احتفل علي خامنئي، المرشد الأعلى لإيران، بالذكرى الأربعين للحرب الإيرانية العراقية في سبتمبر/ أيلول الماضي بالإشادة بقرار سلفه بشرب “كأس السم”. وهو ما يعني قبول الجمود بدلاً من النصر.

أطلق نظام طهران على القتال الذي دام ثماني سنوات “الدفاع المقدس”، وتبنى المرشد الأعلى الأول الخميني شعار “الحرب، الحرب، إلى النصر”. لقد كان شرب كأس السم بمثابة اعتراف مؤلم بوفاة مئات الآلاف، وتحمل البلد حرمانًا شديدًا من دون مقابل.

إن تصريحات خامنئي تتضمن تلميحًا إلى أنه أيضًا ربما يستعد للشرب من الكأس المسموم مرة أخرى من أجل إنقاذ النظام من الانهيار مع اقتراب اقتصاده مرة أخرى من حافة الهاوية. هذه المرة، سيكون السم هو تفكيك البرنامج النووي للبلاد والتنازلات الأخرى اللازمة لوضع حد للعقوبات.

تسببت حملة الضغط الأقصى لإدارة ترمب بإلحاق أضرار فادحة باقتصاد ايران وبميزانية النظام الحاكم. هذه هي السنة الثالثة على التوالي من الركود في البلاد، مع انكماش بنسبة 3.3 ٪ في الربع الأول من هذه السنة. وبلغ معدل التضخم السنوي من نقطة إلى نقطة 34.4٪. والريال الإيراني آخذ في الانهيار، وعائدات النفط تتبخر، وسوق الأسهم يتقلب بشكل سريع، وفيروس كورونا ينتشر، والسكان غاضبون.

لقد سجل الريال أدنى مستوى له على الإطلاق في الأسواق السوداء في سبتمبر/ أيلول الماضي، حيث تم تداوله عند 294.800 للدولار. حيث فقد أكثر من 70٪ من قيمته منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني في مايو/ايار 2018. وتحسن اداء العملة قليلاً في سوق خاص يسمى NIMA للمستوردين والمصدرين، فقد تم تداولها عند 235.000 مقابل الدولار. يوفر هذا مقياسًا أفضل لمدى قدرة الدولة على تحمل الواردات التي يعتمد عليها اقتصادها. ومع ذلك، فحتى هناك، فقد الريال نصف قيمته خلال العام الماضي. لا يزال لدى النظام احتياطيات من العملة الصعبة يمكنه استخدامها لسداد قيمة الواردات، لكنها تتقلص بسرعة. بالإضافة إلى ذلك، يواصل البنك المركزي توزيع العملة الصعبة بخصم كبير للنخبة الموالية لاستيراد السلع الأساسية، وهوما يمكنهم من تحقيق الفائدة من يأس باقي الشعب.

لقد كان النظام ذات مرة معتمدا على صادرات النفط التي تدر عشرات المليارات من الدولارات من الدخل سنويًا، إلا أن العقوبات قد خفضتها بشدة. بالنظر إلى أن صادرات إيران غير مشروعة الآن، هناك قدر كبير من عدم اليقين بشأن كمية النفط الخام التي تبيعها. ومع ذلك، يشير تحليل تقارير الموازنة العامة إلى أن 6٪ فقط من الإيرادات المتوقعة من النفط قد تحققت في الربع الأول من السنة المالية الإيرانية الحالية. كما تراجعت الصادرات غير النفطية بشكل حاد أيضًا، مما أدى إلى اقتطاع مصدر رئيس آخر للعملة الصعبة.

أحد الجوانب المحيرة للأزمة الاقتصادية الإيرانية كان التضخم السريع في بورصة طهران، على الرغم من نقاط الضعف الأساسية للسوق في عامها الثالث على التوالي من الركود. كان السبب الكامن وراء هذا الارتفاع غير المحتمل هو يأس المستثمرين من الطبقة المتوسطة لإيداع مدخراتهم في أحد الأصول القليلة التي تعمل بمثابة تحوط ضد كل من التضخم ومخاطر الصرف الأجنبي. مع ذلك، انخفض المؤشر العام للسوق بنسبة 25٪ خلال الأسابيع الستة الماضية فقط، مما أثار مخاوف من أن المستثمرين الغاضبين قد يلومون النظام على الفوضى. لقد تعهد النظام بالفعل بضخ الأموال من صندوق الثروة السيادي الخاص به لتحقيق الاستقرار في البورصة.

لقد نجا المرشد الأعلى من موجتين واسعتي النطاق من الاحتجاجات على مدى السنوات الثلاث الماضية، لكن بعد أن قتلت قوات الأمن عددًا كبيرا من المتظاهرين مقارنة بأي وقت مضى. كما أن حلفاء طهران في لبنان والعراق هم أيضًا في موقع دفاعي.

بعد أقل من عامين على إعادة فرض معظم العقوبات الأمريكية، يقف النظام في مواجهة الجدار. فأربع سنوات أخرى من الضغط الأقصى ستؤدي على الأرجح إلى نهاية النظام. سئم الشعب الإيراني من الانتهاكات المستمرة والفساد والتدين القسري، ويريد حكومة أكثر ديمقراطية وتسامحًا وصديقة للولايات المتحدة.

إذا خسر الرئيس ترمب حملته لإعادة انتخابه، فقد تعود الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، وبالتالي تعليق العقوبات ومنح النظام فرصة جديدة للحياة، على الرغم من أن جدار العقوبات المعمول به يعني أن المستثمرين الدوليين سوف يتعاملون بحذر ولن يتسرعوا في الذهاب إلى إيران. لكن فوز بايدن بعيد كل البعد عن اليقين. لقد تعلم خامنئي من سلفه أن “المرونة البطولية” هي وحدها القادرة على إنقاذ النظام من الانهيار. مع اقتراب الانتخابات في الولايات المتحدة، قد يكون خامنئي يمهد الطريق لإعلان أن الوقت قد حان مرة أخرى للشرب من الكأس المسموم.

 

واشنطن اكزامنر/ سعيد قاسمي نجاد

ترجمة وتحرير: راسام