منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2019، ينظم العراقيون احتجاجات سلمية مناهضة للحكومة في جميع أنحاء بغداد والمحافظات الجنوبية. وقد لفتت حركات الاحتجاج الجماهيرية هذه الانتباه إلى خطابها الوطني الموحد، وتجاهلها لشخصيات اجتماعية وسياسية تقليدية، وعن إلتزامها الصارم بالوسائل السلمية في مواجهة الوحشية المتزايدة من جانب قوات الحكومة والجماعات شبه العسكرية.

وكرد فعل، حاولت العديد من الجهات الفاعلة في المؤسسة الحكومية إعادة توجيه الاحتجاجات بطرق مختلفة. وقد تضمن ذلك إجراءات مباشرة ضد المحتجين بالإضافة إلى محاولات أكثر دقة للتوسط في مسارات الإصلاح الداخلي. لقد تم تقسيم الشعب العراقي بشكل غير متساو بين أولئك الذين لم يقتنعوا بإمكانية الإصلاح الداخلي وأولئك الذين هم على استعداد للمحاولة. آخر مظاهر ذلك هو رد الفعل الشعبي على ترشيح محمد توفيق علاوي كرئيس للوزراء. رغم أن غالبية المتظاهرين رفضوا ترشيح علاوي، إلا أن هناك من يطالب بمنحه فرصة.

تم تنسيق التحديات المباشرة ضد المحتجين العراقيين من قبل كل من الجهات الفاعلة المحلية والأجنبية. كانت حركة الاحتجاج العراقية تحت الحصار منذ الأيام الأولى. وشمل ذلك تصرفات حكومة العراق نفسها، التي استخدمت مختلف وسائل العنف ضد المتظاهرين، بما في ذلك الاستخدام المميت لقنابل الغاز المسيل للدموع التي أطلقت مباشرة على الحشود. لجأت الجماعات شبه العسكرية – الميليشيات – المرتبطة بالنخب السياسية إلى الرصاص الحي وتقنيات التخويف المختلفة، بما في ذلك خطف الناشطين وتعذيبهم. ونتيجة لذلك، تم الإبلاغ عن أكثر من 600 حالة وفاة وآلاف الجرحى في الأشهر الأربعة الماضية.

في الآونة الأخيرة، انقلب بعض أنصار مقتدى الصدر- وهو رجل دين بارز- ضد حركة الاحتجاج وحاولوا إنهاءها بالقوة. حيث استولوا على المطعم التركي في بغداد، وهو مبنى كبير في ساحة التحرير كان بمثابة نقطة محورية للاحتجاجات. لقد اصطدمت “القبعات الزرقاء”، المرتبطة بمقتدى الصدر، بعنف مع المحتجين في جميع أنحاء الجنوب أيضا. وقد أشارت التقارير إلى مقتل 8 محتجين وجرح 52 آخرين في الاشتباكات الأخيرة في مدينة النجف.

ولم تكن قوات الأمن المحلية الجهة الوحيدة التي هددت حركة الاحتجاج العراقية، فقد أصبحت ضحية لموقع العراق كمنطقة للتنافس الأجنبي. لقد أدى القرار الأمريكي باغتيال القائد الرفيع الإيراني، قاسم سليماني، ونائب رئيس قوات الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، إلى تسارع مذهل في التهديدات والمواجهات الموعودة بين إيران والولايات المتحدة، وكل ذلك على الأراضي العراقية. وبينما حذر العديد من المراقبين من تداعيات التجاهل الكامل للسيادة العراقية (من جانب الأمريكيين والإيرانيين)، فإن الضرر الذي تسببت به هذه الأعمال على المحتجين العراقيين لم يتم تسليط الضوء عليه في كثير من الأحيان.

أولا: واجه العديد من المحتجين اتهامات بأنهم عملاء أمريكيون وأصبحوا أهداف للانتقام من جانب الفصائل المسلحة.

ثانيا: أدت المحاولات الأمريكية لإضفاء الشرعية على تصرفاتهم من خلال التأكيد على بعض النغمات المعادية لإيران للاحتجاجات على تعريض المحتجين العراقيين للخطر، والذين تم تجاهل رفضهم لجميع التدخلات الأجنبية في بلادهم. لقد حولت الإجراءات الأمريكية، عن غير قصد، قاسم سليماني والمهندس بعد اغتيالهما إلى شخصيات ملفتة للانتباه جدا داخل البلاد، حتى أن رجل الدين الأعلى في العراق، علي السيستاني، قد كتب رسالة تعزية للزعيم الأعلى لإيران، علي خامنئي.

في الوقت نفسه، دعت تصريحات السيستاني العلنية حول حركات الاحتجاج – الصادرة خلال خطب صلاة الجمعة لممثليه في كربلاء – إلى الوساطة والإصلاح الداخلي، مع الاعتراف بمطالب المحتجين. ربما يكون هذا التأييد غير الرسمي للنظام السياسي من خلال اقتراح حلول من داخل هيكله يتعارض مع مطالب المحتجين.

سوف تدعم المؤسسة الدينية، التي كانت حذرة تاريخيا من عدم الاستقرار السياسي و “الفوضى”، ترشيح علاوي كشكل من أشكال الإصلاح من الداخل .

ومع ذلك، فإن ترشيح علاوي من قبل النخبة السياسية الحالية، بما في ذلك الصدر، وكذلك فترة ولايته السابقة كوزير للاتصالات جعلته غير مستساغ لكثير من المحتجين. إن مبادرات علاوي تجاه المتظاهرين – بما في ذلك حثهم على الاستمرار في المطالبة بحقوقهم من خلال الاحتجاج ووصف نفسه بأنه “موظف لديهم” –  لم تلق أذان صاغية. ومع ذلك فإن بعض المحتجين دعوا العراقيين للسماح لعلاوي بفرصة لإظهار التزامه بوعوده. وتشمل هذه الوعود انتخابات مبكرة، والعدالة للعنف المرتكب ضد المتظاهرين، وتشكيل حكومة تمثيلية خارج الكوتا الطائفية العرقية.

في أعقاب الهجمات على المتظاهرين في النجف، كان علاوي من بين أول من يدين ويؤكد من جديد على الحاجة إلى محاسبة من ارتكبوا جرائم ضد المتظاهرين. ويصف إراقة دماء العراقيين بأنها “خط أحمر”.

يوجد بين العراقيين، من يسعون إلى الإصلاح من داخل النظام، وبعضهم يعتقد أن التغييرات الأكثر جذرية هي التي ستحقق النتائج. وبينما يقف العديد من المحتجين في المعسكر الأخير – فإنهم يشككون في صحة أي حل مقترح من داخل المؤسسة السياسية. وقد عبرت أقلية عن استعدادها لمنح علاوي فرصة. ومع ذلك، فإن مسار الإصلاحات الداخلية ليس بالضرورة سهلا ومتاحا، حتى لو قرر المتظاهرون تأييده. وعلى الرغم من ترشيحه، فإن رئاسة علاوي وحكومته تحتاج إلى موافقة البرلمان.

من المرجح أن يدفع المحتجون العراقيون، الذين استمروا على الرغم من العنف والتدخل الدولي، إلى الأمام. الذين لازالوا يتحركون في بيئة يحاول كل طرف فيها من النخبة احتواءهم أو انهاءهم أو تحجيمهم. وعلى الرغم من هذه التحديات، فقد حققوا مكاسب سياسية، وأهمها اعتراف جميع الأطراف بأن الشرعية لا يمكن أن تأتي إلا من الشعب.

 

الاذاعة العامة الدولية (بي ار اي) / مرسين الشمري

ترجمة وتحرير: راسام