تحققت مؤخرا عدالة من نوع ما لمن يشتبه في تورطهم باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005. ووجهت التهمة إلى أحد أعضاء ميليشيا حزب الله المدعومة من إيران وتم تبرئة ثلاثة آخرين. وعلى الرغم من أن نتيجة المحكمة الدولية تلك لم تكن ما يأمله الكثيرون، كونها لم تحمّل حزب الله المسؤولية المباشرة عن القتل، إلا أنه تم الترحيب بها باعتبارها خطوة قريبة من تحقيق العدالة لرجل الدولة المقتول.

بعد أيام قليلة من هذا الحكم، وقعت عملية اغتيال أخرى في العراق، حيث قُتلت ناشطة تدعى ريهام يعقوب في البصرة. والمشتبه بهم هم أيضا أعضاء بميليشيات مدعومة من إيران، ربما تكون نظيرتها اللبنانية كتائب حزب الله. تسببت جريمة القتل في صدمة بجميع أنحاء البلاد ومجتمعها الضعيف من الصحفيين والنشطاء، لا سيما أنها جاءت بعد شهر من اغتيال المحلل السياسي المعروف هشام الهاشمي، على يد نفس المجموعة، حسبما زُعم.

قال أزهر الربيعي، الصحفي المقيم في البصرة والذي كان صديقًا لريهام يعقوب، لموقع ميدل إيست مونيتور، إن القتل كان بمثابة تحذير لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الذي كان يزور الولايات المتحدة في نفس اليوم. قال الربيعي: “عندما وصل في أول زيارة خارجية له إلى واشنطن العاصمة، أعادت الميليشيات نشاطها وقتلت ريهام يعقوب لإرسال رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أن الكاظمي يفشل في إدارة أمن العراق”.

تعكس الاغتيالات الأخيرة، وكذلك اغتيال الحريري قبل 15 عامًا، صعود الميليشيات المدعومة من إيران في المنطقة من لبنان إلى العراق. وحزب الله اللبناني هو الأبرز إلى حد بعيد.

نما حزب الله، بعد تأسيسه في الثمانينيات كحركة مقاومة “مزعومة” ضد الاحتلال الصهيوني ووكلائه المسيحيين الموارنة جنوبي لبنان، ليصبح لاعبًا ديناميكيًا ومهمًا بشكل متزايد في المجتمع والسياسة اللبنانية. لقد توسع إلى أبعد من الجانب العسكري وأصبح لديه الآن جناح سياسي بارز.

وبلغ توسعه في المجال السياسي ذروته بانتخاب الرئيس المسيحي ميشال عون عام 2016، المتحالف مع حزب الله، ومكن اثنين من أعضاء الجماعة من دخول البرلمان مع تعيين 15 من حلفاء الحزب السياسيين في مناصب حكومية. قدم هذا، وبشكل فعال، حالة يمكن أن تشارك في العملية الديمقراطية بشكل شرعي.

على الرغم من الصورة الديمقراطية، إلا أن المجموعة فشلت في الاندماج مع القوات المسلحة اللبنانية وتتخلى عن سلاحها، متحدية بذلك مطالب الولايات المتحدة والأمم المتحدة لنزع سلاحها. وبدلاً من ذلك، تسللت المجموعة إلى السلطات اللبنانية والأجهزة الأمنية حتى تمتثل لمصالح حزب الله وتتغاضى عن أفعاله. وظهر ذلك في تقارير عن المواقع السوداء السرية للميليشيا في أنحاء لبنان وخطفها وتعذيبها للصحفيين والمنتقدين الذين هددوا بفضح أخطائها.

على مدى سنوات، أطلق مسلحو وأعضاء حزب الله النار على حشود من المتظاهرين ضد الجماعة ونفوذها في لبنان، من دون مواجهة أي رد من قبل قوات الأمن اللبنانية. كما وردت تقارير تفيد بأن القوات المسلحة اللبنانية غير قادرة على دخول المناطق والقرى ذات الأغلبية الشيعية، ولا سيما في الجنوب، من دون إذن أو مرافقة من حزب الله.

يوجد في العراق حالة مشابه، حيث دخلت كتائب حزب الله المجال السياسي من خلال المشاركة في الانتخابات البرلمانية بعد هزيمة تنظيم الدولة على الأرض. لقد نجحت كتائب حزب الله في الفوز بثاني أكبر عدد من الأصوات في البرلمان العراقي بفضل دورها القيادي في التحالف السياسي للميليشيات الشيعية المسمى “تحالف الفتح”.

لقد وجهت نفس الدعوات للميليشيات لنزع سلاحها والاندماج مع الجيش العراقي تحت إشراف وزارة الدفاع، حيث أصدر رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي العام الماضي مرسوماً لجميع الجماعات المدعومة من إيران والمنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي. بأن تصبح جزءًا لا يتجزأ من القوات المسلحة وتخضع لنفس اللوائح”. وبدلاً من الامتثال لهذا المرسوم، تجاهلت كتائب حزب الله تحذيره من تحولهم الى جماعة خارجة عن القانون واستمروا ببساطة في إطلاق النار على المتظاهرين وبدأوا في اغتيال المنتقدين.

وبسبب القدرات العسكرية والنفوذ السياسي الجديد لهذه الميليشيات بدأ يُنظر إليها كدول داخل دول، وهو ما يقوض سيادة كل من لبنان والعراق.

قال الربيعي لمجلة  (ميدل ايست مونيتور): “إن الميليشيات أقوى من الحكومة، ولديهم أسلحة وبطاقات هوية لعبور نقاط التفتيش، ولديهم أيضًا دعم من إيران”.

على الرغم من هذه العقبات، إلا أنه على مدى الأشهر القليلة الماضية منذ تولي الكاظمي السلطة من عبد المهدي، أحيا العراق آمال ضبط قوة الميليشيات المدعومة من إيران في المنطقة. فقد بذل رئيس الوزراء الجديد، على سبيل المثال، جهودًا لقمع بعض الميليشيات البارزة، كما تم من خلال مداهمة القوات الأمنية لمقر كتائب حزب الله في حزيران واعتقال عدد من عناصرها.

لقد كانت زيارة مصطفى الكاظمي إلى الولايات المتحدة في شهر آب للقاء الرئيس دونالد ترمب دليلًا أيضًا على ذلك، بالإضافة إلى زيارته لعائلة هاشم الهاشمي وعائلة ريهام يعقوب الذين اغتالتهم الميليشيات المسلحة.

لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى سيكون رئيس الوزراء العراقي على استعداد للذهاب في الحد من قوة الميليشيات المدعومة من إيران في بلاده ونفوذها، وما إذا كانت ستشكل تهديدًا حقيقيا لحكومته. لكن المؤكد هو أن منتقدي هذه الميليشيات لديهم كل الأسباب للخوف على حياتهم.

من ناحية أخرى، يعاني لبنان الآن من نقص حاد في القيادة بعد انفجار بيروت واستقالة الحكومة بأكملها، وهو ما يعني أن حزب الله حر في العمل بلا حدود ولا قيود. القيادة اللبنانية المتبقية لم تتخذ أي خطوات لكبح جماح الجماعة أو حتى التشكيك في تورطها المحتمل في الانفجار أو الفساد الذي أدى إليه. قال الرئيس عون، إنه “من المستحيل” على حزب الله أن يتحمل أي مسؤولية عن الانفجار الذي دمر العاصمة.

سقط كل من لبنان والعراق، بدرجات متفاوتة من المقاومة، في قبضة الميليشيات المدعومة من إيران من خلال السماح بوجودها العسكري ومنحها الشرعية السياسية.

من أجل استعادة السيطرة، يجب على لبنان والعراق إما إخراج هذه الميليشيات من المجال السياسي وأي تمثيل سياسي على الإطلاق، أو إجبارهم على نزع سلاحهم والاندماج في القوات المسلحة الوطنية.

إن نزع السلاح غير محتمل، حيث أصر زعيم حزب الله، حسن نصر الله، في يونيو/ حزيران على أن مثل هذه الجهود ستكون “غير مجدية”. وهكذا يبدو أن الوضع الراهن سيستمر، حيث يخوض كل من لبنان والعراق معركة شاقة لاستعادة سيادتهما الوطنية.

 

ميدل ايست مونيتور/ محمد حسين

ترجمة وتحرير: راسام