بعد مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن حتى وفاة زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي، فإن اغتيالات أعداء الولايات المتحدة البارزين كانت رمزية بشكل كبير في السنوات الأخيرة. أما أهميتها العملية، رغم ذلك، غالبا ما كان مبالغا فيها.

لكن الضربة التي قتلت قاسم سليماني، قائد قوة القدس الإيرانية، وهي وحدة النخبة في الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) ، مختلفة. حيث لديها القدرة على تغيير الشرق الأوسط للأفضل وبشكل أساسي إذا اتبعت بالاستراتيجية الصحيحة.

لفهم السبب، من المهم أن نعترف بأن سليماني لم يكن جنرالا إيرانيا عاديا: لقد كان هو المقياس الحامل لإيديولوجية النظام الإيراني العنيف والمتطرف، وهو الشخص الذي سعى إلى تحويل الحلم الطوباوي للخميني إلى حقيقة.

منذ اللحظة التي سيطرت فيها المؤسسة الدينية الإيرانية على ثورة الشعب الإيراني عام 1979، وضع آيات الله آرائهم على تصدير شعاراتهم الإسلامية المتطرفة إلى بلدان أخرى في الشرق الأوسط. كان طموحهم الكبير هو إقامة دولة شيعية، تركزت على الخميني باعتبارها السلطة العليا ليس فقط لإيران بل لجميع المسلمين، وهو دور منصوص عليه في دستور إيران حتى يومنا هذا.

ولتحقيق ذلك، توصّل أتباع الخميني إلى فكرة إنشاء قوة القدس: جيش مكرّس لتصدير الثورة و(تحرير فلسطين) من خلال تدمير الكيان الصهيوني. لكن قوة القدس لم تظهر على الساحة بشكل حقيقي، إلا عندما تولى ابن الفلاح ذو الولاء الأعمى لخليفة الخميني، علي خامنئي، وقيادته عام 1998. وكان ذلك الشخص هو قاسم سليماني، وهو تجسيد للإيديولوجية الشيعية التي أقرتها الدولة.

كان سليماني مهندس الأنشطة الإيرانية خارج الحدود الإقليمية، حيث كان مسؤولا عن تنسيق جميع المؤامرات الإرهابية المرتبطة بالنظام الإيراني  والوصول إلى أبعد من تايلاند وبلغاريا، والقوة وراء بناء ما يسمى بالهلال الشيعي لطهران: قوس من النفوذ الإيراني يمتد من العراق إلى سوريا حتى جنوبي لبنان. لقد تباهى قائد قوة القدس، قبل أشهر فقط من وفاته،  حول كيف أن القوة تحت قيادته “خلقت صلة إقليمية بين (المقاومة الشيعية)، وربط إيران بالعراق وسوريا و لبنان”.

في الواقع، إن صعود إيران الحالي في الشرق الأوسط يرتبط ارتباطا وثيقا بالجنرال الإيراني ورغبته في إراقة الدماء. على مدى عقدين من الزمن، رعى سليماني التشدد الشيعي من بغداد إلى بيروت ووضع استراتيجية للإرهاب بدرجة من البراعة لم يكن بن لادن والبغدادي يحلمان بها.

في العراق عام 2003، على سبيل المثال، بعد سقوط نظام صدام حسين، عمل سليماني وشركاؤه بلا كلل لتجنيد الشباب الشيعي وتنظيمه في ميليشيات، موالية للزعيم الإيراني الأعلى وليس للدولة العراقية.

وهم مزودون بالصواريخ والقنابل المزروعة على جانب الطريق، ويقتلون المئات ويجرحون الآلاف من القوات البريطانية والأمريكية. فمن خلال الميليشيات، كان الجنرال الإيراني قادرا أيضا على البدء في تطوير علاقة تحكم وسيطرة على العراق. وكان من شأن أجندة طهران الطائفية أن تضع العراق على شفا حرب أهلية وستسهم فيما بعد في صعود تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014.

ومع ذلك، فإن أكبر اختبار لسليماني سوف يظهر في أرض أبعد من حدود إيران: إنها سوريا. فابتداءا من عام 2011، عندما تدفق ملايين السوريين إلى الشوارع ضد الرئيس بشار الأسد، هرعت قوات القدس لإبقاء الديكتاتور في السلطة. في عهد الأسد، كانت سوريا الشريان الرئيس الذي تمكّنت إيران من خلاله من تسليح وتجهيز ميليشياتها. كانت درجة العنف الجامح التي استغرقتها لإبقاء الأسد في السلطة مذهلة. ما يقرب من نصف مليون سوري ماتوا منذ ذلك الحين. ومن غير المفاجئ أنه بعد سماع مقتل سليماني، تدفق الكثير من السوريين إلى الشوارع احتفالا وهم يهتفون: ” ذهب سليماني … بشار أنت التالي”.

فيما يتعلق بذلك النزاع، فعلى الرغم من سمعة قاسم سليماني كرجل ساعد في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فإنه في الواقع، كان صعود الجماعة المسلحة المناهضة للشيعة في سوريا والعراق هبة من السماء للنظام الإيراني. فلقد مكّن طهران من تبرير تورطها المتجذر في الخارج وأعطى قشرة من التبرير الديني لسفك الدماء الذي تسببت فيه. بين عشية وضحاها، أصبح الحرس الثوري الإيراني ومقاتليه الأجانب الشيعة، الذين قمعوا المتظاهرين السنة المناهضين للأسد، “مدافعين عن الأضرحة الشيعية المقدسة” من تهديد تنظيم الدولة الإسلامية.

ومع ذلك، لا يمكن لهذا الحجاب المقدس أن يخفي أجندة طهران الحقيقية عن الأشخاص الذين يعيشون تحت عواقب أفعال إيران. ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2019، خرج السكان العراقيون إلى الشوارع مطالبين بإنهاء سنوات من التدخل الإيراني في شؤونهم، وأثناء ذلك تم حرق صور كل من خامنئي وسليماني. وبعد يوم واحد فقط من اندلاع الاحتجاجات في العراق، طار الجنرال الإيراني إلى بغداد ليأمر الميليشيات المدعومة من إيران بقمع المتظاهرين العراقيين، مما أسفر عن مقتل 500 شخص وأكثر من 27000 جريح.

بعد أسابيع فقط، في نوفمبر/ تشرين ثاني 2019، تكررت مشاهد مماثلة في إيران، حيث استخدم الحرس الثوري الإيراني القوة الجامحة ضد المتظاهرين المناهضين للنظام، مما أدى إلى مقتل 1500 شخص في أسبوعين فقط من الاحتجاج.

كل هذا يلمح إلى أهمية موت سليماني. على عكس بن لادن والبغدادي، لم يكن سليماني يقود الجهاد من المنصة البعيدة. كان يفعل ذلك في ساحة المعركة باعتباره العقل المدبر للعمليات.

فمن رحلاته المعتادة إلى بيروت للقاء زعيم حزب الله حسن نصر الله إلى بعثاته الكثيرة من وإلى سوريا والعراق، قضى بعض الوقت في إملاء الخطوات الإستراتيجية اللاحقة وزراعة وتعبئة الوكلاء لطهران. عندما اندلع النزاع السوري، كان سليماني بالفعل في موقع ممتاز للاستفادة من شبكات المقاتلين التي بناها لأكثر من عقد من الزمن، بتطبيق نموذج تم اختباره في لبنان والعراق. رغبة منه في ضمان استمرار الثورة خارج حدود إيران، أنشأ سليمان مسلحين في سوريا والعراق ولبنان واليمن وأفغانستان وباكستان وكانت أنظاره على المناطق الفرعية، الصحراء الأفريقية.

لن يكون غيابه مجرد خسارة للنظام في إيران ولكن أيضا بالنسبة لهؤلاء، مثل الأسد ونصر الله، الذين اعتمدوا عليه في الماضي من أجل بقائهم.

لقد كان قتل سليماني مقامرة عالية الخطورة من جانب الولايات المتحدة كونها تمثل لحظة مهمة حقا في الجهود الرامية إلى كبح جماح التوسعية الإيرانية. ولكن يجب أن تكون مصحوبة باستراتيجية شاملة حتى تكون ناجحة حقا.

كخطوة أولى، ستحتاج أوروبا والولايات المتحدة إلى توحيد الموقف حول القضية المشتركة لاحتواء إيران. إذا لم يفعلوا ذلك، فعندما ترد إيران – وستفعل ذلك – هناك خطر من أن ينقسم الاثنين إلى أبعد من ذلك، حيث تلقي أوروبا باللوم على ترمب في تصرفات إيران، وليس على النظام الإيراني نفسه – وهو ما تريده بالضبط المؤسسة الدينية في طهران. لقد عزفت الحكومة البريطانية النغمة الصحيحة في إلقاء اللوم صراحة في تصاعد التوترات على “سليماني” والنظام الإيراني كونهم دعما “أنشطة مهددة ومزعزعة للاستقرار”. يجب على القادة الأوروبيين الآخرين أن يحذوا حذوها.

لقد  رحل سليماني، لكن الحرس الثوري الإيراني ما زال قائما. وبطبيعة الحال، ستحاول طهران استخدام ما تسميه (استشهاد) سليماني كوسيلة لتحفيز شبكتها من المقاتلين الأجانب في جميع أنحاء الشرق الأوسط وزيادة تطرفهم. وهذا يجعل من الأهمية بمكان بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة العمل بشكل جماعي مع الشركاء الإقليميين لإيجاد طرق لمزيد من تقييد أنشطة الحرس الثوري وميليشياته. هذا يعني أن التقييم المشترك للتهديد الذي تشكله الميليشيات المدعومة من إيران أمر بالغ الأهمية، وكذلك استراتيجية متماسكة تتناسب مع حجم المشكلة التي تركها سليمان خلفه. وفي حين يجب أن يكون هناك تركيز على تخفيف حدة التوترات، يجب أيضا أن يكون واضحا لكل من واشنطن وأوروبا أن اليوم هو ليس الوقت المناسب للانسحاب من الشرق الأوسط – وهو ما سيؤدي إلى المخاطرة بتشجيع الحرس الثوري وميليشياته.

قبل كل شيء، يحتاج الغرب إلى إعطاء الأولوية لمصالح شعوب المنطقة، الذين هم الضحايا الحقيقيين لسفك الدماء والتشدد في النظام الإيراني. لا يمكن أن تكون المخاطر أكبر، لكن نهاية عهد الإرهاب في سليماني ممكنة ويجب أن تعامل على أنها فرصة إيجابية لإحداث التغيير في الشرق الأوسط.

 

فورن بولسي/ كاسرا عرابي

ترجمة وتحرير: راسام