تنفس العالم الصعداء الحذر الأسبوع الماضي بعد أن أشارت واشنطن وطهران إلى رغبتهما في تخفيف حدة التوتر بعد أسبوعين من الدراما الشديدة. كان قتل القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس قوات ميليشيا الحشد الشعبي في العراق، أبو مهدي المهندس، من قبل الولايات المتحدة، والهجمات الانتقامية بالصواريخ البالستية الإيرانية ضد قواعد القوات الأمريكية في العراق، تتويجا لسرعة تصاعد الأعمال العدائية التي خشي الكثيرون من أن تؤدي إلى شن حرب مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.

في نهاية المطاف، تلاشت هذه المخاوف، حيث تحرك الجانبان لتخفيف تصعيد الموقف في الوقت الحالي. ومع ذلك، فإن أحداث أوائل يناير/ كانون ثاني قد عززت المخاوف بشأن السياسة الخارجية لإدارة ترمب وموثوقية الولايات المتحدة كحليف. وبينما تجادل واشنطن حول تهديد وشيك والذي أدى إلى مقتل قاسم سليماني، فإن هذا القرار هو مشهد معقد من التحديات السياسية والأمنية التي يبدو أن الإدارة قامت بتخطيط استراتيجي محدود تجاهها.

قد يكون هذا النقد غير عادل على المدى الطويل، فربما ستحصل الولايات المتحدة على بعض الفوائد الاستراتيجية الهامة، من مقتل سليماني. لكن ربما أعطت إدارة ترمب ميزة لإيران من دون أن تدرك ذلك. ويمكن القول إن طهران في الشرق الأوسط هي على المحك أكثر بكثير مما هي واشنطن في الوقت الحاضر، ولديها العزم والتركيز والسعي لمتابعة جدول أعمالها للأمن القومي على حساب المصلحة الأمريكية. من المرجح أن يكون لتداعيات مقتل سليماني توابع طويلة، وسيكون مسرح رد إيران أوسع بكثير من مجرد العراق. ستستخدم طهران جميع الأذرع الموجودة تحت تصرفها، بما في ذلك النفوذ السياسي والاقتصادي، لتحصيل أكبر فائدة ممكنة .

إن الأدلة على المكاسب الإيرانية واضحة بالفعل في العراق، حيث سرعان ما أدى الغضب بسبب مقتل جنرال إيراني ومسؤول عراقي كبير على الأراضي العراقية إلى تحركات من جانب حكومة بغداد لطلب طرد القوات الأمريكية من البلاد. قد يؤدي التهديد بفرض عقوبات أمريكية محتملة إلى انسحاب أبطأ لهذه القوات عن طريق التفاوض، لكن النتيجة النهائية ستكون هي محصلة ما حرضت عليه طهران وحلفاؤها في العراق على مدى السنوات القليلة الماضية، والتي ستقوض أيضا الجهود المبذولة لمنع عودة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) .

قد يكون تأثير مقتل سليماني والمهندس على ميزان القوى المحلية أكثر تكلفة بالنسبة لمستقبل العراق. فمن خلال القضاء على الرجلين بالطريقة التي تمت، ربما تكون إدارة ترمب قد ساعدت عن غير قصد في تقويض القوة الأكثر تأثيرا للإصلاح السياسي التي شهدها العراق لثلاثة أجيال، وفي الوقت نفسه ربما سلمت المبادرة إلى نخبة سياسية، مدعومة من طهران، كانت تقاتل من أجل البقاء السياسي الطويل الأجل.

كانت المظاهرات في بغداد والمحافظات الجنوبية منذ أوائل أكتوبر/ تشرين الأول قد أجبرت بالفعل على استقالة رئيس الوزراء الحالي والحكومة وأدت إلى مطالبة النخبة الدينية الشيعية بإجراء انتخابات جديدة واتخاذ تدابير ملموسة لتحسين الحكم ومكافحة الفساد. على الرغم من أن النخبة السياسية كانت متماسكة في مواجهة هذه التحديات، إلا أن هناك إشارات تدل على أن تماسكها قد يكون ضعيفا، حيث سعى بعض القادة إلى الابتعاد عن استجابة الحكومة القاسية والدموية للاحتجاجات (التي كلفت أرواح أكثر من 500 متظاهر وخلفت أكثر من 20.000 جريح).

غيرت الضربات الأمريكية هذه الديناميكيات المحلية، حيث تحول النقاش على الفور من تغيير النظام إلى حماية السيادة العراقية. ربما قام وزير الخارجية مايك بومبيو بنشر مشاهد المتظاهرين العراقيين الذين يحتفلون بوفاة سليماني، لكن الرد الأكثر شيوعا بين المتظاهرين كان انتقاد العملية كنوع للتدخل الخارجي في الشؤون العراقية والذي كان المتظاهرون يتجنبونه عند إدانة التدخل الإيراني محليا. وبالنسبة للنخبة السياسية، فقد أُجبر القادة الذين تعاطفوا سابقا مع أهداف المتظاهرين، والذين سعوا إلى قص أجنحة مجموعات الحشد ذات النفوذ المتزايد (والتي يرتبط معظمها بعلاقات وثيقة مع إيران)، على “الدفاع عن السيادة” و عن توجه “أمريكا برة برة” التي روجت لها الميليشيات المتشددة من الحشد الشعبي .

قد يتغير ميزان القوى مرة أخرى، فالمظاهرات مستمرة، وإن كانت بأعداد أقل. ولكن حتى استعادة اليد العليا، ستبذل النخبة السياسية في العراق كل ما في وسعها لحماية صلاحياتها ومصالحها، وسوف تستخدم فترة الراحة التي توفرها الضربات الأمريكية لتحقيق أقصى فائدة. علاوة على ذلك، ستجد شريكا وراعيا في طهران، يسعى إلى تعزيز مصالحه السياسية والاقتصادية والأمنية في العراق.

من المحتمل أن يكون لهذا التحول تداعيات واسعة، بما في ذلك في الاقتصاد العراقي وقطاع النفط. إذا كانت واشنطن ستمنع وصول بغداد إلى حساب البنك المركزي العراقي بالدولار في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ردا على طرد القوات الأمريكية، كما هددت إدارة ترمب، فإن العواقب الاقتصادية والنقدية ستكون كارثية.

لكن حتى لو لم تفعل واشنطن شيئا، فإن الضربات الأمريكية ستترك، مع ذلك، أثرا دائما للقطاع الاقتصادي والنفط. وقد أدى الاضطراب السياسي الناجم عن العملية، إلى جانب الاضطرابات في المظاهرات، إلى تقويض عملية صنع السياسات في جميع أنحاء الحكومة وزيادة سوء الإدارة. إن التشريعات الحاسمة التي يجب إقرارها، مثل ميزانية 2020 ، هي الآن في شكل مسودة غير مكتملة أو سيتم تجاهلها تماما. وفي الوقت نفسه، فإن الحكم وسيادة القانون، الضعيفان بالأصل، قد ازدادا سوءا.

في قطاع النفط، تجلت أوجه القصور هذه باعتبارها انهيارا جزئيا لعملية صنع القرار وتآكل قدسية العقود، خاصة عندما يتعلق الأمر بحقوق المستفيدين الأجانب وآليات حل النزاعات التي تم وضعها. لقد اتحد تنامي قومية الموارد مع الضغوط المالية لتفسد العلاقة بين المستثمرين الأجانب والحكومة. هذا التغيير يتجاوز التحولات التي يمكن توقعها في إطار نظرية التقادم؛ وتشكك النخبة السياسية العراقية بشكل متزايد في قيمة الاستثمار الأجنبي للبلاد.

على المدى الطويل، من المحتمل أن تتضرر آفاق هذا القطاع بشكل أكبر بسبب احتمالات انحسار الإصلاح. الاحتجاجات لن تغير العراق بين عشية وضحاها، ولم تكن مضمونة لتغيير اقتصاد البلد التوزيعي. لكن التركيز على حكومة أكثر انفتاحا، وتحسين الإدارة، ووضع حد للحصص العرقية – الطائفية، والحد من الفساد، حتى لو تم الوفاء به جزئيا، كان من الممكن أن يساعد في كسر عملية صنع القرار والحواجز التشغيلية التي من المحتمل أن تضع سقفا فعالا على الإنتاج العراقي – على الأقل في الجنوب – على مدى العامين أو الثلاثة أعوام المقبلة، ويمكن أن يؤدي إلى انخفاضه. تحتاج البنية التحتية البرية، المرتبطة بكل من تصدير الخام وإدارة الخزانات، إلى التوسع. وفي الوقت نفسه، فإن البنية التحتية الخارجية تتطلب إعادة التأهيل. إن المشاريع المتعلقة بكليهما كانت موجودة في مخاطبات وزارة النفط لسنوات، وفي بعض الحالات على مدى عقد من الزمان، من دون أن تكتمل. إذا لم يتغير أي شيء من حيث الحكم وصنع القرار في الوزارة والقطاع، فلا يوجد أمل كبير في نمو الانتاج السريع الذي تنبأ به مسؤولو الوزارة.

في نهاية المطاف، قد يكون قطاع النفط نموذجا مصغرا لما ستخلفه الضربات الأمريكية: إنها ربما قوضت – في الوقت الحالي – احتمالات أي تغيير سياسي واقتصادي إيجابي في العراق. يبدو أن واشنطن أساءت قراءة السياسة العراقية مرة أخرى. وعند القيام بذلك، فقد ينتهي الأمر بأن تكون الولايات المتحدة هي منقذة للنخبة السياسية العراقية الحالية، على الرغم من مطالب الشعب العراقي، ومعها تحمي مصالح إيران في العراق وعلى حساب الولايات المتحدة نفسها.

 

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية / رعد القادري

ترجمة وتحرير: راسام