المقدمة:
يحتل العراق أهمية كبيرة في الاستراتيجية الايرانية وتمددها بالمنطقة. فطبيعة العلاقات الايرانية – العراقية متأرجحة ولم تستقر منذ زمن بعيد. فهي تميل الى التعقيد والتوتر وعدم الاستقرار خاصة مع محاولة ايران تصدير الثورة للعراق والمنطقة بعد وصول الخميني الى سدة الحكم في ايران عام1979 وبدء الحرب الايرانية – العراقية. وهذا التوتر في العلاقات يعود لأسباب كثيرة منها: الاطماع الايرانية في العراق واحتضان المعارضة المسلحة من كلا الطرفين فمجاهدي خلق مقرها بالعراق ومنظمة بدر وحزب الدعوة والمجلس الأعلى في ايران. وقد استمر هذا الوضع لغاية الاحتلال الامريكي- البريطاني للعراق عام 2003. الامر الذي اعتبر فرصة تاريخية للنظام الايراني للتخلص من الدولة العراقية السابقة التي طالما شكلت ند وسدا منيعا أمام مشروعه في المنطقة. لذا فقد شكل إنهاء الحكم في العراق نقطة تحول في السياسية الخارجية الايرانية تجاه العراق والمنطقة خصوصا بعد إن انصرفت الأنظار الى الوضع العراقي الجديد والملتهب بسبب المقاومة العراقية التي اندلعت في أغلب المدن السنية في العراق لمقاومة الاحتلال. استغلت طهران هذا الوضع لتوسيع نفوذها بقوة في الداخل العراقي بعد إن اعترفت ايران بالحكومة العراقية المؤقتة واستأنفت العلاقات الدبلوماسية كقوة ناعمة لبناء الوضع الجديد بما يتلائم مع المصالح الايرانية في العراق والمنطقة حتى أصبحت مع مرور الوقت اللاعب الابرز في الساحة.

دوافع التدخل الايراني في العراق:
البعد السياسي:
لا شك أن ايران لها أطماعها الخاصة بالعراق. وهي أطماع تاريخية طويلة ولكنها تكتسب أهمية كبيرة في الاستراتيجية الإيرانية كونها تمثل قاعدة مهمة وجسر عبور لمشروعها الاقليمي نحو دول المنطقة. كما أنها تمثل بيئة خصبة للأحزاب والميليشيات المسلحة التي لها بعد ايدلوجي يرتبط بولاية الولي الفقيه في ايران التي عملت على تشكيل مرتكزات تنظيمية سياسية وأخرى مسلحة قبل الاحتلال كحزب الدعوة والمجلس الاعلى ومنظمة بدر وغيرها. وفعلا قامت بتقديم الدعم الكامل والشامل لهذه الأحزاب والميليشيات المسلحة قبل الاحتلال وبعده وخاصة المشاركة بالعملية السياسية التي جاء بها الاحتلال الامريكي ودعمتها ايران التي عملت على جمع الشتات الشيعي وشجعتهم على خوض الانتخابات تحت مسمى القائمة الواحدة، ولعبت دور الوسيط في حل الخلافات والاشكالات وإقناع الاطراف على تبني رؤية موحدة رغم الاختلافات السياسية والعقدية. وكان هذا التدخل واضحا في تشكيل البيت الشيعي والتحالف الشيعي بمسمياته المختلفة لتشكيل الكتلة الاكبر منذ مجلس الحكم والى انتخابات عام 2010 والتي شهدت فوز القائمة العراقية على التحالف الشيعي الذي عاد ليتكتل بعد الانتخابات البرلمانية من خلال التدخل الايراني لتولي المالكي لحقيبة وزارية جديدة بالاتفاق مع الولايات المتحدة الامريكية ضمن صفقة الاتفاق النووي بينهما ليتم تشكيل حكومة حسب المقاسات الايرانية التي تسعى لوجود حكومة عراقية ضعيفة وغير مستقرة، مع وجود نخب سياسية تابعة لها تدين بالولاء للولي الفقيه. وهذا يفسر لنا تبعية الموقف العراقي الرسمي من القضايا التي تخص الامة، حيث أصبح الموقف العراقي تابعا للموقف الايراني، ومنها التدخل في البحرين واليمن وكذلك الموقف من التدخل في سوريا والموقف من بقاء النظام السوري في الجامعة العربية. وكل هذا يبين السلطة المؤثرة التي تمتلكها ايران في الملف العراقي بحيث أوصلت الحكومة الى وضع لا يمكن لها أن تنفك عن الدور الايراني بما فيها المواقف الرسمية للحكومة العراقية.

البعد الاقتصادي:
لقد سعت ايران الى الاستحواذ والهيمنة على الاسواق العراقية بمختلف القطاعات الاقتصادية والصناعية والزراعية والمصرفية. حيث يوجد اربع مصارف مشتركة بين الدولتين لضمان التدفقات المالية والاستثمار الذي يتم من خلال شركات ايرانية تنفذ مشاريع مختلفة في العراق بواسطة القطاعات التجارية والصناعية المختلفة. كما عملت على اغراق الاسواق المحلية بالبضائع الايرانية الاستهلاكية التي غالبا ما تكون رخيصة الثمن وسيئة الجودة. كما لها نشاط اقتصادي كبير في إقليم كردستان العراق وخاصة في مجال الانشاءات والاتصالات والنفط والغاز والتهريب بمختلف انواعه. حيث يبلغ حجم الميزان التجاري بين العراق وإيران نحو(12) مليار دولار سنويا، وتطمح طهران لزيادته إلى (20) مليار. حيث تنظر ايران الى العراق بأنه الرئة التي يمكن أن تتنفس منها ايران اقتصاديا، متجاهلة العقوبات الأمريكية. حيث تطمح ايران الى إنشاء أسواق حرة بين البلدين مع زيادة مشاريع الاستثمار والاعمار. حيث تتواجد العشرات من الشركات الايرانية في العراق، وهناك محادثات واتفاقات بشأن تجارة الكهرباء والغاز ومنتجات البترول وفي مجال التنقيب عن النفط واستخراجه. وكانت هناك الكثير من الزيارات الايرانية على مستوى رئيس الجمهورية ووزير الخارجية لإبرام اتفاقات مع العراق تربط الاقتصاد العراق بالاقتصاد الايراني.

البعد الثقافي :
لقد عملت ايران على استهداف الهوية العربية والاسلامية للعراق من خلال استهداف الكفاءات العراقية بمختلف شرائحها من طيارين ومهندسين واطباء ومثقفين ورموز عربية وعشائرية رافضة للتغلغل الايراني الذي اتخذ وسائل مختلفة للتوسع منها ناعمة والتي تشمل التغيير الفكري والثقافي عن طريق القنوات الفضائية ورجال الدين المحسوبين على الولي الفقيه وعن طريق الحوزات والمدارس الدينية التي فتحت في المناطق الجنوبية مثل(مدرسة بنت الهدى في الشطرة- ومدرسة الصياد في البصرة-ومدرسة الامام الصادق في الناصرية-مدرسة قتيبة في السماوة- مدرسة ثورة العشرين في الديوانية….)، مع تشجيع الشيعة على أن يجدوا في ايران امتدادا لهم. فعملت على استقطاب الشخصيات العراقية الفاعلة في المجتمع ومنهم اساتذة جامعات بهدف التبادل العملي وأخضعت أغلب الكفاءات العراقية التي زارت ايران لمنهج مكثف لبيان التجربة الايرانية بالإضافة الى توسيع السياحة الدينية بشكل كبير وغير مسبوق لزيارة العتبات المقدسة حيث وصل عدد الزوار الى اكثر من 4 مليون زائر سنويا. كما شهد العراق بتاريخ 29 تشرين الثاني عام 2015 دخول أكثر من (500) ألف زائر إيراني من منفذ زرباطية الحدودي دون تأشيرة بعد أن فشلت السلطات الامنية من منعهم .

وقد صرح روحاني في مارس /اذار عام 2016 قائلا: “إن إيران سوف تتدخل في أي مكان توجد به مقامات للشيعة، وتتعرض لتهديد الإرهابيين”. وهذه الذريعة اتخذتها ايران للتدخل في العراق والمنطقة.

البعد العقدي والمذهبي(الديني):
يعتبر البعد العقدي هو الاساس الذي انطلقت منه ايران لتنفيذ مشروعها في العراق والمنطقة من خلال العزف على الوتر الطائفي ورفع شعارات المظلومية الشيعية وحماية المراقد المقدسة وشعارات الممانعة والمقاومة وتحرير القدس. كما استفادت ووظفت ايران مشروع الاحتلال في العراق الذي ارتكز مشروعه السياسي على المحاصصة الطائفية بين مكونات الشعب العراقي فعمدت ايران على اللعب على المتناقضات الداخلية ونجحت بشكل كبير من خلال ادواتها السياسية والمسلحة في تنفذ الأجندة الايرانية في العراق والمنطقة. ففي عام 2006 تم تفجير المرقدين في سامراء والذي كان تحت سيطرة الاجهزة الامنية. حيث كشف الجنرال جورج كيسي قائد العمليات السابق في العراق في مؤتمر صحفي في باريس عام 2013 قائلا: ” إن ايران هي التي فجرت مرقد الامامين العسكريين والمالكي يعلم ذلك”. حيث وظفت ايران واتباعها وأدواتها في العراق هذا التفجير لزيادة الاصطفاف والتخندق الطائفي الذي جعل من ايران تظهر كحامية للمذهب الشيعي، ثم جاءت فتوى الجهاد الكفائي التي اصدرتها مرجعية النجف عام 2014 لمواجهة تنظيم الدولة بدعم الاجهزة الامنية والعسكرية لتستفيد منها الاحزاب والميليشيات الايرانية وتحرفها عن مسارها لتشكيل قوات الحشد الشعبي التي شكلت ودعمت وسلحت ودربت ومولت من قبل ايران. علما أن الكثير من أفرادها يقاتلون في سوريا بدعوى حماية المراقد المقدسة، ولكنهم في حقيقتهم ينفذون المشروع الايراني. وقد صرح روحاني في مارس /اذار عام 2016 قائلا: “إن إيران سوف تتدخل في أي مكان توجد به مقامات للشيعة، وتتعرض لتهديد الإرهابيين”. وهذه الذريعة اتخذتها ايران للتدخل في العراق والمنطقة. كما عملت ايران على الترويج لمشروعها هذا عن طريق الكثير من رجال الدين الذين يتبعون الولي الفقيه في ايران حتى وصلنا الى إن هذه الادوات الايرانية ربطت مصير العراق مع ايران في أي مواجهة محتملة.

البعد الامني والعسكري:
لقد سعت ايران الى تعزيز وجودها العسكري والامني من خلال تعزيز انشطتها المخابراتية والاستخبارية و نشر قوات عسكرية ايرانية ومستشارين ومدربين وفتح المعسكرات التدريبية على استخدام السلاح والصواريخ والطائرات المسيرة. بالإضافة الى تقديم الدعم العسكري واللوجستي والاستخباري وتقديم العتاد والسلاح بمختلف أنواعه للميليشيات المسلحة الموالية لها والتي تشكل القوة الضاربة لها وهي جزء من الاذرع الايرانية الطائفية بالمنطقة والتي تعتبر ايران عمقا استراتيجيا لها ولنشاطاتها المزعزعة للاستقرار من خلال توظيف البعد الديني والمذهبي بحماية المراقد المقدسة وحماية المذهب وتأجيج الصراعات الطائفية لكسب الشيعة وجعلهم يتخندقون طائفيا ليس لمصالحهم بل لخدمة المشروع الايراني ومحور المقاومة الذي أعلن عنه زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق قيس الخزعلي في مايو/أيار عام2017 بتشكيل “البدر الشيعي” بعد إن اكتمل “الهلال الشيعي” لنصرة المستضعفين في المنطقة بهدف اكمال مشروع ” الامبراطورية الفارسية “. فإيران تتحدث عن احتلال أربع عواصم عربية وامتداد نفوذها إلى شواطئ المتوسط وباب المندب. وقد صرح علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني في مارس/أذار عام 2015 عندما تحدث عن سيطرة إيران على العراق والعالم العربي قائلا: ” إن بغداد أصبحت مركز الإمبراطورية الإيرانية الجديدة ” في إشارة إلى الإمبراطورية الساسانية الفارسية قبل الاسلام.

بعض السياسات الايرانية في العراق:
لقد عمدت ايران الى امتلاك أوراق ضغط كثيرة ومتعددة في العراق لاستخدامها عند الضرورة من خلال علاقاتها الرسمية عبر قنواتها السياسية مع الاحزاب الكردية والسنية والشيعية والتي تباينت بين الترغيب والترهيب. حيث تنامى دورها في العراق بشكل كبير وأصبح لديها نفوذ سياسي وعسكري واضح والذي كان مرفوضا من قبل شريحة واسعة من العراقيين وخاصة المناطق السنية التي عانت من النفوذ الايراني والسياسية الطائفية التي انتهجتها الاذرع الايرانية منذ تفجيرات سامراء عام 2006. بالاضافة للجرائم التي ارتكبتها هذه الميليشيات الطائفية في المناطق التي تم استعادتها من تنظيم الدولة ومن خلال الأجهزة الامنية التي ضمت العديد من الميليشيات التي كان في ايران قبل عام2003والتي دمجت ضمن الاجهزة الامنية والعسكرية والتي لا تزال تمارس النفس الطائفي في تعاملها مع مكونات الشعب العراقي. وهناك أيضا تخوف كردي بعد الاستفتاء الذي حصل في 25 سبتمر/أيلول عام2017 من الميليشيات الطائفية التي تريد السيطرة والهيمنة على المشهد العراقي. ورأينا كيف تم قطع الكهرباء عن العراق في مواسم الصيف وكيف قطعت الانهار التي تنبع من ايران باتجاه العراق بالإضافة الى القاء المياه الايرانية المالحة في شط العرب مما تسبب بتلوث كبير .

لقد تدخلت ايران في الشأن العراقي بصورة مباشرة وغير مباشرة. حيث اعترضت ايران على الاتفاقية الامنية بين العراق والولايات المتحدة الامريكية في خطوة واضحة للتدخل في الشأن الداخلي والخارجي العراقي.

مراحل التغلغل الايراني في العراق :
أولا: احتلال العراق فرصة تاريخية للتغول الإيراني: لقد كانت ايران من أكبر المستفيدين من إزاحة النظام العراقي السابق الذي وقف سدا منيعا أمام الهجمة الصفراء التي تمثلت بتصدير (الثورة الاسلامية) الى العالم الاسلامي طوال ثماني سنوات من الحرب مع العراق (ما بين 1980-198 ). ولكن يبدو أن ما فشلت به ايران طوال الفترة الماضية بدء يتحقق بعد الاحتلال الامريكي – البريطاني للعراق. حيث تنامى دورهم بشكل كبير بسبب المتغيرات الداخلية والدولية والاقليمية والتي كانت الاساس في الدور التخريبي الذي لعبته ايران في المنطقة وفي العراق بشكل خاص. حيث فتحت الحدود بين البلدين على مصراعيها ودخلت الكثير من الاحزاب والمجاميع المسلحة التي تتخذ من ايران مقرا لها لتتصدر المشهد السياسي والعسكري في العراق ومنها:
• فيلق بدر.
• حزب الدعوة.
• حزب الله فرع العراق.
• حركة 15 شعبان.
• حركة التضامن الاسلامي.
• حركة العمل الاسلامية.
• حركة ثأر الله.
• حركة بقية الله.
• حركة سيد الشهداء.
• حركة مالك الاشتر.

ثانيا: حل الجيش العراق والاجهزة الامنية وقرارات الدمج: لقد اتخذ الحاكم الامريكي بول بريمر قرارا طالما ارادته طهران وهو حل الجيش العراقي وذلك حسب القرار الرقم (2) في 23آيار/ مايس 2003، والذي تضمن حل الجيش العراقي وكافة الدوائر المرتبطة بالقوات المسلحة العراقية. وقد سبقه القرار رقم (1) والذي قضى بتشكيل (الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث) ومنع اصحاب الدرجات العليا من تولي المناصب الحكومية. كما صدر القرار الرقم (91) لسنة 2004 والذي تضمن دمج الميليشيات التي ساهمت في غزو العراق في الاجهزة الامنية والعسكرية، ليتم بهذه القرارات المتلاحقة ابعاد الكثير من ضباط الجيش العراقي المشهود لهم بالكفاءة والخبرة عن المؤسسات الامنية والعسكرية. وكانت هذه الخطوة بمثابة الحجر الاساس في تعميق الفرقة والتناحر والخلافات السياسية والمحاصصة الطائفية التي قتلت المهنية والحرفية في الجيش وأصبح الولاء للطائفة وليس للوطن، مع غض الطرف عن الكثير من (القيادات البعثية) التي لم تشمل بالاجتثاث لأسباب حزبية وطائفية لمكون بعينه بينما طبق القرار على باقي الطوائف الاخرى. واتخاذ هكذا قرارات يعود لمخاوف حول طموحات سياسية قد تظهر لدى قادة الجيش من شأنها أن تشكل خطرا على النظام السياسي الجديد وعلى المحتل الامريكي. وبنفس الوقت كان هذا الاجراء الخاطئ بمثابة الضوء الاخضر لبدء التمدد الايراني في العراق بعد أن تحطمت البوابة الشرقية للوطن العربي باحتلال العراق وحل الجيش واستبداله بقوات عسكرية وأمنية مخترقة تفتقر الى العقيدة العسكرية. وهذا ما أثبتته التقارير الاستخباراتية المسربة عن النفوذ الايراني في العراق والتي كشفتها صحيفة “نيويورك تايمز” وموقع “ذي إنترسبت” الإلكتروني يوم الاثنين 18نوفمبر 2019، والتي تتحدث عن مئات التقارير الاستخباراتية الإيرانية المسرّبة التي تظهر عمق نفوذ طهران في العراق والتي كتبت في عامي 2014-2015من قبل وزارة الاستخبارات والامن الايرانية.

ثالثا: الانسحاب الامريكي من العراق وسياسية ملء الفراغ: إن الانسحاب الامريكي من العراق عام 2011 على أثر توقيع اتفاقية الاطار الامني بين العراق والولايات المتحدة الامريكية ترك فارغا كبيرا استغلته ايران المتوغلة في العراق من خلال ادواتها السياسية والمسلحة لمد نطاق نفوذها بشكل كبير وصولا الى مركز القرار. وما حصل من فوز قائمة علاوي بالانتخابات البرلمانية عام 2010 وتسليم السلطة للمالكي باتفاق أمريكي – ايراني كان جزءا من الاتفاق الذي ابرمته ايران مع حكومة أوباما لتوقيع الاتفاق النووي 5+1 مقابل أن تطلق نفوذها في العراق والمنطقة.

رابعا: سيطرة تنظيم الدولة على مدن عراقية: إن التدخل العسكري الإيراني المكثف في العراق جاء بذريعة مواجهة تنظيم الدولة بعد تفاقم الازمة الامنية وسيطرة التنظيم على عدة محافظات عراقية في وسط وشمال العراق. الامر الذي وفر لها فرصة ثمينة وكبيرة للتدخل السافر في الشأن العراقي، بحيث أصبحت الادوات الايرانية من أحزاب وميليشيات مسلحة يرافقها وجود مباشر للحرس الثوري الايراني الذي عمل على تقديم المشورة الامنية والعسكرية والاستخبارية والتدريب لميليشيات الحشد الشعبي التي اصبحت الفاعل الاكثر تأثيرا في مجريات الاحداث السياسية والامنية في العراق بعد عام 2014.

خامسا: انتخابات عام 2018: إن الانتخابات التي جرت في عام 2018 أوصلت الميليشيات التابعة الى ايران الى سدة الحكم في العراق بقوة السلاح بعد أن خاضت هذه الميليشيات والاحزاب الانتخابات البرلمانية التي شابها الكثير من عمليات التزوير، ولكنها أوصلتهم الى غايتهم الرئيسية وهي السيطرة على مقاليد الحكم في العراق. وقد صرح علي يونسي مستشار الرئيس الايراني حسن روحاني لشؤون الدينية والاقليات في 8مارس/أذار عام 2015 قائلا: “إن إيران عادت إلى وضع الإمبراطورية كما كانت طوال تاريخها وإن بغداد باتت عاصمة لهذه الإمبراطورية وإن جغرافيا العراق وايران غير قابلة للتجزئة وثقافتنا غير قابلة للتفكيك”. وهذا كله كان بسبب الاخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة الامريكية في غزوها للعراق والتي عملت ايران على الاستفادة منها يصحبه تخادم أمريكي – ايراني منذ احتلال افغانستان والى نهاية الفترة الرئاسية لإدارة أوباما.

التدخل الايراني المباشر في العراق :
لقد تدخلت ايران في الشأن العراقي بصورة مباشرة وغير مباشرة. حيث اعترضت ايران على الاتفاقية الامنية بين العراق والولايات المتحدة الامريكية في خطوة واضحة للتدخل في الشأن الداخلي والخارجي العراقي. علما أن الاتفاقية تضمنت بندا يمنع الولايات المتحدة الامريكية من استخدام الاراضي والاجواء العراقية لمهاجمة دول الجوار والمقصود بها ايران. كما أنها تدخلت في السيطرة على مدينة كركوك بالاتفاق مع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني ومنع كردستان من الانفصال حسب الاستفتاء الذي أجري في 25 سبتمبر عام 2017 وهو يعطي دلالة واضحة على قدرة ايران على التدخل في الشأن الداخلي العراقي. علما أن تدخلها العسكري عام 2014 بعد استيلاء تنظيم الدولة على مساحات واسعة من العراق كان كبيرا وواضحا ولأسباب متعددة منها:
أولا: ادراك طهران بضعف المؤسسة العسكرية التي قامت بعد عام 2003 وعدم قدرتها على مواجهة تنظيم الدولة لمشاكل متعددة منها العقيدة العسكرية وضعف القدرات العسكرية.
ثانيا: إن التنظيم بدء يهدد النظام الشيعي الحاكم في العراق والمدعوم ايرانيا لذا كان لا بد لهم من الدفاع عن هذا النظام الموالي لطهران.
ثالثا: إن سيطرة التنظيم على مدن عراقية متعددة كانت فرصة لإيران لتقوم بتشكيل قوات رديفة للجيش العراقي باسم (الحشد الشعبي) والتي وصل عدد الميليشيات المسلحة التي انضمت تحت هذه التسمية الى أكثر من (67) ميليشيا وهذا المسجل بصورة رسمية لدى الحكومة، مما ادى الى زيادة الاحتقان الطائفي بعد أن عمدت على تشكيل وبناء مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة مثل تشكيل القوة الجوية والبحرية والاستخبارية. فقد ضم الحشد ميليشيات مسلحة ولائية تابعة لإيران وهي الاقوى والاكثر تسليحا وتجهيزا وتدريبا وتنظيما والتي اعتبرت جزءا من القوات المسلحة. حيث تم تشريع قانون لهذه الميليشيات ينظم وضعها القانوني والاداري وهو ما ارادته طهران. حيث يقول القائد العام للحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري في مقابلة أجراها مع مجلة سروش: ” إن بلاده قامت بتجنيد (100) ألف عنصر في العراق، ونفس العدد في سوريا”، مؤكداً أن هذا الإجراء هو من ضمن سياسات إيران في دول المنطقة.
رابعا: استخدام العراق كخط دفاعي عن طهران وساحة قتال وصراع بديلة للمواجهة المحتملة مع الولايات المتحدة الامريكية ولتخفيف الضغط على ايران. فقد صرح العميد حسين سلامي نائب قائد الحرس الثوري الايراني: ” إن أفضل استراتيجية للاشتباك مع العدو تكون عن بعد”. في إشارة واضحة إلى أن إيران تنوي نقل أي مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة إلى أراضي العراق وسوريا كخط دفاع أول عن الأمن القومي الإيراني.
خامسا: تحويل العراق الى شريان لوجستي والى ممر بري يسمح لطهران بتخزين السلاح ثم نقله الى الساحة السورية واللبنانية كجزء من الممر البري أو الكليدور الايراني نحو البحر الابيض المتوسط.

وعملت ايران على تجنيد الكثير من المقاتلين الشيعة مقابل مبلغ من المال واستخدمتهم أيضا للقتال في سوريا واليمن لتنفيذ مشروعها الاقليمي في المنطقة

ماذا تريد ايران من العراق:
يبدو أن العراق بعد الاتفاقية الامنية التي وقعت بين العراق والولايات المتحدة الامريكية والتي انسحبت عام 2011 تحول من الاحتلال الامريكي الى الاحتلال الايراني الذي كان اشد واشرس وأقبح وأكثر خبثا وتأثيرا من الاحتلال الامريكي. حيث عملت ايران على تشكيل وتسليح ميليشيات طائفية لزيادة الاحتقان الطائفي قبل وبعد عام 2014. حيث استخدمت هذه الميليشيات في تشكيل الحشد الشعبي الذي قام بارتكاب جرائم ضد الانسانية وقام بانتهاكات لحقوق الانسان في المناطق التي خرجت عن سيطرة القوات الحكومية والتي سيطر عليها تنظيم الدولة كما عملت ايران على اجراء التغيير الديمغرافي وخاصة في ديالى وجرف الصخر وعزيز بلد والموصل من خلال ادواتها بالعراق. وقد صرح اياد علاوي رئيس الوزراء العراق السابق أنه تحدث مع مهدي المهندس وهادي العامري حول ارجاع النازحين الى مناطقهم في جرف الصخر فقالوا له يجب عليك أن تتكلم مع ايران ولبنان. وهناك معلومات تفيد بأن منطقة جرف الصخر تحولت الى قاعدة للحرس الثوري الايراني، فيها معامل لتصنيع الاسلحة والصواريخ بمختلف مدياتها القصيرة والمتوسطة. والغاية من هذه الهيمنة الايرانية المباشرة والغير مباشرة هو تحقيق الاهداف التالية:
أولا: لقد ركزت ايران على ربط الاقتصاد العراقي بالاقتصاد الايراني من خلال تدفق السلع الايرانية الى الاسواق المحلية العراقية. كما أنها سعت لحرق المحاصيل الزراعية وعملت على قطع الانهار التي كانت تغذي الكثير من المناطق الحدودية في ديالى والمحافظات الجنوبية مما أثر على الزراعة بشكل كبير. كما عملت من خلال ميليشياتها على تفكيك المصافي والمصانع ونقلها الى ايران. كما حرقت الكثير من المصانع وقامت بإلقاء المياه المالحة في شط العرب، بالإضافة الى النفيات والمخلفات النووية مما سبب تلوثا كبيرا في المياه الصالحة للشرب، فكان هذا السبب الرئيس في الكثير من الامراض السرطانية. وعمدت ايران على قطع الكهرباء عن العراق في موسم الصيف رغم الاتفاقات المبرمة معها. بالإضافة الى السيطرة الامنية التي تفرضها الميليشيات الشيعة المسلحة على أغلب المشاريع التي يتم تنفيذها من قبل الوزارات من خلال المكاتب الاقتصادية للميليشيات المسلحة.
ثانيا: استخدام العراق كمنصة مواجهة متقدمة وساحة صراع في أي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة الامريكية من خلال استخدام شيعة العراق الذين يتبعون الولي الفقيه من أحزاب وميليشيات مسلحة وتوظيفهم لخدمة المشروع الايراني. وقد صرح الكثير من قادة ميليشيات الحشد الشعبي كحزب الله العراق والعصائب والنجباء والخرساني وسيد الشهداء بأنهم سيكونون مع ايران في أي مواجهة عسكرية محتملة مع امريكا. وبهذا فإن ايران حولت العراق الى ساحة صراع مفتوحة متى ما اقتضت المصلحة الايرانية لذلك بغض النظر عن مصالح الامن القومي العراقي. وقد صرح القائد العام للحرس الثوري الايراني اللواء محمد علي جعفري في تشرين الثاني نوفمبر عام2017م قائلا:” إن مصير جبهة المقاومة مترابط والجميع يقفون متحدون وإذا هاجمت إسرائيل أي طرف منها، سيهبّ الطرف الآخر من الجبهة لمساعدته”، في اشارة واضحة الى الاذرع الايرانية في المنطقة.
ثالثا: إضعاف السنة بالعراق من خلال إصدار مذكرات القاء القبض وانتزاع الاعترافات بالقوة مع استقطاب الكثير من القيادات السنية وإغرائهم بالمناصب والاموال لكسب ولائهم وابعاد جميع الشخصيات المعادية للنفوذ الايراني عن المشهد العراقي كي لا يستخدموا في تهديد المصالح الايرانية في العراق والمنطقة. وكل من يقف بالضد من ذلك فهو عرضة للتصفية الجسدية كما حصل في تصفية الكثير من الشخصيات الذين طالبوا بإرجاع اهالي جرف الصخر الى مناطقهم. وهذا كله يتم تنفيذه من خلال الادوات الايرانية التي دخلت في مؤسسات الدولة العراقية بعد عام 2003 وأصبح لها نفوذ كبير وخاصة في المؤسسة الامنية والعسكرية.
رابعا: استخدام العراق كمتنفس مالي لإيران للتخلص من العقوبات الامريكية التي فرضت على ايران من خلال التحكم بالاقتصاد العراقي وربطه بالسوق الايراني وخاصة استيراد الغاز والكهرباء. بالإضافة الى فتح البنوك المشتركة ومنع العراق من تشغيل المصانع كما حصل لمصفى بيجي. بالإضافة الى حرق الاراضي الزراعية مع ابقاء العراق بحاجة دائمة للغاز الايراني لتشغيل المحطات الكهربائية مع السيطرة على منابع الانهار التي تصب في العراق وقطعها مما يسبب أزمة حقيقة في مياه الشرب وتضرر الزراعة في العراق مما جعل الاسواق العراقية بحاجة ماسة للمحاصيل الزراعية الايرانية ما يعني هيمنة الاقتصاد الايراني على الاقتصاد العراقي.
خامسا: محاولة ايران ابعاد العراق عن محيطه العربي من خلال ربط المواقف السياسية للعراق بالموقف الايراني وخاصة تجاه مجريات الاحداث في المنطقة، كالموقف من الملف السوري واليمني والبحريني واللبناني. فقد رفض العراق حملة عاصفة الحزم العسكرية التي تقودها السعودية ضد الحوثين في اليمن وكذلك رفض الإجراءات التي اتخذت ضد الحكومة السورية، كما وقفت ضد الحكومة البحرينية بسبب موقفها من المتظاهرين البحرينيين، وكذلك ضد التدخل السعودي. وقد سعت ايران جاهدة لجعل العراق ضمن المحور الايراني مما يجعلها تنفرد في الاستحواذ على العراق سياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا بحيث وصل النفوذ والتواجد الايراني الى درجة لا يمكن السكوت عليها.
سادسا: تريد ايران أن يكون العراق تابعا وخاضعا وضعيفا غير قادر على حماية نفسه ولا يشكل تهديدا لها ولمصالحها على المدى البعيد. لذا سعت لحل وإضعاف المؤسسة الامنية والعسكرية التي قاتلت ايران طوال ثماني سنوات وكسرت شوكتها. لذا فهي تريد قوات عسكرية غير قادرة على حماية نفسها وبلدها لتكون بحاجة دائمة الى مساعدة خارجية خصوصا بعد إن أدخلت المحاصصة الطائفية في تشكيلته التنظيمية والعقدية وهمشت دوره الوطني والقومي. كما عمدت ايران على تشكيل قوات عسكرية على غرار الحرس الثوري الايراني وحسب المقترح الذي قدمه رفيق دوست أبرز مؤسسي الحرس في ايران. فشكلت الكثير من الميليشيات المسلحة قبل وبعد عام 2014 لتنتظم ضمن تسمية الحشد الشعبي الذي يضم الكثير من الميليشيات الطائفية الولائية والتي تدين بالولاء للولي الفقيه في ايران، والتي دفعت الكثير منها للقتال في سوريا كميليشيات عابرة للحدود. وعملت ايران على تجنيد الكثير من المقاتلين الشيعة مقابل مبلغ من المال واستخدمتهم أيضا للقتال في سوريا واليمن لتنفيذ مشروعها الاقليمي في المنطقة. وقد صمتت الحكومة العراقية على هذه جرائم هذه الميليشيات التي سيطرت على المشهد العراقي بفعل الضغوطات الايرانية.

مظاهرات عام 2018 في العراق وتغير المزاج الشعبي ضد النفوذ الايراني:
لقد خرجت في العراق الكثير من المظاهرات والاحتجاجات ولسنوات طويلة لا سيما في عام 2010 وعام 2011، بسبب سوء الخدمات وخاصة الكهرباء. وفي عام 2012 وعام 2013 نظمت مظاهرات في المحافظات السنية والتي استمرت لأكثر من سنة وكانت سلمية بكافة تفاصيلها ولكنها استهدفت من قبل حكومة المالكي الطائفية وارتكبت مجازر في عدة مناطق كالحويجة وديالى والانبار والفلوجة، وانتهت بتسليم هذه المحافظات الى تنظيم الدولة. ثم استمرت المظاهرات في عام 2015 وعام 2016 وعام 2017 وخاصة في المحافظات الجنوبية التي كانت تطالب بتحسين الكهرباء وتوفير المياه الصالحة للشرب وتوفير فرص للعمل والتقليل من البطالة. أي أن جميع المطالب كانت تتلخص بتحسين ملف الخدمات والواقع السيئ الذي يمر به العراق. وفي عام 2018 خرجت مظاهرات عارمة بسبب نقص الخدمات أيضا لكن هذه المرة حدث فيها تغير جذري من ناحية مطالب المتظاهرين ولكن السلطة الحاكمة واحزابها وميليشياتها فشلت في تلبية مطالبهم وخاصة مطالب الشباب الذين يعانون من البطالة والفقر. حيث أدرك الجميع وبعد مرور (16) عاماً بأن السياسيين الذي جاؤوا على الدبابة الامريكية لا يهمهم سوى مصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة مع مراعاة مصالح ايران على حساب مصلحة العراق وحتى مصلحة الشيعة العراقيين. فارتفعت في هذه المظاهرات شعارات تنادي بالحد من التدخل الايراني في البلاد، وتم حرق القنصلية الايرانية في محافظة البصرة بعد أن وصلت الضغوط التي مارستها ايران عن طريق ادواتها الحزبية والميليشياوية وقواها الناعمة على الارض الى حد لا يطاق. وبدأت الاتهامات توجه ضد الأحزاب الشيعية الحاكمة كونها السبب الأساسي في مأساتهم وويلاتهم. إذ وصلت الاستفزازات الايرانية التي مورست ضد العراقيين الى حد تعرض سيدة عراقية كبيرة في السن من اهالي محافظة النجف بتاريخ يوم 18 آب عام2019 الى ضرب مبرح من قبل ضابط ايراني برتبة ملازم بمطار مشهد الدولي، مما أثار ردود فعل صاخبة على كافة المستويات. وهذه ليست الحادثة الأولى، فقد سجلت الكثير من الحوادث التي تم التجاوز فيها على العراقيين في ايران.

مظاهرات عام 2019 أسوء عام على النفوذ الايراني في العراق:
في بداية شهر تشرين الاول الماضي خرجت مظاهرات حاشدة في بغداد والمحافظات الجنوبية على أثر مظاهرات سبقتها لحملة الشهادات العليا الذين خرجوا للمطالبة بتوظيفهم في مؤسسات ودوائر الدولة التي أصبحت حكرا على الاحزاب السياسية الحاكمة وميليشياتها المسلحة، لكنها قمعت من قبل الاجهزة الامنية. غير أن مظاهرات تشرين كانت خارج الحسابات الداخلية والخارجية وخاصة الحسابات الحكومية والايرانية، كونها انطلقت انطلاقة قوية وشرسة وثابتة والتي استمرت الى اليوم السابع لتهدأ قليلا ثم تعود لتستعر مرة أخرى في الخامس والعشرين من الشهر نفسه والتي استمرت الى يومنا هذا. وقد هزت أركان الحكومة وأحزابها السياسية وميليشياتها الطائفية المسلحة هزة قوية بحيث قلبت الحسابات الايرانية رأسا على عقب بعد أن أحرقت صور الخامنئي والعلم الايراني وأحرقت القنصلية الايرانية في كربلاء والنجف وتعالت الاصوات بنبذ الطائفية وخروج النفوذ الايراني من العراق الذي طالما قدم نفسه حاميا للشيعة. فهناك رفض شامل للنفوذ والتواجد الايراني في البصرة والناصرية وميسان والسماوة والديوانية وكربلاء والنجف وبابل وبغداد. وهذه المناطق كانت تعتبر داعمة للطبقة الحاكمة التي تربطها علاقات ايدلوجية وعقدية واضحة بإيران طوال في الفترة السابقة، واذا بها تنتفض على هذا النفوذ الذي أصبح غير مقبول ويهدد استقرار هذه المناطق بسبب التمدد والسيطرة والهيمنة الايرانية عليها.

كما اطلقت شعارات تنادي باستعادة الهوية الوطنية وترفض مشروع المحاصصة الطائفية الذي مزق النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي.

إن من يتابع الموقف الرسمي الايراني الرافض للحراك الشعبي في العراق يتبين له الموقف العدائي من هذه المظاهرات التي ضربت النفوذ الايراني في مقتل من حيث الرقعة الجغرافية التي ينتشر فيها هذا الحراك الرافض للهيمنة الايرانية وينادي باستعادة وطن تمت السيطرة عليه من قبل ميليشيات واحزاب تابعة لإيران. لقد وصف خطيب جمعة طهران محمد علي موحدي كرماني خلال خطبة صلاة الجمعة في العاصمة المتظاهرين العراقيين بأنهم “شيعة الإنجليز >”أما المرشد الإيراني علي خامنئي فقد وصف الاحتجاجات الشعبية المستمرة في العراق ولبنان منذ أسابيع بأنها” أعمال شغب تديرها أميركا وإسرائيل وبعض دول المنطقة”. وأثناء زيارته للجامعة العسكرية -تابعة للجيش الايراني- يوم 30 أكتوبر 2019 قال خامنئي: “إن على العراقيين معالجة حالة الفلتان الأمني بالدرجة الأولى” وأضاف: ” إن الأعداء يسعون إلى هدم بنية الدولة ونشر الفوضى في العراق ولذلك على العراقيين أن يحققوا مطالبهم عبر الأطر الدستورية والقانونية”، وتابع قائلا: ” إن إيران عملت بالتعاون مع حلفائها في العراق على تهدئة الأوضاع والحفاظ على حكومة عبد المهدي”.

لقد بدء النفوذ الايراني في العراق يترنح ويتداعى ويتقهقر بعد أن تم اسقاط حكومة عادل عبد المهدي التي شكلت عام 2018 والتي بشرت ايران بتشكليها. وهذا يذكرنا بما صرح به محمد علي جعفري قائد الحرس الثوري الايراني بتاريخ 15 تشرين الثاني 2018 قائلاً: “تغلبنا على اميركا بـ 3 – صفر وان الرئاسات العراقية الثلاث الحالية هم من المعسكر الايراني”. فقد تمسكت أحزاب السلطة بمشورة ايرانية قدمها سليماني في زيارته التي أجراها في بداية شهر تشرين وهي عدم الموافقة على استقالة حكومة عادل عبد المهدي المتهمة بقتل المتظاهرين السلميين ولكن هذه المشورة لم تسعفهم. بل إن الأخطر هو أن المظاهرات لا زالت مستمرة وتطالب بحل البرلمان وكتابة قانون انتخابات جديد واجراء تعديلات على الدستور أو كتابة دستور جديد ورحيل الطبقة السياسية المتواجدة في الساحة منذ عام 2003 والى يومنا هذا برمتها وبكافة تشكيلتها وشخوصها مع اجراء انتخابات مبكرة. وهذا ما ترفضه – طبعا – السلطة الحاكمة وميليشياتها المسلحة كما يرفضه الاكراد. لأن تنفيذ هذه المطالب يعني القضاء على جميع الامتيازات التي حصلوا عليها لغاية اليوم. يضاف اليه خروجهم من المشهد السياسي العراقي وهذا يعني إن النفوذ الايراني سيتداعى وسيعود الى المربع الاول.

لقد اسقط الحراك الشعبي في العراق جميع الشعارات التي تنادي بها ايران لحماية الشيعة وحماية المذهب بعد إن خرج الحراك عن الخطوط الطائفية التي فرضتها على العراق منذ فترة طويلة. فقد تمردت الجماهير المنتفضة ضد النظام السياسي القائم. فهو حراك عابر للطوائف والمناطق والمحاصصة الطائفية والمحسوبية والمنسوبية ولأول مرة ترفع الاعلام العراقية بدل أعلام الميليشيات الطائفية المسلحة التابعة لإيران. كما اطلقت شعارات تنادي باستعادة الهوية الوطنية وترفض مشروع المحاصصة الطائفية الذي مزق النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي. وهذا يعني إن هناك انقلابا كاملا للحاضنة الاجتماعية التي طالما ادعت ايران وأدواتها بأنها الحامية لهم واذا بها تسخر ادواتها ومستشاريها لتقديم المشورة لتقتلهم اليوم بدم بارد. فهذه المظاهرات أسقطت مشروع الاحتلال القائم على المحاصصة الطائفية والذي جاءت به الولايات المتحدة الامريكية ورعته ودعمته ايران من خلال احزابها وميليشياتها.

إن ايران وميليشياتها في العراق تحصد نتاج السياسيات الطائفية التي مارستها من خلال اشعال فتنة داخلية بين مكونات الشعب العراقي وخاصة بعد تفجيرات سامراء التي ثبتت – حسب تصريحات قائد القوات الامريكية في العراق كي سي – أن ايران تقف وراء هذه الجريمة النكراء، فضلا عن الجرائم التي ارتكبت اثناء استعادة المدن من تنظيم الدولة بعد عام 2014. حيث ارتكبت الكثير من الجرائم التي ترقى لجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية من قبل ميليشيات الحشد الشعبي الولائي التي شكلتها وسلحتها ومولتها ودربتها ايران والتي تعمل خارج السيطرة الحكومية. حيث قامت بعمليات خطف وقتل وتغييب طائفي وعرقي. فهي تمارس الارهاب بكافة اشكاله ومنه ارهاب الدولة الذي يقتل باسم القانون حتى وصل الامر الى استهداف الحاضنة الاجتماعية لهذه الاحزاب والميليشيات.

لقد أسقط الحراك الشعبي حاجز الخوف لدى الجماهير المنتفضة على الواقع المزرى الذي وصل اليه العراق وخاصة في المناطق التي انتفضت ضد الفقر والبطالة والفساد وسوء الخدمات وفساد الأحزاب الطائفية التي مارست الفساد المالي والاداري وحولت العراق الى دولة فاشلة خصوصا وإن من حكم العراق بعد عام 2003 هي الاحزاب الاسلامية الشيعية التي تبنتها ايران قبل وبعد الاحتلال الامريكي. حيث تجاهلت هذه الأحزاب الحاكمة مآسي الناس ومطاليب الفقراء التي تطمح لحياة حرة كريمة. فقد قدمت ايران واتباعها اسوء نموذج على مستوى الادارة والحكم، يضاف الى ذلك كله ربط المواقف الرسمية للعراق بالموقف الايراني من القضايا التي تخص الامة باسم المقاومة والممانعة وخاصة التدخل في سوريا واليمن والبحرين والصراع مع الولايات المتحدة الامريكية، والذي يمكن أن يحول العراق الى ساحة صراع محتملة. وهذا كله أفقد العراق بعده العربي والاسلامي والتي لا تصب في مصلحة العراق.

الخاتمة:
الخلاصة يمكن لنا إن نقول بأن النفوذ الايراني في العراق لم يأت من قوة ايران وإنما كان نتيجة للمتغيرات الدولية والاقليمية التي شهدتها المنطقة منذ احتلال العراق عام 2003. حيث فتحت ابواب المنطقة للأجندة الايرانية وعمت الفوضى التي انتجت تغيرات خطيرة منها داخلية وأخرى خارجية. يضاف لذلك ضعف الحضور العربي في العراق وتقاطع الاجندة العربية أو عدم وجود استراتيجية عربية واضحة ومتفق عليها. الامر الذي يعتبر سبب رئيسي في توسع وتمدد النفوذ الايراني في العراق والمنطقة. حيث سعت ايران منذ احتلال العراق الى الهيمنة الكاملة على الملف العراقي من خلال بناء مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة على كافة المستويات وربط المواقف السياسية والاقتصادية والامنية للعراق بإيران وابعاده عن محيطه العربي بالاستفادة من البعد الديني والمذهبي الذي ساهم في اذكاء الصراعات الطائفية الداخلية وتوظيفها لخدمة المصالح الايرانية. كما أن الامر الذي يجب أن يفهم بشكل دقيق وعميق هو أن النفوذ الإيراني لن يتقلص في العراق بهذه السهولة التي يتصورها البعض والسبب في ذلك هو إن النفوذ الإيراني يتكون من شبكة معقدة من العلاقات الايدلوجية والمذهبية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والامنية وبلغ مبلغا عميقا وله جذور بعيدة في كل مؤسسات الدولة التي قامت بعد عام 2003، ولا يمكن إسقاطه من خلال الاحتجاجات والمظاهرات فقط بل يجب التفكير في مواجهة النفوذ الايراني على جميع المستويات والجبهات والخيارات. ويجب إضعاف مراكز القوى الايرانية في العراق وتفتيتها كأحزاب وميليشيات التي تدفع الان باتجاه إنهاء المظاهرات بالقوة حتى ولو وصلت الامور الى الحرب الأهلية طالما إن هذه المظاهرات تهدد النظام السياسي القائم والتابع لإيران.

 

بقلم
حاتم كريم الفلاحي
باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام)