأمر سبعة أشهر من الجدل حول التوازن العرقي والطائفي لإنتاج حكومة لا تزال مشلولة وغير قادرة على اتخاذ القرارات.

هذه هي المشكلة الأساسية في النظام العراقي وهي مشكلة لا يستطيع رئيس الوزراء عادل عبد المهدي معالجتها شخصياً بسهولة، وقال بعد اندلاع المظاهرات إنه مستعد للقاء والاستماع إلى المتظاهرين “لساعات”، لكن حتى لو قابلهم، سوف لن يعجبه ما يقولونه، ولا يستطيع تلبية مطالبهم. ما يريدونه هو إصلاح النظام السياسي الجذري والفرعي، في حين أن كل ما يمكنه تقديمه هو تغير سطحي.

في فرنسا، بدأ المتظاهرون أو السترات الصفراء، وهي حركة احتجاج جماهيرية بلا قيادة، بأهداف محددة ولكنها أضافت الكثير من المطالب الأخرى التي لا يستطيع النظام السياسي الاستجابة لها، وكذلك المتظاهرين في العراق يريدون تغيير النظام. إن حكومة العراق في نفس المأزق: مواجهة حركة ذات مطالب كبيرة للغاية، واسعة الانتشار وبعيدة المدى لدرجة أنها ببساطة لا تستطيع الاستجابة، لأنها لا تملك الأدوات ولا القدرة على ذلك.

أمام المتظاهرين خياران: المضي نحو الأمام أو التراجع، وإن المضي قدماً قد يعني حصولهم على التغييرات الشاملة التي يريدونها، وهو سيناريو غير مرجح لأنه تم استثمار الكثير في النظام الحالي من داخل وخارج العراق. أما الخيار الثاني فهو بديلًا مثيرًا للاشمئزاز، ولكنه يعني أن المتظاهرين سيعيشون بانتظار القتال في يوم آخر، أو العام المقبل.

 

اسيا تايم/ فيصل يافاي

ترجمة وتحرير: راسام