النقطة الأساسية: لم تضيع طهران الكثير من الوقت في الرد على الضربة الأمريكية.

في 29 ديسمبر/ كانون الأول 2019، أصاب مقاتلو سلاح الجو (إف -15 إي) الأمريكي، ثلاثة من قواعد الميليشيات في العراق واثنين في سوريا. أسفرت الهجمات عن مقتل 25 من رجال الميليشيات وجرح أكثر من خمسين. وكانت الأهداف هي مخازن كتائب حزب الله، المدعومة من إيران، ومراكز قيادتها، ردا على هجوم صاروخي قبل يومين من قبل الميليشيا على قاعدة K-1 العسكرية بالقرب من كركوك والتي أسفرت عن مقتل مقاول أمريكي. وقد أكدت واشنطن على أن  قيادة الميليشيا قد دبرت سلسلة من 11 هجوما صاروخيا بلغت ذروتها بضربة يوم  27 كانون الأول على قاعدة  K-1.

لم تضيع طهران الكثير من الوقت في الرد على الضربة الأمريكية. فبعد يوم واحد، هاجم مثيرو الشغب مجمع السفارة الأمريكية، بقيادة دمى إيران العراقية – لا سيما مستشار الأمن القومي العراقي فالح الفياض، وهادي العامري، زعيم منظمة بدر- وكسروا  أبواب المجمع الخارجية ونهبوا ردهة مدخل المنشأة.

ورد ترمب بإصدار ما أسماه “تهديدا وليس تحذيرا” بأن طهران ستحاسب – وستكون هدفا للانتقام العسكري الأمريكي -؛ إذا تعرضت الممتلكات الأمريكية لأضرار أو لحقت أضرار بمواطنيها. وكان رد طهران هو تشجيع الشغب لليوم الثاني على التوالي. وبعد أن نشرت واشنطن وحدة الرد السريع الثانية والثمانين المحمولة جوا، بينما كان جنود المارينز يقومون بإطلاق الغاز المسيل للدموع داخل السفارة، خفت المظاهرات.

لم تتدخل الوحدات العسكرية العراقية طوال يومين من أعمال الشغب ضد السفارة الأمريكية في بغداد. رغم أن بعض الضباط أبدوا اهتمامهم بسلامة الدبلوماسيين الأمريكيين، إلا أنه كان من الواضح أن حكومة العراق كانت ببساطة غير راغبة، أو خائفة، من مواجهة التوابع الإيرانية بشكل مباشر.

لقد كان الدليل الأكثر وضوحا على ما تم الاعتراف به منذ وقت طويل في جميع أنحاء المنطقة، إن لم يكن في واشنطن: إن إيران، وليس أمريكا، هي صاحبة اليد العليا في بغداد.

لقد كان الرجل الذي يقف وراء استراتيجية طهران في العراق، كما كان في سوريا، هو بالتأكيد اللواء قاسم سليماني، قائد قوة القدس الإيرانية، قوات صدمة طهران. لقد كان لسليماني فترة من الحكم المطلق في العراق لبعض الوقت. ويبدو أن قادة الميليشيات التي تهيمن عليها إيران، قوات الحشد الشعبي، والتي بضمنها ميليشيا كتائب حزب الله، كانت تستجيب له. وبالتأكيد كان يريد أن يقوم ترمب بما هو أكثر من التهديد، أو حتى الغاز المسيل للدموع.

يبدو أن ملالي إيران يتبعون سياسة تؤدي إلى نتائج عكسية. فإذا كان هدفهم هو إخراج الولايات المتحدة من العراق، وفي نهاية المطاف الخروج من الشرق الأوسط، فمن المؤكد أن دعمهم للهجمات على المنشآت الأمريكية، واقتحام سفارة واشنطن في بغداد، مما يذكرنا بأزمة الرهائن عام 1979. من المرجح أن يكون لها تأثير معاكس. بعد كل شيء، أوضح دونالد ترمب أنه مصمم على عدم السماح بـ “ليبيا” أخرى. فقد ينفذ فعليًا “تهديداته” ردًا على أي جهود أخرى لمهاجمة السفارة، أو ما هو أسوأ من ذلك، اختطاف أو إصابة الدبلوماسيين الأمريكيين وغيرهم من الموظفين الأمريكيين.

ففي مرحلة ما، قد يأمر ترمب القوات الأمريكية بإطلاق النار على مثيري الشغب، ومن بينهم قد يكونون مقاتلين إيرانيين، فهو مستعد للقيام بأي شيء على أن لا ينظر إليه على أنه “خاسر”.

ومع ذلك، فإذا ما قامت القوات الأمريكية بإطلاق النار على الإيرانيين، فإن “الزعماء الدينيين” يمكن أن يتعاملوا مع مثل هذه الحوادث كفرصة لحشد الرأي العام الإيراني القومي القوي وتوجيه الأوامر لوكلاء طهران، أو حتى قوة القدس، لمهاجمة المنشآت الأمريكية في جميع أنحاء العراق. ربما كان سليماني يراهن على أنه في ظل خيبة أمل الجمهور الأمريكي من صراعات واشنطن “غير المحدودة” في الشرق الأوسط، فإن ترمب، على الرغم من تهديداته، سيكون مترددا في الانتقام بإطلاق العنان للقوة الأمريكية الكاملة للقضاء على وجود إيران في العراق. حيث يمكن لأي جهد كهذا أن يقحم القوات الأمريكية، مرة أخرى، في نزاع طويل في الشرق الأوسط، وهو ما -أكثر من أي شيء آخر-، يمكن أن يضر بآمال ترمب في إعادة انتخابه.

قد يستاء الرئيس من كونه “خاسرا” في العراق، لكن هذه الصورة سوف تتضاءل قبل احتمال خسارته الانتخابات الرئاسية الأمريكية. إذا كان إنقاذ ثروته الانتخابية يتطلب مغادرته العراق وتركه تحت رحمة إيران، فلن يتردد ترمب في القيام بذلك. بعد كل شيء، يمكنه أن يستجمع روح رونالد ريغان، ويسميها “إعادة انتشار استراتيجية”.

 

ناشيونل انترست/دوف اس زاكهيم

ترجمة وتحرير: راسام