كان حفل التسليم في القاعدة الجوية (كي وان K-1) في محافظة التأميم صامتا. جلس الجنرال الأمريكي فنسنت باركر على طاولة في قاعة غير مزينة وهو يوقع أوراق نقل السيطرة الرسمية على القاعدة إلى الجيش العراقي. ابتسم وهو يصافح نظيره العراقي، وكان الرجلان يرتديان قفازات مطاطية لحماية أنفسهما من الفيروس التاجي.

رحل الأمريكيون من قاعدة (K-1)، وهي ثالث قاعدة عراقية تنسحب منها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في الشهر الماضي.  بعض جنود الدول الغربية ينسحبون من العراق نهائياً، أما الباقون فيتم نقلهم من مواقع تمركزهم الصغيرة إلى قواعد كبيرة أخرى.

قال التحالف إن الانسحاب هو إشارة إلى انتصاره على تنظيم الدولة “داعش” ، وأيضا استجابة لانتشار وباء كوفيد 19، الذي أوقف برامج التدريب للقوات العراقية، وبالتالي قلل من الحاجة إلى القوات الغربية.

لكن وراء تحركات القوات الأمريكية قلق متزايد بشأن التهديد من الميليشيات المدعومة من إيران، والتي كثفت هجماتها على القوات الغربية في الأشهر الثلاثة الأخيرة منذ اغتيال قاسم سليماني، الجنرال الإيراني.

لقد أدى إطلاق صاروخ، من قبل ميليشيا على قاعدة K-1 في 27 ديسمبر/ كانون الأول، إلى مقتل مقاول أمريكي وأثار دائرة التصعيد التي أدت إلى اغتيال سليماني في مطار بغداد بعد سبعة أيام. و الأسابيع التي تلت ذلك شهدت مقتل جنديين أمريكيين وجندي بريطاني في حين قتل العشرات من أفراد الميليشيات العراقية في غارات جوية أمريكية.

والآن، تتزايد المخاوف من جولة جديدة من القتال حيث تفكر كل من واشنطن وطهران في تحركاتهما القادمة.

اتهم دونالد ترمب إيران بالتخطيط لـ “هجوم تسلل” أو “هجوم مفاجئ “على القوات الأمريكية في العراق. وقال مغردا على تويتر “إذا حدث هذا، ستدفع إيران ثمناً باهظاً حقاً”. لكن البيت الأبيض، الذي يرى أن إيران مشتتة حاليا بسبب اندلاع الفيروس التاجي غير المسيطر عليه، يعتقد أيضا أنها تدرس ما إذا كان هذا هو الوقت المناسب لقيامها بهجوم مفاجئ.

يضغط صقور إيران داخل الإدارة الأمريكية، مثل وزير الخارجية مايك بومبيو، من أجل قيام الولايات المتحدة بشن هجوم شامل على ميليشيا حزب الله، إحدى الميليشيات الرئيسة المدعومة من إيران. وفقا لصحيفة نيويورك تايمز، أما القادة العسكريون الأمريكيون على الأرض في العراق وفي وزارة الدفاع الأمريكية فإنهم يعارضون الفكرة. كما أن ترمب نفسه لم يقرر حتى الآن.

وعدت إيران ووكلائها برد شديد على أي خطوة أمريكية. وقال “محمد باقري” رئيس أركان الجيش الإيراني إن “أدنى إجراء ضد الأمن الإيراني سيقابل برد فعل دفاعي قوي من إيران.”

قال مايكل هورويتز، رئيس الاستخبارات في شركة الاستشارات الجيوبوليتيكية ( Le Beck ): “يحاول الجانبان استغلال الأزمة لمصلحتهما، لكن خسارة إيران قد تكون أقل”. “قد تكون التقارير حول التصعيد المحتمل محاولة من الولايات المتحدة لاستعادة الردع في وقت قد تكون فيه إيران أكثر استعدادًا لتحمل المخاطر.”

مع استمرار حافة الهاوية، تنسحب القوات البريطانية والأمريكية المتبقية إلى قواعد أكبر يمكن الدفاع عنها بسهولة أكبر. كما نشر الجيش الأمريكي بطاريات صواريخ باتريوت في قاعدة عين الأسد بغرب العراق وأربيل في الشمال للدفاع ضد الهجمات الصاروخية مستقبلا.

ويضيف هورويتز: “من المنطقي إعادة هيكلة وجود التحالف للتركيز على عدد من القواعد الرئيسية بدلاً من نشر القوات عبر قواعد غير محمية”.

لدى الولايات المتحدة حوالي 5000 جندي في العراق والمملكة المتحدة لديها أقل من 400. والقوات الدولية موجودة هناك بدعوة من الحكومة العراقية لغرض هزيمة تنظيم الدولة  وتدريب القوات المحلية، وليس لمحاربة إيران.

حذرت بغداد مرارا وتكرارا الولايات المتحدة من استخدام الأراضي العراقية كساحة معركة في حملتها ضد إيران. وقد أدان نواب عراقيون على نطاق واسع الضربة الأمريكية على سليماني في يناير/ كانون الثاني وقاموا بحركة رمزية تطالب بانسحاب القوات الأمريكية من العراق ردا على ذلك.

إن اللحظة الحالية هي الأكثر صعوبة مع انهيار عائدات الحكومة العراقية وسط انخفاض أسعار النفط وصراع السلطات الصحية لمنع انتشار الفيروس التاجي القادم من إيران عبر الحدود الطويلة بين البلدين.

قد يؤدي تجدد القتال إلى وقوع إصابات غربية جديدة ويضع ضغطًا جديدًا على طهران التي تواجه بالفعل أزمات متعددة. لكن من المرجح أن يدفع العراقيون الثمن الأكبر إذا أصبحت بلادهم مرة أخرى مسرحا لحرب تخص أطرافا خارجية.

 

تيلغراف/ راف سانجز

ترجمة وتحرير: راسام