مزقت الاحتجاجات ورد الفعل العنيف من قبل الحكومة أسطورة الطائفية التي ترعاها الدولة باعتبارها المبدأ التنظيمي للسلطة السياسية.

إن استمرار وحجم الاحتجاجات في العراق منذ أوائل شهر أكتوبر/ تشرين الأول ووحشية قوات الحكومة العراقية والميليشيات التي تسعى إلى سحقها قد هزت البلاد. قُتل أكثر من 275 محتجًا وجُرح الآلاف، لكن الاحتجاجات استمرت بلا هوادة.

لقد احتج العراقيون في البداية على الفساد والبطالة وفشل الحكومة في تقديم الخدمات، لكن بعد شهر من عنف الدولة الوحشي، دعا المحتجون إلى استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، وإصلاح شامل للعملية السياسية في البلاد. وحل الفصائل السياسية القوية وميليشياتها، التي تدعم وتدير إيران معظمها.

لقد فشلت الحكومة العراقية والنخبة السياسية في الرد بأي شكل من الأشكال على المتظاهرين. في خطابه الذي ألقاه وعد برهم صالح – رئيس العراق – بصياغة قانون انتخابي جديد، مدعيا أنه سيسمح لمزيد من الشباب بالانضمام إلى العملية السياسية ووضع حد للنظام الحالي القائم على أساس عقد الصفقات في تشكيل الحكومة. كما وعد بإصلاح لجنة الانتخابات في البلاد من خلال استقدام خبراء مستقلين كأعضاء فيها. ومع ذلك، سرعان ما رفض المتظاهرون هذه الوعود لأنها كانت قليلة جدًا ومتأخرة للغاية، وهي تغييرات تجميلية تهدف إلى دعم نظام سياسي مشوه.

معظم الاحتجاجات تجري في المدن ذات الغالبية الشيعية. إن مقتل أكثر من 18 محتجًا في مدينة كربلاء الشيعية المقدسة الأسبوع الماضي يسلط الضوء على عدم استفادة المحافظات ذات الغالبية الشيعية من الأحزاب السياسية التي تستخدم “الهوية الشيعية” لاكتساب السلطة والحفاظ عليها.

لقد أدت الاحتجاجات ورد الفعل العنيف إلى تمزيق أسطورة الطائفية باعتبارها المبدأ التنظيمي للسلطة السياسية. حيث فشلت الطائفية التي ترعاها الدولة في توفير الحماية والتقدم للمواطنين.

تكمن المشكلة إلى حد كبير في النظام السياسي المفروض من قبل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة على العراق منذ عام 2003. والذي عزز من الكذبة التي مفادها أن العراقيين لم يكن لديهم هوية وطنية موحدة وأن هويتهم الغالبة كانت طائفية أو إثنية: شيعة وسنة وأكراد. بصرف النظر عن عزل غالبية العراقيين الذين يؤمنون بهويتهم الوطنية، فإن هذه الانقسامات عزلت المسيحيين واليزيديين والمندائيين وغيرهم من الأقليات في العراق.

في المقابل، كان المتظاهرون العراقيون يحملون العلم العراقي ويرفضون جميع الرموز السياسية والطائفية الأخرى. لقد ملأت الشوارع مرة أخرى الأغاني الوطنية العراقية التي غنت في الثمانينات أثناء الحرب مع إيران، والشعار الذي كان له صدى أكبر هو “نريد وطنًا”، ويدعو إلى عراق لا يعاني من علل الانقسامات الطائفية أو يتلاعب به السياسيون. ويتصدر شعار آخر شهير وهو ” نازل آخذ حقي بنفسي”.

فبدلاً من البناء على مبادئ المواطنة بعد سقوط نظام صدام حسين، عملت الطبقة السياسية في العراق منذ عام 2003 على نظام طائفي لكسب السلطة السياسية والتربح وكرست الهوية الطائفية كأساس غير مكتوب لتقاسم السلطة – رئيس وزراء شيعي ورئيس كردي ورئيس سني للبرلمان –  لقد عززت الانقسامات الطائفية وتقوضت المصداقية أو الشرعية الانتخابية. أصبح تشكيل الحكومة ممارسة ساخرة في السمسرة للسلطة على أساس بناء التحالف قبل وبعد التصويت.

قسم كبير من الطبقة السياسية العراقية التابعة لإيران يجعل الأمور أسوأ. وازداد الغضب ضد النفوذ الإيراني على المؤسسة السياسية في البلاد بشكل كبير حيث أظهرت تقارير موثوقة أن معظم عمليات القتل نفذتها الميليشيات التي تدعمها طهران.

لقد اعتاد معظم المحتجين الشيعة على الهتاف “إيران برة برة”، كما أحرق المتظاهرون الأعلام الإيرانية ودمروا ملصقات الزعيم الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي ألقى باللوم على الولايات المتحدة ووكالات الاستخبارات الغربية في احتجاجات العراق ولبنان. ودعا لبنان والعراق إلى مواجهة تهديدات الأمن. وهاجم المتظاهرون القنصلية الإيرانية في كربلاء.

يطالب المتظاهرون بحكومة قومية لا تخضع لأي قوة خارجية، وقد حددوا إيران لأنها تسيطر على غالبية الأحزاب السياسية والميليشيات في العراق. في المقابل أرسلت طهران الجنرال قاسم سليماني، قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، إلى بغداد للإشراف على رد المسلحين على الانتفاضة، وأكد اللواء سليماني أن رئيس الوزراء عبد المهدي لن يستقيل، رغم أن الأخير أشار إلى أنه مستعد للقيام بذلك.

إن الصور الواردة من مدن مثل الناصرية والبصرة وبغداد تولد مزيجًا من الأمل والخوف. منحت شجاعة المحتجين العراق الأمل في أن التغيير ممكن. وقد أظهرت وحشية رد فعل القوات الحكومية والميليشيات التي تدعمها إيران أن طهران وعملائها سيبذلون قصارى جهدهم لحماية مصالحهم واستثماراتهم. تعتمد إيران اليوم على العراق للتحايل على العقوبات الدولية وبيع الغاز والمنتجات الزراعية وإبراز قوتها في العالم العربي.

يواصل الشباب العراقي الاحتجاج ليلة بعد ليلة، متحدين محاولات الحكومة المتكررة لفرض حظر التجول. أما الطبقة السياسية، فهي لا تزال محصورة في المنطقة الخضراء وانقطعت عن الشارع، لا تعرف ولا تفهم الناشطين الذين يقودون الاحتجاجات.

تجسدت قسوة الحكومة العراقية في بيانها الأخير بأنها لا تعرف هوية القناصة الحكوميين الذين أطلقوا النار وقتلوا العديد من المحتجين في بغداد.

مع دخول الاحتجاجات شهرها الثاني، بقيت المحافظات والمدن ذات الغالبية السنية بعيدة عن الاحتجاجات خوفًا من أن توصف بالبعثية أو انهم داعمين لتنظيم الدولة (داعش). إنهم قلقون أيضًا من العودة إلى الفوضى التي عانوا منها عندما انهارت الدولة العراقية بين عامي 2014 و2017، وقد انضم بعض المحتجين من هذه المحافظات إلى الاحتجاجات في بغداد، حاملين لافتات تعبر عن التضامن من مدنهم.

على الرغم من أن الحرمان الاقتصادي والانهيار السياسي قادا العراقيين إلى الشوارع، إلا أن الشعور بالفخر قد خرج من الاحتجاجات والتماسك حول المطلب النهائي لرؤية العراق كدولة ذات سيادة.

في هذه المرحلة، لن تكفي وعود الحكومة بتحسين فرص العمل أو البدء في عملية مطولة لإصلاح قانون الانتخابات. الملايين يطالبون بإصلاح النظام السياسي.

إن الحل الدائم للتصدي للفساد والسيطرة على الدولة سيعني مساءلة المسؤولين الفاسدين، وضمان وجود نظام شفاف في تشكيل الحكومة المقبلة والتأكد من أن العراق – الذي يحتفظ بخامس أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم – يمكنه تقديم الخدمات التعليمية والصحية الأساسية لكل مواطنيه.

لقد سئم الناس من نظام تقاسم السلطة الحالي، حيث يوجد للعديد من الأحزاب السياسية مقعد على طاولة الحكم ولكن لا يتحمل أي منها المسؤولية، ببساطة كل منها يلوم منافسه على الفشل الجماعي. وتتزايد الدعوات إلى نظام رئاسي، حيث يكون القائد مسؤولاً عن رفاهية الدولة وسيادتها.

العراقيون يطالبون بشكل أساسي بالكفاءة والمساءلة لقادتهم السياسيين. كل من فشل في الادارة لم يعد بإمكانه الاختباء وراء “النظام”. إنه “النظام”، وإذا لم يتم إصلاحه، فسيتم قلبه.

 

نيويورك تايمز / مينا العريبي

ترجمة وتحرير: راسام