أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

كانت القوى السياسية من أحزاب وعناصر مستقلة هي التي تقدم مرشحيها، أما السلطة التنفيذية فلا تقوم بذلك، أي لا تهييء مرشحين عنها، لأن مهمتها تقتصر على إجراء عملية الانتخاب بحيث ان دورها ينحصر في الاشراف المحايد على عملية الانتخابات.
الا ان السلطة التنفيذية أسهمت إسهاما مباشرا في مرحلة الترشيح، إذ كانت تعد قوائم ترشيح خاصة بها، تضم مؤيدين لها وتسمى (قائمة الحكومة) ويسمى مرشحوها ب (مرشحي الحكومة)، وفي الوقت ذاته كانت السلطة التنفيذية تسعى جهدها عن طريق الادارة الى منع بعض ممثلي المعارضة من ترشيح انفسهم بغية إفساح المجال لقائمتها.
لقد ذهبت الحكومات المتعاقبة الى اسلوب التدخل في شؤون الانتخابات، فكانت النتيجة إخراج نواب هم أقرب الى أن يكونوا معينين حكوميين من أن يكونوا ممثلين شعبيين.
وبهذا الصدد يقول بارتملي (استاذ الحقوق الدستورية) :
”اذا تدخلت حكومة في شؤون الانتخابات النيابية، كان هناك مجلس صديق لتلك الحكومات يطرب لها اذا تحدثت ويرفع يديه للموافقة اذا طلبت“. وكانت الترشيحات تأتي على أساس الايعاز من السلطات العليا، ففي القضاء أو الناحية تكون الانتخابات للمنتخبين الثانويين صورية بحكم الواقع.
لقد سارت الحكومات المتعاقبة على طريق الترشيح (مرشحو الحكومة) يفوزون بالانتخابات.
لكن للصحافة اسهام كبير في التوعية الانتخابية والدعاية لها منذ أول مجلس نيابي عقد في (١٦ تموز ١٩٢٥) وتركزت تلك الدعاية بصورة عامة على مناشدة المنتخبين بضرورة التأني في اختيار المنتخبين الثانويين.
ومما يظهر أن الصحافة وقتئذ طغى على اسلوبها في بعض الاحيان مسحة من المثالية والعمومية فضلا عن التزام الدقة والنزاهة في اختيار نواب الشعب في المجلس النيابي.
فشرعت في كتابة المقالات التي تدعو الى ذلك، فتحت عنوان ” الانتخابات النيابية في العراق“، كتبت صحف حزب الاستقلال العراقي منها (العهد) مقالا جاء فيه : ”إنا نرى من واجبنا أن نلفت أنظار الأهالي الى وجوب التأني في انتخاب الأشخاص الذين ستلقى بين ايديهم مقدرات البلاد السياسية فإن شاءوا خدموها بما جبلوا عليه من الاخلاص والحكمة، وإن أبوا ألقوا بها إلى الحضيض …“، واختتمت الجريدة مقالها، بالتاكيد على ضرورة إختيار الاشخاص الاكفاء، لتبوا العضوية في المجلس النيابي، بقولها، ”…المنتخبون الثانويين هم عماد الحركة الانتخابية وأصلها، فإن كان العماد ضعيفا والاصل فاسدا، فإننا لا نلبث أن نرى كتلة من الجراثيم البشرية (كذا) تتبوء مقاعد المجلس النيابي وهو أول مجلس يجب أن يظهر فيه العراق بمظهر القادر على حكم نفسه بنفسه…“.
كما كانت الدعاية الانتخابية في الدورات الانتخابية العشر الاولى (١٩٢٥ – ١٩٤٦) لا تتعدى تبيان أسماء الذين يرشحون للانتخابات، لكن الصحافة كانت تطالب المنتخبين الثانويين باختيار الافضل، ففي مقال لجريدة الحزب الوطني (صدى الجمهور) بقولها : ”لا ينبغي أن يؤثر عليها فيه رجاء ولا التماس ولا سيطرة ولا نفوذ، اذ الكلمة للرأي العام والرأي للجمهور لاختيار رجل ينوب عن الامة … ولا يعود خيره وشره إلا عليها وعلى بلادها …“.
وأكدت على اختيار النائب الكفء، بقولها : ”… فيا معشر المنتخبين الثانويين نناشدكم بالله أن تضعوا نصب أعينكم سيادة البلاد باختيار الرجل الكفوء …“، وأضافت ”… أن لا تأخذكم في الحق لومة لائم، فما هذا الانتخاب الا أمانة أودعتها الامة اليهم…“.
كما نشرت جريدة الانباء (سياسة مستقلة)، مقالا بعنوان : ”المجلس القادم : نريد شبابا لا أخشابا“ : ” اسمعوا أيها السادة نريد نوابا أحرارا مفكرين لا أخشابا مسندة وآلات متحركة حسب الأهواء والمشيئات، نريد مجلسا يضم نخبة من الشباب الوثاب المتقد عزيمة ورجولة وإخلاص لا مجموعة من الاميين وأنصاف الاميين والعجزة والشيوخ … نريد أدمغة تعرف كيف تفكر، وقلوب تعرف كيف تخلص، ونفوسا يعمرها الصدق ويعمرها الايمان … “.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية شرعت الحكومة بانتخابات جديدة، وفق قانون الانتخابات الجديدة رقم (11) لسنة 1946، ففي مقال كتبه (محمد صديق شنشل)، ونشرته جريدة فتى العراق، تحت عنوان : “الانتخابات”، أكد فيه على ضرورة تحقيق مطالب الشعب في ممارسة حقوقه الدستورية، ليخرج الشعب على حد قوله من : ” ظلمات الفوضى والاستسلام الى نور الحرية والنظام”، كما علل في عزوف الناس عن الانتخابات، وعدم الاهتمام بها قائلا : ” ذلك ان الناس ألفوا أن تكون الانتخابات لونا من ألوان العبث فأعرضوا عنها … تلك المهازل التي يعاد تمثيلها من حين الى حين …”، ووصف حالة الوضع البرلماني في العراق، قائلا : “انعدمت مسؤولية الوزارة أمام الامة ومجلسها وانعدم معها تطبيق نظام الحكم الدستوري وسلبت حقوق الشعب وقضي على حرياته … وتعاقبت الوزارات الدكتاتورية باسم الشعب المهمل والدستور لم يعطل، أصبح العراق أشبه بجزيرة مظلمة في محيط العالم المضيء بنور الحرية…”.
بعد أن أسقطت القوى السياسية المعارضة (معاهدة بورتسموث 1848، التي وقعتها حكومة صالح جبر، أجبرت حكومة (جبر) على الاستقالة. شكل محمد الصدر حكومته الأولى والوحيدة في 29 كانون الثاني 1948، وقبيل الشروع بالانتخابات النيابية الجديدة، طالبت الأحزاب السياسية بضرورة اصلاح الجهاز الإداري واجراء انتخابات نزيهة من شأنها أن تؤدي الى قيام مجلس يمثل الشعب تمثيلا صحيحا، فتحت عنوان : ” حول حرية الانتخابات، كتبت جريدة لواد الاستقلال (لسان حال حزب الاستقلال)، مقالا جاء فيه : “… اننا نريد مجلسا يأتي به الشعب ليكون رقيبا على مصلحته من أعمال الوزارة، لا أن تآتي الوزارة ليسندها في مواجهة الشعب، وهذا المجلس انما يأتي عن طريق الانتخاب الحر، وحرية منح الثقة لمن أأتمنه الشعب على مصالحه وأمانيه …”.
بعد أن حلت حكومة الصدر مجلس النواب تقرر المباشرة بإجراء انتخابات نيابية جديدة (الدورة الانتخابية الثانية عشر) حيث عممت وزارة الداخلية كتابا الى متصرفي الألوية، تنبئهم بأن الحاجة الماسة والأوجاع الحاضرة تستدعي المباشرة بالانتخابات في 10 آذار 1948، وطلبت اليهم أن لا يتدخلوا في سير الانتخابات بأي صورة كانت وأن يفسحوا المجال للمنتخبين ليصوتوا بكل حرية. وعلى أثر ذلك أخذت الصحف بنشر مقالات عدة طالبت بضرورة أن تكون الانتخابات حرة، ومطالبة الشعب بانتخاب الاكفاء والمخلصين، كما طالبت الصحف اختيار من هؤلاء الأفضل ليمثل الشعب، ووجهت بعض الصحف تحذيرا خطيرا، جاء فيه : ” النيابة وكالة شريفة عن الشعب نحن نريد أن تكون هذه الانتخابات النيابية حرة حقا ونزيهة حقا … ان الأكثرية من الشعب قد ساورهم الشك من أمر هذه الانتخابات…”.
قررت حكومة الصدر أن يكون الانتخاب يوم ١٥ حزيران ١٩٤٨، استنادا الى المادة (٣٤) من قانون انتخاب النواب رقم (١١) لسنة ١٩٤٦، ورافق ذلك قيام هذه الحكومة بإعلان الاحكام العرفية في جميع أنحاء العراق بحجة حماية مؤخرة الجيش العراقي المشترك في حركات فلسطين، ثم قيام الكثير من موظفي الحكومة بتصرفات لا تلائم حرية الانتخابات، وعلى الرغم من ذلك شاركت في الانتخابات الأحزاب السياسية الوطني الديمقراطي والاستقلال والاحرار، كما شارك عدد من الشخصيات المستقلة.
ساهمت الصحف بالدعاية الانتخابية للمرشحين، لكن نشرت بعض الصحف مقالات حول الاحكام العرفية وحرية الانتخابات بينت فيه أن الغاية من الأحكام العرفية هو : “احداث النظام والهدوء في البلاد، أما اذا كان الأمر بالعكس من ذلك واستعملت الاحكام العرفية كوسيلة للإرهاب
والتهديد وفرض أمور لا يقرها الدستور”.
وقارنت بعض الصحف بين نائب عالم ونائب جاهل، عرفت فيهما النائب، فقالت، النائب في المجلس وكيل أمنه وكالة مطلقة لا قيد فيها ولا شرط يتحدث عن الامة كلها لا عن منطقة واحدة معينة ويفكر لأجل الشعب بكامله…” وخلصت هذه الصحف في مقالاتها : “إذا كان الشعب راقيا في تفكيره وفهمه لمعاني أنظمة الدولة اختار لمجلسه أطيب أبنائه علما ومقدرة وإخلاصا، واذا كان العكس اختلط الحابل بالنابل في معركة الانتخابات وتساوى العالم والبليد والمخلص والخائن واندفع الى مجلس الامة نواب جاهلون ومستهترون بمصالح البلاد”.
ورغم ممارسة السلطات الحكومية لأساليب الضغوط والتدخل خلال العملية الانتخابية، فقد فاز عدد من مرشحي الأحزاب السياسية المعارضة ومن المستقلين فضلا عن مرشحي الحكومة.
في صيف عام ١٩٥٢ كانت دورة المجلس (الثانية عشر ١٩٤٨ – ١٩٥٢) تقترب من نهايتها ولابد من إجراء انتخابات جديدة.
كيف جرت الانتخابات المباشرة في ظل الاحكام العرفية – كما سنرى –