أثار مقتل باحث بارز في بغداد موجات صدمة بجميع أنحاء الحكومة، وهو ما أبرز المخاطر الكبيرة في صراع الحكومة مع الميليشيات القوية المدعومة من إيران وكشف الحدود المحتملة لرئيس الوزراء في مواجهتها.

فوجئ مستشارو رئيس الوزراء “مصطفى الكاظمي” بأن العنف قد يصل إلى درجة قريبة من دائرته الداخلية. واغتيال هشام الهاشمي ، الذي كان مقربًا لكثير منهم، في 6 يوليو/ تموز قاد إلى حقيقة أن قلة في العراق لا يمكن المساس بها.

ورغم أنه لم يتم تحديد هوية القاتل بشكل علني​​، إلا أن بعض المسؤولين العراقيين قالوا إنه على صلة بإحدى الميليشيات المدعومة من إيران التي واجهها الكاظمي منذ توليه منصبه في مايو / أيار.

لقد وعد الكاظمي بكبح جماح الميليشيات التي تعمل خارج نطاق القانون، بعد ضغوط من الولايات المتحدة، التي اُستهدف وجودها العسكري من بعض هذه الجماعات المسلحة خلال وجودها المستمر منذ 17 عاما في العراق.

لكن لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى سيجرؤ الكاظمي على المضي قدما في مواجهتهم بشأن مقتل الهاشمي. وفي الوقت الذي يجري فيه تحقيق برئاسة نائب وزير الداخلية للقبض على القاتل، يقول مساعدو الكاظمي وحلفاؤه السياسيون إن تحديد من أعطى الأمر يمكن أن يؤدي إلى انفجار سياسي كبير.

قال أحد المستشارين، بشرط عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع: “إن الكاظمي يريد تحقيق العدالة، لكن يديه مقيدتان”. “إن فتح تحقيق شامل في سبب حدوث ذلك، هو ببساطة خطير للغاية على أي رئيس وزراء هنا.”

تمت مشاهدة لقطات تليفزيونية لقتل الهاشمي خارج منزله في جميع أنحاء العراق، وهو ما يذكر بسنوات مظلمة عندما سيطرت الميليشيات على الشوارع.

لقد قال المساعدون السياسيون للكاظمي بصوت عالٍ بأن أي واحد منهم قد يكون هو التالي.  حيث اختفى البعض من شاشات التلفزيون و غادر آخرون المدينة والذين كانوا في الخارج بالأصل، قالوا إنهم لن يعودوا لفترة من الوقت.

وقال أحد مساعدي الكاظمي: “مقتل هشام كان بمثابة رسالة، وقد سمعها الجميع”. “لقد أظهروا أنه بغض النظر عن مدى ارتباطك، يمكن للميليشيات الوصول إليك دائمًا.”

قال خبراء في شؤون العراق إن الهاشمي أصبح ضحية للصراع المتصاعد بين رئيس الوزراء والميليشيات، وهو جزء من منافسة أكبر بين الولايات المتحدة وإيران على النفوذ في العراق.

وقال رمزي مارديني  من معهد بيرسون في جامعة شيكاغو، إنه كان أحد أبرز خبراء الأمن في البلاد، ويبحث في الأعمال الداخلية لتنظيم الدولة الإسلامية ومختلف الميليشيات المدعومة من إيران، ويمكن أن يفسر قتله “كإجراء وقائي لإضعاف قدرة الكاظمي في المستقبل”.  وأضاف رمزي “هناك أسباب كثيرة للاعتقاد بأن ميليشيا حزب الله تتوقع صراعا مستقبلا مع الحكومة”،  في إشارة إلى أكثر الميليشيات نفوذا والتي تصادم معها الكاظمي. وقال مارديني، بالنسبة لبعض الميليشيات، فإن التحركات العدائية للكاظمي “ستضيف إلى رئيس الوزراء قدرة هجومية متزايدة”.

 

استهداف المليشيات يأتي بنتائج عكسية

ساعدت الميليشيات في العراق، بما في ذلك العديد ممن تربطهم علاقات وثيقة بإيران، الجيش الحكومي والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، وبلغت ذروتها بهزيمة التنظيم عام 2017. وهذا ما أكسب الميليشيات دوراً رسمياً في جهاز الأمن المحلي كجزء من ميليشيا الحشد الشعبي (PMF) ، مع الرواتب والأسلحة المقدمة من الحكومة.

ومع ذلك، فإن بعض الجماعات المتحالفة مع إيران متهمة بالعمل خارج القانون، إنهم يجنون الأموال من الابتزاز والتهريب ويديرون شبكة سجون سرية، وتقوم بعض الجماعات المسلحة بشكل روتيني بشن هجمات صاروخية على المنشآت العسكرية والدبلوماسية المرتبطة بالولايات المتحدة، وهو ما يزيد الضغط على التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لإنهاء وجوده في العراق على النحو الذي يسعى إليه برلمان البلاد.

لقد قدم رئيس الوزراء عرضًا لرغبته في كبح جماحهم، ووعد بالتحقيق في الهجمات الصاروخية عند حدوثها، وتنصيب الحلفاء في قيادة جهاز الأمن واستهداف حلقات التهريب التي تدر عائدات للميليشيات.

في استعراض غير عادٍ للقوة، أمر الكاظمي باعتقال 14 من أعضاء ميليشيا حزب الله في 26 يونيو/ تموز، متهمًا إياهم بالتخطيط لمهاجمة المنطقة الخضراء ببغداد، وهي منطقة دبلوماسية وسياسية حساسة بالقرب من وسط المدينة، ولكن تم الإفراج عنهم بسرعة.

قال الخبراء إن عملية الاعتقال هذه، بدلاً من تأديبها، شجعت الميليشيات على تصعيد الهجمات ومقاومة سيطرة الحكومة قبل أن يصبح الكاظمي أقوى، وقال مارديني، بالنسبة لبعض الميليشيات، فإن التحركات العدائية للكاظمي “تضيف إلى رئيس الوزراء قدرة هجومية متزايدة”.

وبعد توقف قصير، استؤنفت الهجمات الصاروخية، وتبنتها هذه المرة جماعات جديدة غامضة يشتبه مسؤولون أمنيون عراقيون وأمريكيون بأنها واجهات لميليشيات معروفة.

وسقط أحدث صاروخ بالقرب من السفارة الأمريكية عندما كان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يزور بغداد.

ثم تم لاحقا اختطاف ناشطة المانية هيلا ميفيس، من الشوارع من قبل رجال مسلحين في شاحنة صغيرة، وقال مسؤول حكومي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الوضع، إنه يعتقد أن الخاطفين على صلة بميليشيا مدعومة من إيران، وقد حررتها لاحقا قوات الأمن شرقي بغداد.

كما يضاف إلى الضغوط التي يتعرض لها الكاظمي الاقتصاد المنهار الذي ورثه، والذي أصبح الآن أسوأ بسبب تأثير وباء الفيروس التاجي، ونقص الدعم الواسع لأي برنامج لمعالجة ذلك.

 

مجموعات مارقة بشكل متزايد

 في الأشهر الأخيرة، أصبح الهاشمي أكثر صراحة في التحدث عن كيفية إفلات بعض المليشيات من العقاب. وقد طرح في مقاله الأخير، الذي نشر قبل أيام من وفاته، بأنه يمكن إخضاع تلك الميليشيات ببطء لتجنب “معركة كسر العظم “.

كواحد من أكثر المحللين بروزا في العراق، كان الهاشمي مرتبطًا ارتباطًا جيدًا بشخصيات رئيسية داخل الميليشيات، لكن الغارة الأمريكية لطائرة بدون طيار، في كانون الثاني (يناير)، والتي أسفرت عن مقتل الجنرال إلايراني قاسم سليماني وزعيم الميليشيا أبو مهدي المهندس غيرت حال المليشيات، وتغييرت طريقة عملها ومن يسيطر عليها وفقا لخبراء يراقبون تلك الجماعات. لذلك عندما بدأ الهاشمي يتلقى تهديدات بالقتل من صفوف المليشيات في الأشهر الأخيرة، بما في ذلك ميليشيا حزب الله، كان في حيرة بشأن كيفية الرد.

كتب ريناد منصور، زميل أبحاث في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في جاثام هاوس وصديق الهاشمي، “في حين أن الهاشمي كان بإمكانه الاتصال بالمهندس أو غيره لفهم التهديدات التي أرسلت له بل وربما التخفيف منها، لم يعد هذا الخيار موجودًا”، “لقد اختفت جميع اتصالاته البارزة في “الحشد الشعبي” ولم يستطع السيطرة على الجماعات المارقة بشكل متزايد.”

وقال محللون سياسيون إن قتل سليماني والمهندس جعل من الصعب على أي قائد السيطرة أو التحدث باسم شبكة مجزأة من الجماعات المسلحة.

يقول الخبراء المتابعين لفيلق القدس، جناح العمليات الخارجية للحرس الثوري الإيراني، الذي يدعم الجماعات في العراق، إن خليفة سليماني، إسماعيل قاني، هو أكثر تماسكًا، حيث يصدر توجيهات واسعة لكن لا تتم استشارته بالعمليات اليومية.

وقال علي الفونة، وهو زميل أقدم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، إن “قاني ذكي بما فيه الكفاية بحيث لا يحاول محاكاة أسلوب القيادة في سليماني، مما يعني تفويضًا أكبر لمسؤوليات القادة الميدانيين”.

لقد كان تأثير موت المهندس واضحا جدا، حيث وتقول مصادر الميليشيات ومسؤولون أمريكيون وعراقيون إن تسمية بديله أبو فدك المحمداوي قد استغرقت عدة أشهر كما إنه ليس لديه نفس القدرة على تشكيل موقف مشترك بين الجماعات. قال أحد المسؤولين الأمريكيين، بشرط عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الوضع: ” بالتالي من الصعب تتبع الجميع”، “نحن نرى تأثير ذلك الآن.”

كذلك عندما تحدث هجمات صاروخية أو كمائن الآن، فإن ميليشيات لم تكن معروفة من قبل ولا تزال عضويتها غير معروفة هي التي تتبناها. قال أحد المسؤولين العراقيين، إنه من غير الواضح ما إذا كانت هذه المجموعات منشقة أو هي الميليشيات القائمة فعلا وتستخدم اسمًا آخر، وبالتالي فإن كبحها “يبدو وكأنه مطاردة الأشباح”.

يقول المساعدون السياسيون للكاظمي ومراقبو حقوق الإنسان، إنهم متشككون بشأن ما يمكن أن يصل إليه التحقيق في مقتل الهاشمي، وقال العديد من الحلفاء السياسيين إنهم يتوقعون، على الأكثر، محاكمة جنائية للمسلح، من دون الخوض في من أعطى الأمر ولماذا.

قال عزيز الربيعي، صحفي عراقي مقيم شمالي العراق: ” اعتقدنا أن هذه الأقلام وهذه الأصوات المعارضة للميليشيات كانت بداية جديدة” ،  “أظهر موت هشام أن الدولة العراقية وقانونها مجرد حبر على ورق”.

 

واشنطن بوست/ لويسا لفلك ومصطفى سالم

 ترجمة وتحرير: راسام