تزعم الحكومة العراقية أنها تحقق في مقتل المتظاهرين السلميين ابتداء من شهر تموز 2020 فقط. وبالتالي فهي تتجاهل أكثر من 800 ضحية قتلوا منذ اندلاع الاحتجاجات في أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي. وهذا يعكس محاولة الحكومة لكسب الوقت من أجل تجاهل المشكلة الأوسع المتمثلة في السبب الرئيس للانتفاضة الشعبية وهو رفض السياسة الطائفية في العراق، وسوء الخدمات العامة، وبطالة الشباب، ووجود الميليشيات في الحياة اليومية.

تشبه هذه الاستراتيجية محاولة الحكومة تسمية رئيس وزراء جديد ووزراء من يناير/ كانون ثاني حتى مايو/ ايار من هذا العام، مع بقاء نفس الأحزاب السياسية، ونفس التحاصص العرقي والطائفي ونفس الميليشيات المتورطة في الفساد المتفشي في القطاع العام في العراق. وللانصاف، ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي تعترف فيها الحكومة العراقية علنًا بقتل المتظاهرين على أيدي قوات الأمن. حيث عادة ما يتم إلقاء اللوم على “أطراف ثالثة” لدرجة أن المصطلح يستخدم بسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي.

عادة ما يكون “الطرف الثالث” هو إشارة إلى الميليشيات التي تشكل الأجنحة المسلحة للأحزاب السياسية الرئيسة، وعلى الأرجح مدعومة من قبل الجماعات الموالية لإيران. يركز خطاب حركة الاحتجاج بشدة على تدخل إيران المهيمن والتوسعي في شؤون  جارتها.

لقد تحدت انتفاضة تشرين الأول (أكتوبر) النظام السياسي العراقي برمته، وهو نظام تديره وتعسكره الأحزاب السياسية والدينية التي تستخدم مجتمعها المتنوع من خلال التجزئة العرقية والطائفية للتعتيم على سرقة الأموال العامة في العراق والفساد المستمر. وهو نظام محمي من قبل القوى الدولية والإقليمية التي تشترك في مصالح مشتركة معينة مع هذه الجماعات السياسية.

بدأت بعض الأحزاب السياسية في عراق اليوم كميليشيات قبل أن تتحول إلى أحزاب من أجل انتخابها. إنهم يسيطرون الآن على الوزارات والإدارات العامة الأخرى. وبالتالي، لن تستسلم المؤسسة السياسية وشبكاتها المتشددة والإقليمية للحركة الاحتجاجية التي يقودها الشباب والتي تشكل تهديدًا لوجودهم التنظيمي والمؤسسي.

صحيح أن تغيير مجلس الوزراء ورئيسه خلال العام الماضي بسبب الضغط الشعبي هو إنجاز رمزي، كما انه دفع الحكومة الجديدة لتغيير الخطاب حول قتل المتظاهرين من ما يسمى بـ “الطرف الثالث” إلى ” قوات الأمن”.. لكن هذا لا يحل القضايا الاقتصادية والأمنية والبيئية الجذرية في العراق. زعم رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي نفسه أن حكومته لا يمكن أن تكون مسؤولة عن أفعال أسلافه، لذلك يجب عليه التصرف والتعامل مع القضايا التي لها تأثير طويل المدى بدلاً من ذات التاثير قصير المدى.

على سبيل المثال، يُنظر إلى الفساد على أنه العقبة الرئيسة أمام أي من مبادرات بناء الدولة في العراق. إنها قضية نمت تدريجياً خلال العقوبات التي قادتها الولايات المتحدة ضد نظام صدام حسين في التسعينيات، وخاصة خلال برنامج النفط مقابل الغذاء التابع للأمم المتحدة الذي شابته عمليات احتيال كبيرة. وفي أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، تم تأسيس الفساد بطريقة أكثر وضوحًا وقوة وحتى يومنا هذا.

تطغى الرشوة والمشاريع الوهمية والمبادرات والمشتريات المبالغ فيها على قطاعات الكهرباء والنفط والغاز والدفاع والأمن والجمارك والقضاء وغيرها من القطاعات في البلاد. بعبارة أخرى، الفساد، مثل العديد من أوجه القصور الأخرى في النظام السياسي العراقي، هو نتيجة سنوات من العمليات غير القانونية، وبالتالي سيحتاج إلى سنوات من الإجراءات المضادة لإنتاج إصلاحات جذرية وتغييرات ضرورية. على سبيل المثال، بدلاً من اعتقال اثنين أو ثلاثة من ضباط الشرطة الذين لم يتم تحديد هويتهم علنًا، يحتاج العراق إلى إعادة هيكلة قيادة القوات المسلحة وقوات الشرطة لضمان خلوها من السياسات الحزبية وقاعدة الكوتا العرقية والطائفية. سيكون هذا مكانًا جيدًا لبدء العملية.

تستند المطالب الأساسية للحركة الاحتجاجية إلى إصلاح النظام السياسي الإثني – الطائفي، ومعالجة الفساد، وإدخال إصلاحات اقتصادية لتعزيز التوظيف ووضع حد للعنف السياسي الذي ترتكبه الجماعات المتشددة. هذه كلها قضايا تتطلب تغييرات مؤسسية واقتصادية ودستورية جذرية. يحتاج العراق، مثل المحتجين،  إلى حلول طويلة الأمد وليست مؤقتة.

 

ميدل ايست مونيتور/ زيدون الكناني

ترجمة وتحرير: راسام