شكل المتظاهرون والمجتمع المدني والنقابات الطلابية وأطفال المدارس تحالفهم الخاص ضد طبقة فاشلة تحكم العراق.

فبعد أن سحب رئيس الوزراء المكلف “محمد علاوي” ترشيحه ، عاد حالة عدم اليقين في العراق – أحد أغنى دول النفط في العالم – واختُلط أوراق اللعب مرة أخرى.

تعيد هذه الخطوة تشكيل المشهد السياسي، وتعيد رئيس الوزراء المؤقت عادل عبد المهدي إلى رئاسة الحكومة بعد ثلاثة أشهر من استقالته بعد مقتل نحو 400 متظاهر.

وبينما لاتزال حركة الاحتجاج تثير المخاطر، يبرز هنا تساؤل، هل يمكن للرئيس العراقي”برهم صالح” تعيين خلف لعلاوي في غضون 15 يوما، وفقا للقانون الدستوري؟

مع ضيق الانفراج، يتسع الفراغ السياسي. وعلى الرغم من احتفاظ عبد المهدي بمنصبه كرئيس وزراء مؤقت، فقد قام بتأجيل مسؤولياته، مستندا إلى “غياب طوعي”.

وهذا يعني أن المسؤوليات التي يديرها رئيس الوزراء، من قيادة الاجتماعات إلى المحادثات مع كبار الشخصيات، سيتم تفويضها إلى النواب. وبينما قاد وزير النفط ثامر الغضبان الجلسة الأولى، أثناء اعفاء عبد المهدي لنفسه تحت تسمية إجازة طوعية، قال الخبراء إن” برهم صالح” هو الوحيد المؤهل للقيام بمنصب رئيس الوزراء.

لا تزال المقاعد السياسية مشغولة، لكن الحكومة العراقية بلا قيادة فعليا، وتستمر الخلافات حول حصص الكعكة الوزارية بين الفصائل السياسية.

قال عبد المهدي، في بيان خاطب فيه جميع مؤسسات الحكومة: “أعبر عن أسفي العميق لفشل أخينا محمد علاوي في تشكيل الحكومة الجديدة”.

ان قراءة البيان كقائمة تعليمات أبلغت بما ينص عليه الدستور جعل العراق يبدو وكأنه يدور في دائرة فارغة بعد أشهر من احتجاجات أربكت السلطات.

لقد رحبت الفصائل المعارضة للنخبة الحاكمة، بما في ذلك رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، بحالة العجز. وهنأت الأحزاب الكردية والعراقية، ومعظمهم من السنة و بعض الجهات الشيعية، على مقاطعة تشكيلة الحكومة، محققاً ما وصفه البارزاني بأنه “إنجاز تاريخي”.

وأشار علاوي إلى محاولات الكتل الكردية والسنية  المعارضة باعتبارها أسبابا لفشله في ولايته.

لقد واجه طريق الإصلاح في العراق على مدى 17 عاما عددا لا يحصى من المطبات، لكن أكثرها تعنتا كانت ولازالت هي الحزبية والمصالح الخاصة للأحزاب السياسية. حيث يتمسك الكثير منهم بالسلطة ويحمون مكاسبهم بغض النظر عن التكلفة.

أحدث البنود المدرجة في جدول أعمال رئيس الوزراء المستقيل عبد المهدي ليست جديدة. فقد دعا إلى عقد جلسة طارئة لتحديد الأحكام النهائية لقانون انتخابي جديد وموعد محدد للانتخابات. واقترح مطلع ديسمبر/ كانون الأول، لكن لا يمكن التصديق على أي تاريخ في حين تظل الحكومة بلا أرجل.

قالت الممثلة الخاصة للأمم المتحدة جانين هينيس بلاسخارت، خلال إحاطة إعلامية لمجلس الأمن الدولي في أواخر فبراير/ شباط، إن الأمل يتوقف على ما إذا كان السياسيون والمجتمع “مستعدون لبلوغ القمة” وأن يضعوا مصلحة البلد أولا.

وعلى الرغم من حالة الجمود الذي أعقبت ذلك، فقد دعت هينيس بلاسخارت إلى وضع حد فوري لانتهاكات حقوق الإنسان على خلفية انتفاضة البلاد.

من جانبهم يؤكد المتظاهرون على أن مقتل ما يقدر بـ 700 متظاهر منذ اندلاع الاحتجاجات في أنحاء بغداد والمحافظات الجنوبية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، يأتي في المراتب الدنيا ضمن أولويات العراق الحالي – فاقد القيادة -، ولكن مقتل هذا العدد من المتظاهرين سيؤثر بشدة في تشكيل السياسة المستقبلية.

أثناء بحثه عن مرشح بديل، التقى “برهم صالح” قادة الأحزاب الشيعية الذين حكموا البلاد خلال السنوات الخمس عشرة الماضية: عمار الحكيم، من حركة الحكمة الوطنية، ونوري المالكي من حزب الدعوة، وزعيم تحالف الفتح هادي العامري ورئيس تحالف النصر رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وشبه البعض دور صالح بعمل توازن دقيق لكسب الأحزاب الشيعية الحاكمة.

وإذا وضعنا فرضية إحراز تقدم يذكر جانبا، فإن الغموض يلف الأفق. فالمتظاهرون والمجتمع المدني والاتحادات الطلابية وأطفال المدارس شكلوا تحالفهم الخاص ضد مجموعة فاشلة غير مؤهلة تحكم العراق. وعلى عكس النخبة المتداعية، فقد اتخذ المتظاهرون خطوات حاسمة لمساءلة الفساد بينما الحكومة في بغداد لازالت تتعثر.

العرب اسبوعيا/ نازلي تارزي

ترجمة وتحرير: راسام