من المحتمل أن يواصل النظام الإيراني سلوكه الإرهابي والمزعزع للاستقرار ما لم تتم محاسبته.

يُعد الحظر والعقوبات جوانب أساسية في استراتيجية “الضغط الأقصى” الأمريكية ضد النظام الإيراني. وعلى الرغم من أن هذه السياسة جلبت طوفانا من الانتقادات لإدارة ترمب، لكنها قد تكون الخيار الأفضل لمواجهة عدوان إيران.

أعلنت الولايات المتحدة مؤخرا عن هدفها المتمثل في تمديد حظر الأسلحة الذي تنتهي صلاحيته في 18 أكتوبر/ تشرين الأول. وقد فرضته الأمم المتحدة عام 2007 ويتضمن حظر تصدير الأسلحة إلى إيران، إضافة إلى حظر عام 2006 على تكنولوجيا الأسلحة النووية. انتهاء الصلاحية هو مصطلح في خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 (JCPOA) أو ما يعرف بـ “الاتفاق النووي مع إيران”. وعندما انسحبت الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة خلال مايو 2018، أعادت فرض عقوبات ما قبل خطة العمل الشاملة المشتركة على الكيانات الخاضعة لولايتها. وهي تأمل الآن في إقناع الموقعين الآخرين بتمديد الحظر ردا على عدوان إيران في المنطقة وتمكين الجماعات الإرهابية واستمرار تصعيد تخصيب اليورانيوم. وفي حالة رفض الموقعين على هذا الاقتراح، يمكن للولايات المتحدة التذرع بحكم “snapback” في الاتفاقية، والذي يسمح لأي من الموقعين الأصليين بإعادة العقوبات والضغوط السابقة لخطة العمل الشاملة المشتركة. في هذه الحالة، من المفترض أن تعيد الولايات المتحدة الحظر كسياسة رسمية لها، وربما تُحاسب الدول الأخرى في حالة تجارتها بالأسلحة مع إيران.

في مقالة، تعرض باربرا سلافين من المجلس الأطلسي خمسة انتقادات لنهج الإدارة:

أولا: تشير إلى أن وعد ترمب بتقليص برنامج إيران للصواريخ الباليستية ووقف عدوانها الإقليمي لم يتحقق.

ثانيا: يمكن أن يدفع الضغط الأقصى والتهديدات بالسنباك “snapback”  إيران إلى الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية – التي هددت بالقيام بها – وبالتالي تسمح لها بالسعي للحصول على قدرة أسلحة نووية بحرية أكبر.

ثالثا: سيؤدي الموقف الأمريكي تجاه خطة العمل الشاملة المشتركة إلى إبعاد الحلفاء الأوروبيين.

رابعا: قد تضعف إدارة ترمب تأثير العقوبات بإفراطها في استخدامها؛ وتستشهد سلافين بالصين كمثال، مشيراً إلى أنها بنت “آليات مالية دولية موازية” عندما واجهت عقوبات أمريكية.

خامسا: تعتقد سلافين أن أقصى ضغط يشجع المتشددين في إيران ويمكن أن يؤدي إلى برلمان أكثر تحفظاً في انتخابات العام المقبل.

إن هذه الانتقادات لها قدر من الحقيقة. حيث أن أقصى ضغط يبعد الولايات المتحدة عن حلفائها ويحرق الجسور الدبلوماسية مع إيران. ومع ذلك، فهو أفضل خيار لمحاسبة النظام، نظرا لسجله الدبلوماسي السيئ.

تاريخياً، لم تنجح الدبلوماسية في التعامل مع إيران. مثلا البرنامج النووي. فعلى الرغم من أن “خامنئي”، المرشد الأعلى لإيران، يقول إن الأسلحة النووية حرام (يحظرها الإسلام)، إلا أن إيران انتهكت معاهدة حظر الانتشار النووي في عدد من المناسبات، وقد تم إدانتها بتهمة بناء منشآت نووية غير معلنة مثل تلك الموجودة في نطنز. كما واصلت إيران برنامج الأسلحة النووية حتى عام 2003 أيضًا. هذا الافتقار في الشفافية أدى إلى استنتاج الوكالة الدولية للطاقة الذرية في قرار صدر عام 2006 بأن إيران مذنبة “بالعديد من حالات الإخفاق والانتهاك لالتزاماتها في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية”. ومضى القرار يشير إلى “غياب الثقة بأن برنامج إيران النووي” كان “للأغراض السلمية حصرا”؛ وذلك بسبب “تاريخ إخفاء الأنشطة النووية الإيرانية”. من الواضح أن معاهدات مثل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لا تأُخذ بجدية من قبل إيران، وسعيها السابق للأسلحة النووية يجعل تصريحاتها المناهضة للأسلحة النووية موضع تساؤل.

وفقًا للباحث في معهد أميركان إنتربرايز (AEI) مايكل روبن ، أن خطة العمل الشاملة المشتركة قدمت لإيران “العديد من الأشياء الجيدة” على الرغم من قيودها.  فرفع العقوبات ضمن الاتفاقية يعني أن إيران يمكنها تمويل وكلاءها بشكل أشمل وتعزيز برنامجها للصواريخ الباليستية. كما أنه من خلال التركيز الشديد على برنامج إيران النووي، حررت الصفقة الموارد من أجل التوسع الإقليمي لايران ، وهو هدف رئيسي للنظام. علاوة على ذلك، كانت خطة العمل الشاملة المشتركة ضعيفة فيما يتعلق بالرقابة النووية: تركت بنود الغروب (انتهاء تلقائي لبعض الالتزامات) في الاتفاقية إيران قادرة على إعادة تشغيل برنامج نووي في وقت مبكر من عام 2030.

يقول روبن، بما أن الدبلوماسية عادة ما تفشل مع إيران، فهو بشكل عام من محبي أقصى ضغط. ميزة السياسة هي قدرتها على رفع تكلفة العدوان الإيراني. يقول روبين لـ “ناشيونال ريفيو”: “تقدم العقوبات خطوات إضافية بين الحرب والسلام وتمكن صانعي السياسات من الحصول على خيارات تتجنب أسوأ النتائج المحتملة”. وهذا يسمح للولايات المتحدة “بالرد على السلوك الإيراني السيئ من دون الحاجة إلى القيام بعمل عسكري”. يمكن لحظر الأسلحة أيضًا أن يمنع الحرب من خلال جعل من الصعب على إيران الاستعداد عسكريًا لمواجهة كبرى.

كما يشير روبن إلى أن الضغط الأقصى يجبر طهران على اتخاذ قرارات أساسية بشأن “الأسلحة والزبدة” (مصطلح يستخدم للربط بين مجال التسليح وانعكاسه على الحياة الاجتماعية) إذا اختارت السلاح ، فسيكون على الحكومة الإيرانية أن “تدفع العواقب المترتبة على تلك القرارات من حيث الاضطرابات الشعبية المحتملة”. ويبدو أن هذا هو الحال بالفعل. في العام الماضي، واجهت إيران احتجاجات ضخمة مناهضة للحكومة بسبب الوضع الاقتصادي المتردي للبلاد. عام 2018 ، أي بعد فرض العقوبات ، تقلص الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بنسبة 4.8 في المائة.

يعتقد مايكل روبن أن أقصى ضغط يمكن أن يرفع تكلفة متابعة البرنامج النووي إلى مستوى يجبر النظام على التراجع: “إذا أصبح السعي وراء برنامج إيران النووي مكلفًا للغاية فيمكن أن يعرض النظام للخطر ، ويشير التاريخ إلى أن النظام سيعكس مساره. . . . هذا ما حدث مع الرهائن الأمريكيين في عهد كارتر ، وهذا ما حدث أيضًا مع قرار إنهاء الحرب بين إيران والعراق”.

ومع ذلك، يحذر خبراء آخرون بضمنهم روبن ممن يدعمون سياسة أقصى ضغط، أنه على الرغم من أن هذه السياسة تُخضع إيران للمساءلة ونجحت في الماضي، إلا أنها تحتاج إلى أن يكون هدفها واضح. يقول روبن: “لا يمكنك ممارسة الضغط لمجرد الضغط”. “ماذا تريد إدارة ترمب؟” هل هو تغيير النظام؟ هل هي مجرد نهاية للبرنامج النووي؟ هل هي صفقة جديدة؟ الجواب غير واضح.

أشارت جيزيل دونيلي، باحثة أخرى في AEI ، إلى ضعف إضافي في استراتيجية الضغط الأقصى، وهو “انفصالها” عن سياسات ترمب الأخرى في الشرق الأوسط. تقول: “أقصى ضغط يوحي بأنك تمضي قدمًا على جبهات متعددة”. لكن إدارة ترمب قللت من وجودها في الشرق الأوسط بمرور الوقت – على سبيل المثال، الانسحاب من سوريا وأفغانستان – في الوقت الذي تستهدف إيران بأقصى ضغط. تجاهل هذا المزيج من السياسات الطرق التي يتداخل بها مصير إيران مع مصير المنطقة، خاصة في أماكن مثل سوريا، حيث حاولت إيران دائمًا ممارسة نفوذها. يجب أن يكون الضغط الأقصى محليًا وإقليميًا على حد سواء: تقول دونيلي “من الرائع محاسبة إيران، لكنها مهتمة بممارسة التأثير الإقليمي أكثر من تطوير الأسلحة النووية”.

تعتقد دونيلي أيضًا أن الولايات المتحدة لديها مشكلة في الانطباع الذي تخلفه في الشرق الأوسط بعد التراجع العام لإدارة ترمب عن المنطقة: تقول “الشيء الذي يقلقني أكثر هو أننا نقلنا رسالة بأننا غير مهتمين”. هذه اللامبالاة تعزز الطريقة التي “تحاول إيران فيها إظهار أنها صامدة أمام الضغوط الأمريكية”.

تمثل انتقادات دونيلي وروبن بمثابة بيان للحاجة إلى استراتيجية شاملة أكثر تماسكًا. بشكل عام، كانت إدارة ترمب على استعداد لمواجهة التجاوزات الإيرانية المتكررة بشكل مباشر، وبذلك اتخذت نهجًا مختلفًا تمامًا عن نهج سلفها.

للمضي قدمًا، يجب على الولايات المتحدة النظر في تعزيز موقفها الإقليمي وتحالفاتها في الشرق الأوسط مع مراقبة النزاعات الإقليمية المتعلقة بإيران عن كثب.

وبانتظار شهر نوفمبر/تشرين ثاني القادم فقد تحدد الانتخابات الرئاسية الأمريكية مستقبل استراتيجية الضغط الأقصى. انتقد بايدن بشدة نهج إدارة ترمب تجاه إيران، قائلاً إنه يود أن تعود الولايات المتحدة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة.  ربما سيصلح هذا العلاقات الدبلوماسية مع حلفاء الولايات المتحدة ويؤدي إلى محادثات مثمرة مع الحكومة الإيرانية. لكن التجارب السابقة تطرح شكوك في ذلك وتجعله مجرد أمنيات . حيث يبدو أن النظام الإيراني سيواصل سلوكه الإرهابي والمزعزع للاستقرار ما لم تتم محاسبته.

 

ناشيونال ريفيو / كارينا حجار

ترجمة وتحرير: راسام