من خلال عقد شراكة كبيرة مع طهران، لا تخاطر بكين بإغضاب الشركاء الإقليميين الآخرين فحسب، بل تتورط أيضًا في قضايا أمنية وسياسية معقدة.

ترددت أصداء التقارير الدورية عن اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة طموحة مدتها 25 عامًا بين إيران والصين عبر جنوب غرب آسيا وخارجها. تثير الاتفاقية تساؤلاً حول ما إذا كنا نشهد تحولًا في المشهد الجيوستراتيجي في آسيا أم مجرد زواج مصلحة. الإجابة ليست واضحة بعد، لكن الاتفاقية ستواجه على الأرجح عدة عقبات، وقد تكون لها عواقب غير مقصودة من خلال جر الصين إلى دوامة سياسات الشرق الأوسط.

يأتي الاتفاق وسط تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة. لقد تضرر الاقتصاد الإيراني من جراء العقوبات الأمريكية، ويمكن أن يوفر الاتفاق لطهران شريان حياة ونفوذًا محتملاً ضد واشنطن. قد يكون تسريب الاتفاقية الوشيكة رسالة تهدف إلى إرسال إشارة للجمهور الأمريكي بأن إيران يمكن أن تحبط ما يسمى بحملة الضغط الأقصى للولايات المتحدة من خلال التوافق الوثيق مع الصين.

لقد تدهورت علاقات الصين مع الولايات المتحدة بشكل حاد، إلا أنه سيكون من الخطأ تصنيف الاتفاقية على أنها مجرد مثال آخر على الموجة الأخيرة من التحركات الصينية الحازمة. بدلاً من ذلك، يمكن فهم الاتفاقية بشكل أفضل من خلال عدسة مبادرة الحزام والطريق (BRI) ، التي تهدف إلى ربط الصين اقتصاديًا بالأسواق الرئيسة في آسيا وأوروبا وأفريقيا، فضلاً عن جعل إمدادات الطاقة الصينية طويلة الأجل أكثر أمانًا. وترسيخ مكانة الصين الاستراتيجية الشاملة في الخليج.

ستمثل المشاريع المطروحة، التي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار، أكبر اتفاقية صينية حتى الآن لأي دولة بمفردها في مبادرة الحزام والطريق، مما يقزم أكبر استثمار يليها، وهو بقيمة 62 مليار دولار مخطط له كجزء من الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني. ويقال إن الاتفاقية تشمل السكك الحديدية والموانئ ومترو الأنفاق وإنتاج النفط والغاز والاتصالات والتصنيع والتعاون العسكري. في المقابل، يبدو أن إيران وافقت على تزويد الصين بخصم كبير من النفط.

لا ينبغي الحكم على الاتفاقية من الناحية التجارية فقط، التي سيكون من الصعب تنفيذها بشكل كامل، ولكن من خلال تأثيرها الاستراتيجي. في هذا الصدد، توفر الشراكة مع طهران لبكين موطئ قدم جيوستراتيجي في موقع متميز، مما يسمح لها بإكمال جزء حيوي من ممر مبادرة الحزام والطريق التي تتبع طريق الحرير القديم الذي يربط غرب الصين بالشرق الأوسط وأوروبا.

لكن سيكون من الخطأ افتراض أن كل شيء سوف يسير بسلاسة في الاتفاقية الصينية الإيرانية. سيواجه التنفيذ تحديات كبيرة قد لا يقدرها أي من البلدين بشكل كامل. من بين هذه التجارب الإيرانية غير السعيدة مع القوى العظمى، والتي تركت بصمة لا تمحى من النفسية الإيرانية. الذكريات التاريخية لمعاهدة تركمانشاي لعام 1828 التي تنازلت فيها إيران عن أراضيها لروسيا، والغزو الأنجلو- سوفيتي لإيران خلال الحرب العالمية الثانية، والإطاحة برئيس الوزراء محمد مصدق عام 1953 بدعم أمريكي وبريطاني، هي ذكريات راسخة بين الإيرانيين. لقد استحوذ الشعار الثوري “لا شرق ولا غرب” على جوهر شك إيران في مخططات القوى العظمى.

بالنظر إلى هذا التاريخ، فإن العديد من الإيرانيين ينظرون بشكل عكسي للاتفاقية الصينية الإيرانية ويتهمون الحكومة ببيع أصول البلاد بثمن بخس. لا يمكن تجاهل هذه المشاعر الشعبية.

من الناحية العملية، قد تبطئ إيران، أو تعيد التفاوض، أو حتى تلغي المشاريع المتفق عليها مع الصين، خاصة إذا تمكنت من إعادة العلاقات التجارية مع الغرب.

كما ستشكل الخصومات الشرسة والصراعات المستمرة في الشرق الأوسط تحديات. من المؤكد أن بكين تريد تجنب هذا النوع من التشابكات العسكرية التي أعاقت واشنطن في المنطقة في حين أنها تستفيد من مظلة أمنية أمريكية لتعزيز مصالحها. ومع ذلك، يشير التاريخ إلى أن المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية للقوى العظمى متشابكة بشكل لا ينفصم. مع نمو مصالحها الاقتصادية في الشرق الأوسط، ستجد الصين صعوبة متزايدة في البقاء على الحياد في المسائل السياسية والأمنية بمنطقة يتوقع فيها الفاعلون الرئيسيون من القوى العظمى أن تقف إلى جانبهم، وهذا سيضعها في مأزق.

تريد الصين بناء علاقة استراتيجية مع إيران حتى في الوقت الذي تعمل فيه على إقامة علاقات أوثق مع اللاعبين الإقليميين الرئيسيين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكيان الصهيوني. تتفاوض الصين أيضًا على شراكات استراتيجية شاملة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وتعد هذه الدول إيران تهديدًا وجوديًا لها، وبالتالي تخاطر الصين بتنفير هذه الدولتان إذا ما دعمت خصمهما اللدود.

عام 2018، كان حجم التجارة المشتركة للصين مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكيان الصهيوني أكبر بثلاث مرات ونصف من تجارتها مع إيران (123 مليار دولار مقابل 35 مليار دولار). وقبل أيام قليلة من تسريب الاتفاق الأولي عن الاتفاقية الصينية الإيرانية، تبنى وزراء خارجية الصين وجامعة الدول العربية إعلان عمّان، حيث أيدت الدول العربية مفهوم السياسة الخارجية للصين المتمثل في “مجتمع ذو مصير مشترك للبشرية”. وقد تفسر مثل هذه الاعتبارات سبب عدم تأكيد بكين رسميًا أنها على وشك التوصل إلى اتفاق مع إيران.

يثير اهتمام الصين بالحفاظ على علاقات جيدة مع دول الخليج العربي سؤالًا مهما.. حول ما إذا كانت مستعدة لاستخدام استثماراتها المحتملة في إيران كوسيلة ضغط لكبح السياسات الإيرانية التي تهدد الآخرين في المنطقة، وخاصة دعم وكلاء إيران في لبنان واليمن والعراق وسوريا..؟ إلا أن هذا غير محتمل. حيث إن اتجاه السياسة الخارجية الصينية العميقة هو البقاء بعيدًا عن الخصومات الإقليمية والجلوس على الحياد كلما أمكن ذلك. لكن الأبعاد المطلقة لهذه الشراكة الاستراتيجية المرتقبة مع إيران قد تدفع ممالك الخليج والكيان الصهيوني إلى استنتاج أن الصين تميل الآن بشكل حاسم في اتجاه خصمهم .

عند ملاحظة تفاعل الصين مع إيران كمشارك في المفاوضات النووية الدولية مع طهران من عام 2009 وحتى عام 2013 ، كانت الصين عادةً الطرف الأكثر تحفظًا على الطاولة، إلا أن لديها أيضًا القدرة على جذب انتباه إيران والتأثير على حساباتها بطرق غير متاحة للآخرين. واليوم لها تأثير أكبر على إيران، لكن الفشل في توظيفه لتهدئة سلوك طهران الإقليمي قد ينتهي به الأمر إلى تعريض استراتيجية بكين الاقتصادية طويلة الأجل في الشرق الأوسط للخطر، والتي يخدمها الاستقرار الاستراتيجي في نهاية المطاف.

تهدف هذه الاستراتيجية إلى جذب المنطقة إلى المدار الاقتصادي للصين وتأمين مصادر نفطية موثوقة. وهو يعتمد على نموذج “الحزام والطريق” للاستثمار في البنية التحتية والتنمية الاقتصادية، وهو ما يتضمن تركيزًا كبيرًا على بناء الموانئ والسكك الحديدية لتعزيز الترابط الاقتصادي.

تعتمد الصين بشكل متزايد على طاقة الشرق الأوسط، باعتبارها أكبر مستورد للنفط في العالم منذ عام 2017. في العام الماضي، أصبحت المملكة العربية السعودية أكبر مورد للنفط للصين. تليها ثلاث دول في الشرق الأوسط – العراق والإمارات وإيران – هم أيضًا من بين أكبر الموردين لها.

إن الاعتماد على النفط يجلب معه التعرض للتقلبات السياسية في المنطقة. ومن الأمثلة الحية على هذه البديهية الهجوم الإيراني المشتبه به في سبتمبر/ أيلول الماضي على منشآت معالجة النفط في بقيق وخريص في السعودية، مما أدى إلى توقف 5٪ من إنتاج النفط العالمي مؤقتًا وتسبب في ارتفاع أسعار النفط بنسبة 15٪.

يبدو أن قناعة الصين هي أن إعادة تركيز اهتمام الشرق الأوسط نحو التنمية الاقتصادية سيكون له تأثير تحولي في خفض التوترات التي أصبحت سمة مستوطنة في المنطقة. إلا أن تعزيز الاتصال عبر منطقة مفككة لن يكون بالأمر السهل. فما تراه الصين على أنه مكسب للطرفين قد تفسره دول المنطقة على أنه لعب على كلا الجانبين.

حتى الآن، تمكنت بكين من التمتع بعلاقات إيجابية ومتنامية مع دول الخليج والكيان الصهيوني وإيران. يرى كل منهم قيمة هائلة في الاستثمار والدراية الصينية. لكن رد فعل المنطقة على النطاق الهائل للاستثمارات في الاتفاقية المحتملة بين الصين وإيران قد يجبر الصين إما على تقليص مشاركتها المخطط لها مع إيران أو الإبحار في مياه مجهولة واستخدام فن الحكم التقليدي للتعامل بشكل أكثر فاعلية مع المخاوف الخليجية من السياسات الإيرانية. قد تكون الصين مترددة في الاعتراف بأنها تواجه مثل هذا الخيار، لكن الحقائق القاسية في الشرق الأوسط قد توضح ذلك قريبًا.

 

فورن بولسي / بونيت تالوار

ترجمة وتحرير: راسام