بعد مرور سبعة عشر عاما ، أصبحت لدينا فكرة عن سبب كون حرب العراق كانت كارثية. نوقشت أسباب الفشل مرارًا وتكرارًا في وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية وبين السياسيين. ظهرت قصة تحدد العديد من الأخطاء الكبرى التي ارتكبت قبل وأثناء الحرب. في غضون ذلك، قدم دعاة التدخل في الصراع السوري قضية منفصلة تمامًا عن الإجماع الناشئ حول الخطأ الذي حدث في العراق. إن الطريقة التي جادل بها العديد من دعاة حرب العراق، وحتى بعض معارضيها، للتدخل في سوريا، تشير إلى أنهم لم يكونوا متحمسين لتطبيق الدروس الرئيسية المستفادة في العراق. إن الفهم الخاطئ، لما كان يمكن أن يحدث إذا كانت الولايات المتحدة قد تدخلت في وقت سابق نيابة عن المناهضين للحكومة، يستمر في تشكيل النقاش حول سوريا. لا يزال هذا الأمر ذا صلة بالنظر إلى التدخل التركي الأخير نيابة عن المناهضين ، في شمال غرب سوريا، ضد حكومة بشار الأسد. وقد قوبلت هذه الخطوة بالموافقة من بعض أركان واشنطن العاصمة. أولئك الذين دافعوا عن دعم الولايات المتحدة للمناهضين في سوريا كانوا سيحسنون صنعا لو أخذو في الاعتبار الدروس التي كان ينبغي أن تتعلمها الولايات المتحدة في العراق.

طرحت الولايات المتحدة ثلاثة مبررات رئيسية لغزو العراق عام 2003: حكومة صدام حسين العراقية دعمت الإرهابيين وتعاونت معهم. وأن العراق كان لديه أسلحة دمار شامل. و أن نشر الديمقراطية في المنطقة من شأنه أن يقوض الأوضاع السياسية التي أثارت السخط الشعبي وبالتالي تسببت في الإرهاب. بحلول الوقت الذي انسحبت فيه القوات الأمريكية من البلاد نهاية عام 2011 ، كان من الواضح أن جميع المبررات الثلاثة تستند إلى سوء فهم أساسي للبلد الذي غزته الولايات المتحدة. ومع خروج الولايات المتحدة، كان العراق يُدار من قبل حكومة طائفية تعمل باسم الديمقراطية.

أدركت الإدارة الأمريكية أن علاقة صدام بالإرهابيين المتورطين في 11 سبتمبر/ أيلول كانت عرضية في أحسن الأحوال. وبحلول الوقت الذي قامت فيه بالغزو، لم يكن لدى العراق أسلحة دمار شامل. وبعد سنوات قليلة من انسحابها، استولى تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” على مساحات شاسعة من البلاد ، إلى جانب مناطق واسعة في سوريا المجاورة. كان للحرب نتائج عكسية حتى في أهدافها المعلنة لمكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية.

تصادف انسحاب الولايات المتحدة من العراق مع بداية احتجاجات الربيع العربي أواخر عام 2010. واكتسبوا زخمًا خطيرًا عام 2011. في البداية بدا أن العالم العربي يمر بنقلة نوعية، وكانت هناك دعوات للولايات المتحدة للتدخل لصالح المتمردين المناهضين للحكومة في سوريا وأماكن أخرى.

في سوريا، حمل المناهضون السلاح في محاولة للإطاحة بنظام ديكتاتوري بشار الأسد، الذي هو في السلطة منذ وفاة والده عام 2000. إن الدعوات إلى تدخل الولايات المتحدة هناك لم تكن تحظى بالاجماع بسبب الأخطاء التي حدثت في العراق. على سبيل المثال، عام 2013، ناشد جون جوديس الولايات المتحدة أن تتدخل في سوريا، وبعد بضعة أشهر كتب عن شعوره عندما كان وحيدا في معارضته لحرب العراق عام 2003.

يختلف تاريخ سوريا والعراق في القرن العشرين من نواحٍ عديدة، لكن لا تزال هناك سمات مشتركة كثيرة. تم اقتطاع كلا البلدين من العثمانيين. شهد كل منهما سلسلة من الانقلابات (سوريا أكثر من العراق) قبل أن يعزز حزب البعث سلطته بنهاية المطاف في البلاد. (أصبح فرعا الحزب السوري والعراقي في نهاية المطاف متنافسين لدودين على الرغم من الأصول المشتركة)، ظهر رجل قوي وعزز سلطته داخل كل من الحزب والدولة: في سوريا، تولى حافظ الأسد السلطة عام 1970، وفي العراق، وصل صدام حسين إلى السلطة عام 1979. كانتا دولتين ضعيفتين. قضى كلا الرئيسين على الخصوم في الحزب من أجل الاستيلاء على السلطة والحفاظ عليها، مما أدى إلى ترسيخ الدولة البوليسية المركزية.

بعد الاستيلاء على السلطة، واجه كل من الأسد وصدام تهديدات محلية كبيرة بقبضتهما على السلطة. جاء أخطر تحد داخلي لصدام حسين في أعقاب حرب الخليج الأولى، بعد أن طردت الولايات المتحدة وحلفاؤها العراق من الكويت المجاورة. وقررت عدم الاستمرار نحو بغداد والإطاحة بصدام، إلا أنها شجعت تمردا جنوبي البلاد. في النهاية، تطلب الأمر غزوًا من قبل الولايات المتحدة لإسقاط صدام.

في سوريا، جاء التهديد لسلطة الأسد عندما قاد الإخوان المسلمون انتفاضة في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وخاصة في مدينتي حماة وحلب الشماليتين. رد الأسد بقوة غاشمة، ودمر مدينة حماة إلى حد كبير عام 1982. وتراجعت شعبيته نتيجة هذا الرد، لكنه وضح أن المعركة في سوريا كانت بين الدولة ومعارضي الدولة وأن الدولة قد انتصرت. وسيكون هذا نذيرًا للأحداث المستقبلية التي تبدأ عام 2011.

بعد أن أطاحت الولايات المتحدة بصدام عام 2003 ، سرعان ما تحولت الحرب إلى مستنقع، حيث لم تكن هناك خطة للتعامل مع الفوضى التي تلت ذلك. يقدم كتاب توماس ريكس (الفشل) تذكيرًا موجزًا ​​بعدد الأشخاص في إدارة بوش والجيش الذين توقعوا أن تنتهي الحرب بسرعة وأن الولايات المتحدة يمكن أن تنسحب في غضون أشهر من السيطرة على بغداد. قال ريتشارد بيرل، أحد كبار المسؤولين في إدارة بوش، في حلقة نقاش بمعهد أمريكان إنتربرايز في أكتوبر 2002: “لا أعتقد أن أي شيء مثل التزام طويل الأجل لـ 150 ألف أمريكي سيكون ضروريًا”. قال بول وولفويتز، نائب وزير الدفاع، في كانون الأول (ديسمبر) من ذلك العام، “إن الناس مفرطون في التشاؤم بشأن ما سيحدث بعد ذلك”.

لكن داخل الجيش وخارجه، كان هناك قلق من أن التخطيط لم يكن كافياً. سأل نورمان شوارزكوف، الذي قاد العمليات بحرب الخليج الأولى، في يناير/ كانون الثاني 2003 “كيف سيبدو العراق ما بعد الحرب، بوجود الأكراد والسنة والشيعة؟”. “هذا سؤال مهم “. يجب أن يكون هذا السؤال جزءًا من خطة الحملة الشاملة.. آمل أن يكون لدينا الموارد الكافية لنصبح جيش احتلال، لأننا سندخل في الفوضى”. يبدو هذا واضحًا الآن، لكن من الواضح أنه لم يكن هناك اجماع حول الفكرة في ذلك الوقت. رددت ملاحظات شوارزكوف الحكمة التقليدية عام 1991، عندما قررت فيه إدارة جورج بوش الأب عدم الاستمرار نحو بغداد وإزاحة صدام حسين من السلطة. تم تجاهل هذه التحذيرات بحلول عام 2003. وقال وولفويتز قبل بدء الحرب: “أعتقد أن الاختلافات العرقية في العراق موجودة، لكنها مبالغ فيها”.

تخيل شخص يقول ذلك الآن! وبالمثل انعكس التفكير قصير النظر في وسائل الإعلام. قال الراحل أنتوني شديد، أحد أكثر المراسلين فعالية في العراق، واصفًا تفكيره عندما كان الغزو جاريا، في مقابلة مع مجلة كولومبيا للصحافة أواخر عام 2011 ، حيث قال “يجب أن ينتهي هذا في غضون شهر أو شهرين،  ثم لنبدأ في التفكير في أي مكان آخر سنذهب إليه في المنطقة.  إلا أنه بعد 7 أعوام، 2010، كنت لا أزال جالسًا في بغداد”.

كانت إدارة جورج دبليو بوش مقتنعة بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل. وبينما لم يكونوا وحدهم في هذا التقييم، انخرط ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وسكوتر ليبي وآخرون في أسوأ أنواع التفكير الأيديولوجي. لقد انتقوا من معلومات الاستخبارات ورأوا ما يريدون رؤيته، بدلاً من استخلاص استنتاجات بناءً على نظرة موضوعية للصورة بأكملها. قال تشيني في أغسطس/ آب 2002 ، متحدثًا إلى قدامى المحاربين في الحروب الخارجية: “ببساطة، ليس هناك شك في أن صدام حسين يمتلك الآن أسلحة دمار شامل”. “ليس هناك شك في أنه يهيؤها لاستخدامها ضد أصدقائنا وضد حلفائنا وضدنا”.

لكن كان هناك شك، لا سيما داخل مجتمع الاستخبارات، رغم أنه لم يكن يحظى بالإجماع. تجاهلت الإدارة هذا الشك وواصلت الغزو. سرعان ما أصبح واضحًا أن المعارضين كانوا على حق. كانت أسلحة الدمار الشامل هي نفسها التي تم العثور عليها في العراق قبل عام 1991 ، ولم يكن هناك دليل على أن صدام لا يزال لديه برنامج نشط في الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية.

إن عدم وجود أسلحة الدمار الشامل جعل الحرب مؤلمة، حيث تضاعف عدد القتلى الأمريكيين والعراقيين، كما إن وجود مثل هذه الأسلحة لم يكن ليغير مسار الحرب. لقد كانت مبررًا لاستخدام القوة وليس لها علاقة بالعوامل الداخلية التي دفعت إلى المقاومة خلال عقد من الحرب في العراق. بوجودها أو بعدمه كانت الولايات المتحدة ستخسر نفس العدد من الجنود و ستنسحب على الأرجح عام 2011.

قلة هم الذين يشككون في التبرير الأولي لغزو أفغانستان. كانت هجمات 11 سبتمبر / ايلول 2001 نتيجة مباشرة للملاذ الآمن الذي وفرته طالبان للقاعدة. كانت حرب الولايات المتحدة على أفغانستان رداً مشروعاً على تلك الهجمات، خاصة بعد رفض طالبان تسليم قادة القاعدة. إلا أن شرعية الحرب لم تجعل أهدافها قابلة للتحقيق، واحتمال أن تصبح أفغانستان ملاذاً إرهابياً مرة أخرى بعد مغادرتنا مرتفع للغاية. وحتى لو بقينا، فإن احتمالية أن تصبح دولة مستقرة وعاملة بشكل معقول قادرة على محاربة الإرهاب منخفضة للغاية.

المبرر الآخر للحرب في العراق هو أن انتشار الديمقراطية في الشرق الأوسط من شأنه أن يقوض الظروف التي أدت إلى التطرف الديني والإرهاب. عند النظر إلى العراق وبقية المنطقة اليوم، يمكننا أن نرى أن هذا الفهم استند إلى عدد من الافتراضات الخاطئة بشكل واضح، لكن عندما بدأت احتجاجات الربيع العربي عام 2010 ، لم ير معظم المراقبين أي تشابه بين أحداث العراق عام 2003 والصراعات الناشئة في ليبيا واليمن وسوريا.

شعرت كل من وسائل الإعلام الأمريكية والحكومة الأمريكية بضرورة دعم المتظاهرين في مطالبهم للتغيير، وفهمها على أنها مطالب بالديمقراطية الليبرالية. في الواقع، هذا ما أراده بعض المتظاهرين، لكن لم تكن لديهم رؤية مشتركة لما يجب أن يحدث بعد ذلك. ركزت الاحتجاجات على “الخروج ضد القديم”. إلا أنه لم يتم التفكير كثيرًا في الأشخاص الذين قد يتم تضمينهم بـ”الجديد”. عند تأطير النقاش حول ما يجب أن تكون عليه الاستجابة للاحتجاجات، لم يأخذ المعلقون الغربيون في الاعتبار تجربة ما بعد عام 2003 في العراق.

قبل الحرب السورية كانت هناك مقولة وهي أن نظام الأسد هو السبب الرئيسي لأمراض البلاد ولذلك يجب إزالته بأي ثمن، وقد حظيت بتأييد بعض المثقفين السوريين، الذين يمثلهم في الأساس برهان غليون ومفكرون مشابهون. إلا أن آخرين، مثل جورج الطرابيشي، كان لديهم فهم أكثر اعتدالًا، حيث رأوا أسباب المشاكل السورية الحالية على أنها أعمق من مجرد نظامها السياسي المتدهور. وجادلوا بأن مشاكل سوريا متجذرة بعمق في ثقافة الأمة، وأن إزالة النظام لن يؤدي بالضرورة إلى إيجاد بديل أفضل إذا لم يتم معالجة المشاكل الاجتماعية الأساسية. يسأل الطرابيشي في كتابه “الهرطقات”، الذي نُشر لأول مرة عام 2006، “هل الديمقراطية مفتاح سحري نفتح به كل الأبواب المغلقة؟”. “أم أن الديمقراطية، على العكس من ذلك، تاج يتوج التطور العضوي للمجتمع، والتي تتطور ارتباطا بمستوى تطور المجتمع؟”.

هذا التقييم الأكثر اعتدالًا للاحتجاجات السورية – أنه إذا أدت إلى تغيير في النظام  فقد يكون أسوأ من الوضع الراهن – لم يجد سوى القليل من الدعم في الغرب، حيث وجدت دعوات التحرر من ديكتاتور قمعي أذن متعاطفة، مستحضرة الوضع عام 1989، عندما كانت الشيوعية العالمية تنهار وكان يُعتقد أن حقبة ديمقراطية جديدة تظهر في أوروبا الشرقية وأماكن أخرى. بالنسبة للكثير من الغربيين والسوريين المتفائلين على حد سواء، بدا أن لحظة العالم العربي للحاق أخيرًا بتقدم التاريخ قد حانت. غالبًا ما ينظر الغربيون إلى العديد من الأفكار التي تحظى بدعم كبير في العالم العربي على أنها عنصرية معادية للعرب – في هذه الحالة، كانت الفكرة هي أن المنطقة ليست جاهزة للديمقراطية. كانت الأشهر القليلة الماضية بمثابة تذكير جيد بأن التقدم، حتى في الغرب، ليس حتميًا.

في الشرق الأوسط، كان واضحًا بان الحروب الأهلية في سوريا وليبيا واليمن، لم تعد تشبه أي نوع من الصراع بين “الديمقراطيين الجيدين” و “الديكتاتوريين السيئين”، حيث هناك اجماع بأن تلك الدول فشلت في الوصول إلى أي شكل من أشكال الديمقراطية.

قبل عام 2011 ، كان التشكيك في الديمقراطية منتشرًا بالفعل في الشرق الأوسط نفسه، بين المفكرين، والإسلاميين، والمستفيدين من أنظمة المحسوبية. لقد انتشر التشكك في المنطقة الآن على نطاق أوسع بكثير مما كان عليه عام 2011. يشعر الكثير ممن شهدوا ضغوطا واضطرابات العقد الماضي بالحنين إلى الحياة في ظل حكم صدام حسين وحافظ الأسد، حتى لو كانوا في ذلك الحنين غالبًا ما يغفلون عن المعاناة في ذلك الوقت.

من المثير للاهتمام، أن رواية ما حدث في العراق، في وسائل الإعلام الأمريكية، تتعارض في كثير من الأحيان مع رواية ما كان يمكن للولايات المتحدة فعله بشكل مختلف في سوريا لمنع الحرب الأهلية، التي استمرت تسع سنوات بعد بدء الاحتجاجات الأولى. يؤكد العديد من المحللين والمعلقين والمسؤولين السابقين أن الحرب كان من الممكن أن لا تكون دموية أو مطولة لو أن الولايات المتحدة وحلفائها تدخلوا عاجلاً لصالح المناهضين “المعتدلين”. لنأخذ، على سبيل المثال، الفيلم الوثائقي “التاريخ السري لداعش”، الذي تم بثه على قناة PBS ضمن برنامج الخط الأمامي في مايو/ ايار 2016.

يعرض الفيلم – بشكل مقنع، العثرات التي قامت بها الولايات المتحدة والتي مكنت التنظيم من الانتشار. أولا وقبل كل شيء كانت فرصة ضائعة لقتل أبو مصعب الزرقاوي عام 2002 أثناء لجوئه إلى شمال العراق.

بعد ذلك يعرض الفلم الوثائقي سلسلة الزلات التالية بعد الغزو الأمريكي: حل الجيش العراقي و اجتثاث البعث، حيث لا يُسمح لأي شخص شغل مناصب عليا كان عضوا في الحزب بالمشاركة في الحكومة الجديدة، وعدم رغبة الإدارة في البداية في رؤية مناهضة متماسكة ومنظمة، وبدلاً من ذلك، عزت الإدارة الأمريكية أعمال العنف المبكرة في البلاد إلى جهات فاعلة غير مترابطة ومنفصلة، وكذلك اعتقال الجهاديين في سجن معسكر بوكا، حيث نظموا الشبكات وخططوا للخطوات التالية للمقاومة؛ وأيضا انسحاب سابق لأوانه عام 2011 ، مصحوبًا بفك ارتباط سياسي كامل مع البلاد، وهي الخطوة التي قوضت التقدم الذي تم إحرازه من خلال زيادة القوات والمشاركة مع القبائل السنية.

أدى انهيار الدولة العراقية الضعيفة إلى التوسع السريع لتنظيم الدولة عام 2014. هذا تحليل مقبول ويعكس الفكرة الجماعية الحالية، التي يشاركها الكثيرون في السياسة والإعلام والأوساط الأكاديمية، حول كيفية خروج حرب العراق عن السيطرة. إنه تحليل معقول، على الرغم من أن عيبه الأساسي هو تركيزه على الإجراءات الأمريكية بدلاً من التركيز على المجتمع العراقي. ومع ذلك، فإنه يوفر مجموعة جيدة من الدروس التي يمكن تعلمها من تورط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

من الغريب أن البرنامج الوثائقي الخط الاماميFrontline ، مثله مثل الكثير من التوثيقات الأخرى حول المنطقة، فشل في تطبيق العديد من الدروس المفترض تعلمها في العراق على الوضع في سوريا. من أولى الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في العراق كانت حل الجيش العراقي ومنع معظم أعضاء حزب البعث من المشاركة في الحكومة الجديدة. على الرغم من هذا الدرس، كان هناك ضغط في واشنطن ابتداء من عام 2011 لتسليح المناهضين للحكومة الذين كانوا يحاولون الإطاحة بالحكومة البعثية في سوريا. لو نجحوا، ألن تجد سوريا نفسها في نفس الوضع الذي كان عليه العراق عام 2003، مع بعثيين وبيروقراطيين عاطلين عن العمل ومستائين من النظام الجديد؟

“زعم” بعض الثوار السوريين في وقت مبكر أنهم كانوا يحاولون ببساطة إزالة “النظام” مع ترك “الدولة” في مكانها. قد يكون هذا منطقيًا على الورق، لكن الحقيقة هي أن النظام والدولة أصبحا واحدًا.

شكل المنشقون عن الجيش، الجيش السوري الحر، الذي تم تصميمه على غرار الجيش السوري وكان من المفترض أن يحل محله، بمجرد الإطاحة بالحكومة، مع ترك الهيكل القائم في مكانه. من الصعب أن نرى كيف يمكن تحقيق ذلك. في حين أن الانشقاقات ربما كانت ضرورة عملية للإطاحة بالحكومة السورية، إلا أنها تلائم نمطًا من المشاركة العسكرية في السياسة السورية بدأ مع انقلاب حسني الزعيم عام 1949 ، والذي فتح صندوق باندورا للتدخل العسكري الذي سمم السياسة السورية على الإطلاق. وبمجرد اعتبار التسلسل القيادي جاهزًا للتفاوض، لا يوجد ما يمنع الشخص الثاني في القيادة الجديدة من الانشقاق وتشكيل مجموعته الخاصة، كما حدث مع المعارضة السورية حيث انقسمت إلى فصائل أكثر فأكثر. كان الانشقاق عن الجيش لتشكيل جيش جديد موازٍ مجرد خطوة على طرق أخرى بائسة بدلاً من نقطة تحول على الطريق نحو سوريا جديدة، دولة ملتزمة بالحرية والديمقراطية.

كان على الأمريكيين الذين يراقبون من بعيد أن ينظروا إلى المنشقين بتشكك أكثر مما كانوا يفعلون. وبدلاً من ذلك، بدأ على الفور، تقريبا،  الدفع في واشنطن لتسليح المتمردين والإطاحة بالأسد. بحلول عام 2013 ، كانت تلك الجهود على قدم وساق. سافر جون ماكين إلى سوريا والتقى بـ “المتمردين”. قدم السناتور روبرت مينينديز (دي ، نيوجيرسي) مشروع قانون لتسليحهم و “الاعتراف بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية. . . كممثل شرعي للشعب السوري”.

وهنا يطرح سؤال نفسه.. تحت أي سلطة تم اعتبار هيئة غير منتخبة من الثوار والمنشقين بأنهم الممثلين الشرعيين للشعب السوري؟

لا يحتاج المرء إلى دعم الحكومة السورية أو بشار الأسد ليرى أن الاعتراف الرسمي بقوات “المتمردين” لن يختلف عن الاعتراف بأحمد الجلبي كممثل شرعي للعراق حتى غزو 2003. حيث تبين أن الجلبي لا يحظى بأي دعم تقريبًا في العراق وانتهى به الأمر بالتجسس لصالح إيران. سليم إدريس، قائد الجيش السوري الحر (التقى به جون ماكين في رحلته إلى سوريا عام 2013) ، أصبح قائدا في التدخل التركي لشمال سوريا في أكتوبر/ تشرين اول 2019 ، وهي عملية عسكرية كان من الممكن أن تقتل جنودًا أمريكيين وتقلب كل الجهود الأمريكية لمنع عودة تنظيم الدولة. لم يحظ الجلبي ولا إدريس بتأييد شعبي كبير. كلاهما كان يستخدم الدعم الأمريكي لدفع أجندتهما الخاصة، وليس الأجندة الوطنية. علاوة على ذلك، كانت أساليبهما غير ديمقراطية تمامًا، وتتعارض مع المنطق الذي يُزعم أن الولايات المتحدة تدعمهما وفقًا له.

ما يُحسب للرئيس أوباما أنه قاوم ضغوطًا كبيرة لزيادة التدخل الأمريكي في سوريا. ودعت الشخصيات داخل إدارته، ولا سيما وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، ووزير الدفاع ليون بانيتا، ومدير وكالة المخابرات المركزية ديفيد بتريوس، وروبرت فورد  سفير الولايات المتحدة في سوريا إلى قيام الولايات المتحدة بتسليح المتمردين. ومع ذلك يواصل النقاد القول إن فشل أوباما في التدخل نيابة عن المناهضين المعتدلين المزعومين سمح للجهاديين بكبحهم على الأرض وزيادة الدعم الشعبي للجهاديين.

في كتاب “تنظيف فوضى أوباما في سوريا”، الذي نُشر في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، جادل المدافع عن حرب العراق – ماكس بوت – عن “تزويد المناهضين السوريين بصواريخ مضادة للطائرات مثل Stingers التي زودت بها، الولايات المتحدة، المقاتلين الأفغان في ثمانينيات القرن الماضي، “كما لو أنه لا يعرف عواقب تسليح المقاتلين في أفغانستان: لقد ساعد ذلك في خلق الظروف التي أدت في النهاية إلى سيطرة طالبان على البلاد. ربما كان الصراع ضد الشيوعية خلال الحرب الباردة يبرر دعم المقاتلين، لكن ما هي المصلحة الوطنية في دعم المناهضين السوريين؟ لم يتم التعبير عن ذلك بشكل مقنع.

لا يمكن أبدًا معرفة ما الذي كان سيحدث إذا دعمت الولايات المتحدة ” المناهضين ” السوريين بقوة أكبر عام 2013 أو قبل ذلك. واستيعابًا لدروس العراق بدقة أكبر مما فعل مستشاريه، رفض أوباما التكهنات الوردية بأن دعم مجموعة معينة في حرب أهلية مستمرة في الشرق الأوسط سيؤدي بسهولة إلى رفع مستوى طبقة حاكمة ديمقراطية موالية للغرب. بدلاً من ذلك، انتظر أوباما حتى وقت ضروري أكثر للتدخل المباشر في الصراع السوري، موضحًا بعض الدروس التي تعلمتها الولايات المتحدة في العراق. لسوء الحظ، لم يطبق نفس التحذير على ليبيا، الدولة المضطربة الآن مثل سوريا، مع القليل من الأمل في الأفق.

على عكس الدعوات المبكرة لتسليح المناهضين للحكومة في سوريا، جاء التدخل ضد تنظيم الدولة هناك متأخرًا بما يكفي حتى ترى الولايات المتحدة من كان فعالًا على الأرض واختيارهم كشركاء في عملية مكافحة التنظيم. في حين أن “المتمردين” حققوا بعض النجاح ضد التنظيم، فقد كان ذلك عادةً بالاشتراك مع الجهاديين الذين كانوا أقل استبدادًا بقليل من التنظيم، وبالتالي بالكاد يكون نموذجًا يمكن توسيع نطاقه والبناء عليه. من ناحية أخرى، أظهرت وحدات حماية الشعب الكردية قدرتها على محاربة التنظيم، وعلى استعداد لدفع أجندة سياسية محلية تتوافق مع المصالح الأمريكية. تحالفت وحدات حماية الشعب مع الميليشيات المسيحية والقبائل العربية، وشكلت تحالفًا تعدديًا يعكس التركيبة السكانية لسوريا، على عكس المناهضين للحكومة، والذين كانت غالبيتهم من السنة.

في حين كانت الولايات المتحدة حريصة على عدم المصادقة صراحة على المشروع السياسي لوحدات حماية الشعب، الإدارة الذاتية، فقد مكّنت، مع ذلك من توسع تلك الإدارة، من خلال دعم وحدات حماية الشعب وحلفائها في انتزاع الأراضي من تنظيم الدولة. باختصار، كان تدخل الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة، على شكل دعم لوحدات حماية الشعب وحلفائها، تدخلاً باسم مجموعة أثبتت فعاليتها. وهذا يتناقض مع محاولة الولايات المتحدة دعم قوة مقاتلة موالية للجلبي قبل غزو العراق – وهي محاولة لخلق قوة على الورق لم تكن موجودة في الواقع. كان التدخل نيابة عن المناهضين السوريين، الذين انقسموا ضد أنفسهم بسرعة واحتواهم “المتطرفون”، كان سيحقق نتائج مثل تلك الموجودة في العراق. تمت تجربة عدة برامج لتسليح  المناهضين السوريين إلا أنها كانت إخفاقات كاملة.

على الرغم من كل هذا، دعا العديد من المحللين والمعلقين، مرددين صدى مؤيدي حرب العراق الأوائل، إلى إمكانية إعادة تشكيل المجتمع السوري إلى شيء جديد. كتب كينيث بولاك، أحد المدافعين عن حرب العراق عام 2003، في مجلة فورين أفيرز عام 2014: “يمكن للولايات المتحدة إنشاء جيش سوري جديد بهيكل وعقيدة تقليدية، قادر على هزيمة كل من النظام و”المتطرفين”. إن النصر الحاسم لهذا الجيش المدعوم من الولايات المتحدة سيجبر جميع الأطراف على طاولة المفاوضات ويمنح الولايات المتحدة النفوذ للتوسط في ترتيب تقاسم السلطة بين الفصائل المتنافسة. ستخلق هذه النتيجة أفضل الظروف لظهور دولة سورية جديدة: دولة سلمية وتعددية وشاملة وقادرة على حكم البلد بأكمله”.

إنه لأمر مدهش أن أي شخص شاهد حالة العراق سوف يعتقد أن ذلك ممكن، لكن الفكرة القائلة بأنه كان من الممكن أن تكون.. لا تزال جذابة عبر الطيف السياسي.

بعد عام، كتب بولاك أن “التدخل العسكري الناجح واضح ومباشر – إذا فعلناه بشكل صحيح وخصصنا الموارد اللازمة. على سبيل المثال، في العراق، قال العديد من المعلقين إن الأمر سيستغرق عشر سنوات لتحقيق الاستقرار في العراق. ومع ذلك، فإن توجه الأمريكان، للعمل مع القبائل السنية، حققت أهدافها في غضون 12 إلى 18 شهرًا. هذا الاستقرار السريع هو القاعدة التاريخية”.

ما هو الاستقرار الذي يشير إليه بولاك؟ في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، عندما كان يكتب تلك السطور، سيطر تنظيم الدولة على مساحات شاسعة من العراق، بما في ذلك المناطق القبلية التي كان يشير إليها ومدينة الموصل المهمة. الاستقرار الذي ينهار فور انسحاب الولايات المتحدة لا يعني الاستقرار على الإطلاق. يرى بولاك وآخرون أن الانسحاب المبكر من العراق عام 2011 هو سبب عدم الاستقرار الذي أدى إلى ظهور تنظيم الدولة. هذا صحيح إلى حد ما، لكن الحكومة المركزية أثبتت عدم قدرتها على الحفاظ على الاستقرار من دون مساعدة أمريكية مباشرة، وبالتالي فهي بالتأكيد ليست حلاً يتم تطبيقه في الجوار السوري.

وبدلاً من ذلك، دعمت الولايات المتحدة في سوريا وحدات حماية الشعب الكردية في حربها ضد التنظيم. هنا طبق الجيش الأمريكي درسًا رئيسيًا تعلمه في العراق: الحاجة إلى إشراك زعماء القبائل العربية.

في العراق، حققت الولايات المتحدة نجاحًا متواضعًا، وإن كان سريعًا، في محافظة الأنبار خلال زيادة القوات من خلال دعم زعماء العشائر السنية ضد القاعدة و “المتطرفين”. المشروع لم يكن مثاليا و تم التراجع إلى حد كبير بعد انسحاب الولايات المتحدة، حيث فشلت الحكومة الطائفية الشيعية في بغداد في متابعة الإجراءات التي بدأها الأمريكيون. ومع ذلك، كان الحال أفضل من الفوضى التي سبقت الاجراءات الأمريكية.

في سوريا، دفعت الولايات المتحدة وحدات حماية الشعب الكردية للانخراط مع القبائل العربية لمحاربة تنظيم الدولة. ساعدت تلك الجهود على توسيع نطاق جاذبية وحدات حماية الشعب، التي شكلت فيما بعد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع حلفائها وأكدت للقبائل العربية أن القتال ضد التنظيم لن يتحول إلى مشروع قومي كردي، على الرغم من أن الكثيرين شككوا في الدافع الحقيقي لوحدات حماية الشعب.

من خلال إشراك القبائل العربية، تمكنت الولايات المتحدة من ضمهم إلى الحظيرة. أثبت هذا الجهد أنه مثمر عندما صمد العرب المتحالفون مع وحدات حماية الشعب في مواجهة الغزو التركي في تشرين الأول/ أكتوبر 2019. وهو ما يبشر بالخير لسلام دائم شمال شرقي سوريا في المستقبل، علما أن النجاح بعيد كل البعد عن الضمان، والتوتر بين وحدات حماية الشعب والقبائل العربية آخذ في الارتفاع حاليًا شمال شرقي سوريا. باختصار، لا توجد حلول سحرية، لكن بالتأكيد هناك حلول أفضل وأسوأ.

يمكن المجادلة حول تفاصيل السياسات والبرامج التي نجحت في العراق وأي منها كانت ستنجح في سوريا لو حاولت الولايات المتحدة ذلك. بالنظر إلى الحالتين جنبًا إلى جنب، يمكننا أن نرى مدى فشل الولايات المتحدة في التعلم من حرب العراق. التعلم منها لا يقتصر فقط على كتابة تاريخ دقيق للولايات المتحدة. إنما يتعلق الأمر أيضًا بمنع تكرار هذه الأخطاء. الولايات المتحدة بحاجة إلى النظر إلى العالم كما هو، وليس كما تريده أن يكون.

في هذه الحالة، تبدو سوريا والعراق أكثر تشابهًا بكثير مما يريد الخبراء في واشنطن أن يصدقوه. من الأفضل للولايات المتحدة أن تضع ذلك في الاعتبار في المرة القادمة التي تُطرح فيه خطة كبرى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق مخيلتها.

 

ناشيونال ريفيو/ سام سويني

ترجمة وتحرير: راسام