إن موجة الاحتجاجات الأخيرة للعراق ضد الفقر، والافتقار إلى الخدمات الأساسية، والبطالة، وتدخل إيران في الشؤون الداخلية للبلاد، أظهرت دولة في نهاية فترة تماسكها. وتشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد القتلى في الحملة العنيفة للمتظاهرين تجاوز 250 شخصا.

منذ عام 2011، تعرضت الاحتجاجات والحركات الشعبية التي تحدت هيمنة النخبة أو شككت في الحكومة لقمع عنيف، كما زاد وجود إيران حيث أصبحت الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة في العراق معتمدة على قوات الحشد الشعبي المدعومة إيرانيا للحفاظ على النظام في العراق. وكانت هناك تقارير تفيد بأن القناصة قد تم نشرهم من قبل الميليشيات التي تدعمها إيران في الجولة الأخيرة من الاحتجاجات في بداية أكتوبر/ تشرين الأول.

إن مشاكل العراق عميقة الجذور ومؤسساتية، وإذا لم يتم التصدي لها فقد تتصاعد إلى ثورة واسعة النطاق، المطلوب هو إصلاح دستور البلاد لعام 2005، الذي كتب خلال فترة من عدم الاستقرار السياسي بعد حرب واحتلال. إن السبيل الوحيد لإتاحة الفرصة للعراق للازدهار والسلام هو معالجة أسسه المعيبة التي تأثرت بشدة من المحتلين.

لقد فشل دستور العراق لعام 2005، الذي تأثر بالولايات المتحدة، في تشكيل حكومة تمثيلية موحدة، لقد تم إساءة استخدام الغموض الموجود فيه من قبل أولئك الموجودين في السلطة، مما أدى إلى تفاقم الانقسامات الطائفية داخل السياسة العراقية. فلقد أنشأ الدستور نظامًا يتم فيه توزيع أدوار القطاع العام والحكومة على أساس الطائفة والعرق.

 

نخب غير تمثيلية

لقد أصبح العراق أمة للقليل وليس للكثيرين، حيث تسعى النخب السياسية العراقية غير الممثلة إلى تقاسم موارد الدولة، بينما يترك الملايين من العراقيين دون تمثيل ودون آفاق للمستقبل.

وفي الوقت الذي يشعر فيه غالبية المواطنين بالاستياء والمعاناة، فإن النخبة في العراق تظل محصّنة وتواصل الحكم من خلال نظام يُعرف باسم “الواسطة”، والذي يشمل خدمة المقربين، مثل الأصدقاء والعائلة، وتظل الانقسامات على أسس عرقية وطائفية موضوعًا رئيسيًا عند تحديد أسباب الخلاف بين الطوائف المتنافسة التي تتحد لتشكيل كتل سياسية في الحكومة العراقية.

إن عملية تشكيل الحكومة المطولة، التي تجري بعد الانتخابات، لتقسيم مؤسسات الدولة الرئيسة هي قائمة على الهويات العرقية والطائفية. ولتحقيق ذلك، تشكل الأحزاب السياسية كتلًا مع بعضها وضد بعضها البعض لتحقيق أهدافها، وتكون أكبرها هي الكتلة الحاكمة، وعلى الرغم من أن النخب العراقية منقسمة على أساس العرق والطائفة والدين، فإن هذا السباق من أجل السلطة ومعه القدرة على توزيع موارد البلاد ومشاركتها، يخلق وحدة بين النخب.

على سبيل المثال، في ثلاثة انتخابات برلمانية منفصلة منذ عام 2003، لم يصبح المرشح الفائز رئيسًا للوزراء. وفي انتخابات 2014، فاز نوري المالكي، بصفته رئيس ائتلاف دولة القانون، بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان، ولكن بسبب الخلافات حول تشكيل الحكومة والقتال ضد تنظيم الدولة (داعش)، حل محله حيدر العبادي، وفي انتخابات 2018، فاز ائتلاف مقتدى الصدر (سائرون) بالأغلبية، لكن تم اختيار عادل عبد المهدي، المستقل، رئيسًا للوزراء في نهاية المطاف.

إن الإقطاعيات الوزارية التي تُمنح فيها الأحزاب السياسية وزارات في مقابل الحصول على الدعم لتشكيل الكتل الحاكمة قد خلقت حكومة مختلة، وهذا يعني عدم وجود استراتيجية حكومية واضحة، والتي بدورها تعوق التنمية بشدة.

تتضح آليات نظام تقاسم السلطة من خلال تحالفات القلة الذين يستخدمون المؤسسات العامة لتوزيع المزايا للمقربين، وتتحكم الأحزاب السياسية في عقود المشتريات وإعادة الإعمار الحكومية، وهي إما تقوم ببيعها، أو تنشئ شركات خاصة لمنح العقود لأنفسهم، ثم يتم التعاقد من الباطن على هذه العقود، أو ببساطة لا يتم الوفاء بها على الإطلاق، مع استنزاف الأموال في هذه العملية، وفي النهاية تستفيد منها نخبة عراقية ضيقة، ويشار إلى أن العراق احتل المرتبة 168 من أصل 180 دولة في مؤشر الفساد لعام 2018 لمنظمة الشفافية الدولية.

 

الديمقراطية نظريا فقط

إن حرية التعبير في العراق غير موجودة، وأولئك الذين يتحدثون علنا ​​ضد الحكومة مستهدفون وغالبا ما يقتلون، وكذلك المحتجون على العموم، الديمقراطية في العراق موجودة فقط من الناحية النظرية.

من أجل أن يتمكن العراق من تلبية المطالب المتزايدة لشعبه وتحديات الرخاء على الساحة العالمية، هناك حاجة إلى إصلاح سياسي فوري، يجب أن تتصدى عملية الإصلاح بشكل مباشر للدستور المتسرع والمثير للخلاف، يجب أن يتبع ذلك إضفاء الطابع الديمقراطي على مؤسسات العراق وإعادة تشكيل الهوية الوطنية للعراق حتى يتمكن البلد من الخلاص من طائفيته ويصبح موحدا كأمة، وبدون معالجة كل هذه القضايا على نفس القدر من الأهمية، ستستمر دائرة المحن لأن دولة العراق ستبقى معتمدة على رد الفعل بدلاً من الفعل المسبق.

 

ذا كونفرسيشن / بامو نوري

ترجمة وتحرير: راسام